الخليج العربي: محاور الهموم والمستقبل الغائم   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


عبدالله العمادي*

- محاور الهموم الخليجية
-
عوامل التأزيم الأميركي
- مظاهر غموض المستقبل الخليجي

القارئ لحركة الأحداث على الساحة الخليجية منذ كارثة عام 1990، يدرك على الفور أن المنطقة لن تهدأ أحداثها طالما بقيت كلمة عناصرها الأساسية متفرقة شرقا وغربا، وأعني بذلك القراءة المتنوعة والمختلفة لعناصرها فيما يتعلق بمستقبل منطقتها المهدد تقريبا، هذا إن لم يكن التهديد قد بدأ بالفعل وأخذ يمارس أدواره المختلفة وبوسائله العديدة.

محاور الهموم الخليجية

هناك أربعة محاور مهمة تعتبر مفاتيح في فهم وتحليل الهموم الخليجية ولا يستطيع أي متتبع للأحداث في المنطقة تجاهلها أو القفز عليها.

  1. دول منظومة مجلس التعاون

    منظومة دول مجلس التعاون الخليجي لازال تعاملها إلى يومنا هذا مع أحداث المنطقة مطبوعا بالتباين ولا تستطيع اتخاذ موقف واضح جامع خاص بها، ويبدو ذلك خصوصا في قرارها السياسي للتعامل مع العناصر المهمة في المنطقة، خصوصا إيران والعراق
    وأول تلك المحاور المهمة عندما نتحدث عن الخليج، هي دول منظومة مجلس التعاون الخليجي، باعتبارها الأكثر عددا والمحور الرئيسي الذي تدورالخطط المستقبلية للمنطقة عليه، وباعتبارها أيضا الأسهل والأسرع إلى مسايرة الأحداث والتعاطي العفوي مع الأمر الواقع، أو بمعنى آخر أنها ليست من تصنع القرار الإستراتيجي للمنطقة، ولكن يمكن أن تؤثر فيه بصورة وأخرى، وتلعب أدوارا معينة في صناعته.
    المشكل في الأمر أن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي لازال تعاملها إلى يومنا هذا مع أحداث المنطقة مطبوعا بالتباين ولا تستطيع اتخاذ موقف واضح جامع خاص بها، ويبدو ذلك خصوصا في قرارها السياسي للتعامل مع العناصر المهمة في المنطقة، خصوصا إيران والعراق، ومن ثم الولايات المتحدة.
    فمن جهة تضغط الولايات المتحدة على دول المنظومة حتى لا ترضخ للضغوطات الإيرانية من جهة، وحتى لايؤثر الواقع العراقي الحالي عليها من جهة ثانية فترى المنظومة وهي مختلفة تجاه هذين العنصرين، تريد أن ترضي نفسها والطرفين الإيراني والعراقي ومعهم جميعا الطرف الأميركي، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يحدث، نظرا لعدم وجود تلك التقاطعات المصلحية التي قد تساعد على ذلك.
    الطرف الخليجي لا بد أن يكون أكثر وعيا وعمقا في التفكير السياسي العملي، وأن يبتعد عن التفكير القبلي في المسائل المتشابكة مع أطراف لا تتبع ذلك النوع من التفكير، إضافة إلى أهمية أن يتخلص من التفكير بالعقل الأميركي، فذلك عقل له مساراته وتشعباته وأجندته، ويختلف تماما عن ذلك العقل العربي الخليجي، ويختلف كذلك عن العقلية التي تفكر بها دولة مثل إيران أو دولة تعيش ظروفا غير عادية مثل العراق.
  2. إيران

    التفكير بالمنظور والعقل الأميركي في التعامل مع إيران، هو خطأ فادح ستتضرر منه دول المنظومة جميعا في وقت من الأوقات، عاجلاً أم آجلاً
    المحور الثاني المهم في المسألة الخليجية هو إيران دولة أولا وعقيدة أو فكرا ثانيا. فالدولة الإيرانية اختلفت بشكل كبير عن تلك التي عرفها العالم قبل عشرين عاما من الآن، وصارت تتحرك اليوم بمنطق الدولة وليس الثورة، وإن كانت لاتزال دولة تسير بالأيدلوجية الخاصة بها، والتي تعيش بسببها بين حين وآخر أزمات ومكدرات، ورغم ذلك فهي مازالت قادرة على التعاطي معها والتكيف بالشكل الملائم، الأمر الذي يبقي على تماسك الدولة بشكل عام.
    نعود ونقول بأن دولة كبيرة مثل إيران، وبعد موقفين كبيرين تعرضت لهما خلال العشرين عاما الماضية، وهما الحرب التي فرضت عليها مع العراق وموقفها في كارثة الخليج الثانية، عادت هذه الدولة قوة لا يمكن تجاهلها في المنطقة، لا من قبل الذين يشاركونها الجوار الجغرافي ولا من قبل الآخرين الراغبين في احتوائها، وعزلها عن التأثير على أي خطط إستراتيجية أو التأثير على القرار السياسي والاقتصادي الخليجي العربي.
    إن دولة بإمكانيات إيران لابد أن تعمل دول منظومة الخليج جهدها في التعامل الدقيق المحسوب معها، والتفكير تجاهها وبما يتفق ومصلحة المنطقة، أي أن التفكير بالمنظور والعقل الأميركي في التعامل مع إيران، هو خطأ فادح ستتضرر منه دول المنظومة جميعا في وقت من الأوقات، عاجلاً أم آجلاً، هذه نقطة أولى.
    أما النقطة الأخرى المهمة فتتمثل في أهمية تنبه عرب الخليج إلى أن من مصلحة المنطقة ككل تقوية علاقاتها مع إيران سياسيا واقتصاديا، مع عدم التركيز الشديد على الاختلافات الفكرية، باعتبار أن المصالح هي العامل المشترك في لغة السياسة، وما ينفع إيران هو بالضرورة نافع للخليج كله أيضا، والضرر كذلك سيعم الجميع إذا ما حل بفرد من المنطقة. بمعنى آخر، أن الولايات المتحدة لن تتضرر كثيراً، لا حكومة ولا شعبا إذا ما وقع الضرر على أحد بالخليج، وهذا يدعو إلى استشعار خطورة التفكير حسب المنهج أو الرؤية التي عليها الولايات المتحدة تجاه المنطقة بشكل عام.
  3. العراق

    إن رسم الخطط والسياسات لا بد أن يبتعد عن الاستناد إلى واقع العراق اليوم، فهذه واقعة مؤقتة تعتمد اعتمادا كبيرا على توجه الولايات المتحدة لأجل مصالح معينة
    المحور الثالث في موضوعنا هو العراق. فعلى الرغم من واقعه الذي لا يحسده عليه أحد، فهو مازال ركنا ومحورا مهما في المنطقة. وحاله هذا لن يدوم، فلعل تغييرا يقع من داخله أو خارجه، يعيد هذا البلد إلى المجتمع الدولي أو إلى الحياة، إن صح وجاز التعبير، ويبدأ بممارسة دوره الكبير المؤثر في هذه المنطقة. نريد أن نقول إن رسم الخطط والسياسات لا بد أن يبتعد عن الاستناد إلى واقع العراق اليوم، فهذه واقعة مؤقتة تعتمد اعتمادا كبيرا على توجه الولايات المتحدة لأجل مصالح معينة، وحينما يرون أن من مصلحتهم رفع العقوبات عن هذا البلد، فلن يتوانون لحظة في ذلك، وهذا هو الحاصل الآن فيها وفي عدد من البلدان الأوروبية، التي تحركها جميعا المصلحة.
  4. الولايات المتحدة
    أميركا هي المحور الرابع الأخير والمؤثر، هذه الدولة التي لها أهدافها وخططها الإستراتيجية ليس تجاه الخليج فحسب، بل في كل مناطق العالم المهمة والحساسة. فهي تدرك تماما أنها ماجاءت إلى المنطقة بهدف حماية الأنظمة وشعوبها، وإنما جاءت لحماية ما تحت أراضي المنطقة من نفط هائل رخيص في تكاليف استخراجه، وسهولة تصديره، ولأن حماية تلك الثروة تتطلب غطاء مناسبا أو مبرراً معقولاً.

عوامل التأزيم الأميركي

تعتمد أميركا في تنمية حضورها بالمنطقة وضمان استمراره على دعوى الدفاع عن الأمن الخليجي وحماية دول مجلس التعاون خصوصا من أعداء متربصين بها هم تحديدا العراق وإيران.

  1. العراق.. العامل الأول
    أما الأول فهو العراق وقد حوصر عشر سنوات وإلى اليوم ويمكن أن يمتد إلى غد غير معروف، وصار هذا الحصار وسيلة مهمة للولايات المتحدة لتخويف المنطقة بأسرها من خطره، وبسببه يرسخ الأميركان أقدامهم بالمنطقة ويعمقونها كل يوم، وبسببه أيضا يتم إغراق واستنزاف دول الخليج بكافة أنواع الأسلحة الدفاعية، والتي رغم ذلك التكديس، لن تقدر على استخدامها وقت الحاجة. وبالطريقة تلك يتمكن الأميركان من المنطقة ويسيرون قدما في تحقيق أهدافهم الإستراتيجية القريبة والبعيدة على حد سواء.
  2. إيران.. العامل الثاني
    والعامل الثاني الذي يتم التعامل معه بنفس الطريقة المتبعة مع العراق هو إيران، والأميركان في ذلك ينتهجون نفس الأسلوب مع عرب الخليج، حيث يتم تخويفهم وبشكل مستمر وبصور شتى من الخطر الإيراني المحدق بهم والمتأهب للانقضاض على المنطقة وثرواتها في أي لحظة تتاح له الفرصة، مع التأكيد الدائم على أن القوة القادرة على حماية الخليج من هذا الخطر هي القوة الأميركية فقط دون غيرها.

وبتلك السيناريوهات تدير واشنطن العمليات في المنطقة، وتوحي لدول منظومة مجلس التعاون على وجه الخصوص باتخاذ المواقف المناسبة من العراق وإيران، وبالصورة التي تتوافق مع الرؤية الأميركية ومصالح واشنطن. وهذا هو المأزق الذي تعيشه دول مجلس التعاون، وهو الذي يجعل مستقبل منطقتهم شبه غامض وملامحه غير واضحة أو معروفة.

مظاهر غموض المستقبل الخليجي


لعل ما يساعد على نشوء واستمرارية الصورة الضبابية المتكونة حاليا حول مستقبل هذه المنطقة، هو تداخل الأطراف والسياسات والرؤى المتنوعة لكل طرف في الخليج، سواء دول منظومة مجلس التعاون الخليجي أوالعراق أوإيران أوالولايات المتحدة
مما سبق نستطيع الوصول فورا إلى حقيقة مهمة ومزعجة في الوقت نفسه، هي أن مستقبل الخليج أصبح بالفعل غامضا أو على الأقل غائما، لا نستطيع التكهن به أو استشرافه بصورة واضحة وصحيحة. ولعل ما يساعد على نشوء واستمرارية الصورة الضبابية المتكونة حاليا حول مستقبل هذه المنطقة، هو تداخل الأطراف والسياسات والرؤى المتنوعة لكل طرف في الخليج، سواء دول منظومة مجلس التعاون الخليجي أوالعراق أو إيران أو الولايات المتحدة، وإن كانت الرؤى الخليجية والأميركية تتوافق كثيرا في موضوعات معينة، وتختلف أحيانا بعض الشيء وإن كان هذا الاختلاف ليس بالدرجة التي تتعقد الأمور بسببها بين الطرفين.

لماذا نقول بأن مستقبل منطقتنا غامض أو شبه غامض، ولماذا نريد أن يستشعر القارئ شيئا من عدم الارتياح لما يجري في المنطقة، أو التشاؤم من المستقبل، رغم أننا منهيون عن التشاؤم والتطير، ومدعوون على الدوام إلى التفاؤل؟ الأسئلة كثيرة بالفعل حول هذا الموضوع، ولكن لماذا تكثر الأسئلة ولماذا نسأل أساساً؟

  1. في مجلس التعاون:
    إن الحقيقة التي لا بد أن نشير إليها ها هنا، هي أن الواقع هو الذي يفرض علينا إثارة مثل تلك الأسئلة، وأعني بالواقع هنا هو ما عليه دول منظومة مجلس التعاون ومن بعدها إيران والعراق وأخيرا الأميركان. فمجلس التعاون الخليجي بواقعه السياسي وضمن إطار المجلس، صار أقرب ما يكون إلى تجمع احتفالي مظهري، وأعضاؤه غير قادرين على اتخاذ مواقف موحدة تجاه مهددات مستقبل منطقتهم. والرؤية الإستراتيجية البعيدة غير موجودة حقيقة، رغم أن العناصر المفكرة أو القادرة على التفكير تزخر بها دول المنطقة، ولكن مع ذلك لا يدري المجلس إلى أين هو سائر وماذا يريد، أو ماذا يراد له ؟
  2. في إيران
    أما إيران فإنها أحيانا تزيد الطين بلة، ولا تساعد أو تطمئن دول المنطقة وتزيل مخاوفها المشروعة، ولا تحاول أن تعطي الوجه المعاكس لما تروج له الولايات المتحدة عنها بين الخليجيين، فهي مازالت لا تريد أن تضع حدا لمشكلة الجزر مع الإمارات، ولعل الخطوة الإيرانية الأخيرة حول إعادة قرار إصدار التأشيرات للخليجين الراغبين دخول أراضيها بعد أن ألغته سابقاً، رد فعل ساخط على بيان قادة مجلس التعاون الأخير في قمتهم الأخيرة بمسقط في ديسمبر الفائت رغم ما غلف به من طابع أمني باعتباره محاولة لمنع عناصر تنظيم القاعدة من دخول إيران.
  3. في العراق
    وأما العراق، فهو كذلك لا يريد أن يوحي للخليجيين بأنه نادم على ما اقترفه تجاه الكويت، وأنه على استعداد لطي صفحات الماضي السوداء، ويعتذر للكويت حكومة وشعبا على ما صدر منه في صيف عام 90، بل إن مناوراته كثيرة، سواء مع دول المنطقة أو مع بقية المتربصين به.
  4. في الولايات المتحدة
    الولايات المتحدة، التي صار وجودها وبقاؤها في المنطقة لأمد طويل قادم، من الأمور المفروغ منها تقريباً، ولا بد لعرب الخليج الاستمرار في المزيد من التكيف على الوجود الأميركي بمنطقتهم. كما أن توجهات الأميركان للبقاء كقطب أوحد في العالم، صارت تثير الكثير من المخاوف لدى دول المنطقة وشعوبها من أن تتحول منطقة الخليج إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين، يرسمون حدودها الجغرافية وفق ما يريدون، ويتصرفون في خيراتها كما يشاءون، دون أن يمنعهم مانع أو يقف في طريقهم أحد!

من كل ما سبق يمكننا القول، بأن بطء تحرك دول منظومة مجلس التعاون الخليجي نحو التعاون المثمر مع دول الاتحاد الأوروبي والصين، كنوع من التمهيد للتخلص من السيطرة الأميركية وعدم الرضوخ لمطالبها المتعددة، يزيد من تعقيد الأمور ويعمق من ضبابية الرؤية المستقبلية للأحداث في المنطقة. ولعل أحداث الحادي عشر من سبتمبر زادت من تعقيد الأمور في الخليج، وخصوصاً بعد أن دخل عربه في التحالف الأميركي لمحاربة ما يسمى بالإرهاب دون قيود وشروط. فهل يمكننا القول بأن منطقتنا صارت بالفعل مستعمرة أميركية تدار من البيت الأبيض، أم أنها ستكون قادرة على مواجهة التحديات. أم لا هذا ولا ذاك، وتبقى رؤية مستقبل المنطقة ضبابية غير واضحة؟

_______________
* كاتب وصحفي قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة