معالم النصر في العدوان على غزة   
الثلاثاء 1435/11/9 هـ - الموافق 2/9/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)
فايز الدويري


بعد 51 يوما من الهجوم الهمجي البربري، من القتل والتدمير لكل مظاهر الحياة، اضطر نتنياهو على الموافقة على المطالب الفلسطينية المعدلة للورقة المصرية، معلنا بذلك فشل عدوانه على غزة.

توقفت الحرب دون أن تحقق إسرائيل الأهداف التي شنت الحرب من أجلها، ومما يؤكد ذلك أن نتنياهو أبلغ أعضاء الحكومة الأمنية المصغرة هاتفيا، متجنبا عقد اجتماع لهم بسب الخلافات الحادة حول نتيجة المعارك، كما أن استطلاعات الرأي في إسرائيل كشفت أن 32% من العينة المختارة قالت إن إسرائيل خسرت الحرب مقابل 26% يرون أن إسرائيل انتصرت.

يضاف لذلك بقاء ما يقرب من خمسة ملايين من سكان إسرائيل قر ب الملاجئ، وخلو مستوطنات غلاف غزة من سكانها وربط عودتهم بقرار من القائد محمد ضيف، كما تم وقف بعض الرحلات الجوية إلى مطار اللد وضرب الموسم السياحي، واستمرار سقوط الصواريخ على تل أبيب وحيفا والقدس وغيرها حتى الدقائق الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

من المؤكد أن إسرائيل لم تنتصر، لأن النصر يحدد بمقدار تحقيق الأهداف التي شنت من أجلها الحرب وليس بمقدار الدمار أو أعداد القتلى والجرحى من المدنيين، فتلك مؤشرات على الهمجية والدموية

من المؤكد أن إسرائيل لم تنتصر، لأن النصر يحدد بمقدار تحقيق الأهداف التي شنت من أجلها الحرب وليس بمقدار الدمار أو أعداد القتلى والجرحى من المدنيين الذي يلحقه طرف بآخر، فتلك مؤشرات على الهمجية والدموية.

أكدت إسرائيل في بداية عدوانها أن الحرب لن تتوقف حتى يتم تدمير البنية التحتية لحركة المقاومة حماس وبقية الفصائل المقاومة، وحتى يتوقف إطلاق الصواريخ نهائيا، وتدمر الأنفاق، ويتم بالتالي تحقيق الأمن لسكان جنوب إسرائيل.

توقفت الحرب ولم يتحقق أي منها، رغم ما ألحقه العدوان من تدمير ممنهج وقتل متعمد للمدنيين، فيما تحددت أهداف المقاومة بمنع العدو من تحقيق أهدافه والسعي لتحقيق المطالب العادلة لشعب غزة والمتمثلة بفتح المعابر بإشراف دولي ورفع الحصار وإعادة الإعمار وصولا إلى إعادة تشغيل المطار والميناء، فمن الذي حقق أهدافه وما هي الأسباب الكامنة وراء النجاح أو الفشل في تحقيق الأهداف؟

ارتكبت القيادة العسكرية الإسرائيلية خطأ إستراتيجيا تمثل في إعادة استنساخ الخطط العسكرية السابقة، والتي تتلخص في حملة جوية مدعمة بنيران الإسناد من البر والبحر، ثم تنفيذ حملة برية يتوقف عمقها على التطورات الميدانية، ولم تأخذ في حسبانها التطور الكبير في القدرات العسكرية للمقاومة والتغيير الجوهري في العقيدة القتالية وطريقة إدارة المعركة.

كما أنها راهنت على إحداث شرخ عميق بين المقاومة والبيئة الاجتماعية الحاضنة من خلال توجيه ضربات مؤلمة للمدنيين وممتلكاتهم الشخصية، ومحاولة تدمير البنية التحتية لكافة مظاهر الحياة في غزة. يقابل ذلك أن المقاومة الفلسطينية استفادت من تجاربها في الحروب السابقة، فطورت عقيدتها القتالية لتتلاءم مع تحديات المعركة المتوقعة.

تتلخص أبعاد المعارك لكافة جيوش العالم في البعد البري والبحري والجوي، وبما أن الجيش الإسرائيلي يملك التفوق الساحق في الأبعاد الثلاثة، كان لزاما على كتائب عز الدين القسام وبقية الفصائل أن تجد بعدا رابعا، وكان لها ذلك من خلال إنشاء شبكة من الأنفاق الهجومية تمكن المقاتل الفلسطيني من الوصول إلى المواقع العسكرية الإسرائيلية الثابتة ومناطق حشد قواته.

كما تبين لفصائل المقاومة التفوق الكاسح للجيش الإسرائيلي بالقوة النارية والسيادة الجوية المطلقة، وللتغلب على ذلك التحدي الخطير كان لا بد من الاشتباك مع قوات العدو من المسافة الصفرية لتحييد أسلحة الإسناد المعادية، وتمثل التحدي الثالث في تفوق قوات العدو في قابلية الحركة عبر الضواحي بما يملكه من قوات مدرعة وقوات راجلة تحمل في وسائط نقل مدرعة لتأمين الحماية لها، وكان الحل في استدراج قوات العدو إلى مناطق تقتيل مختارة ومعدة مسبقا.

ارتكبت إسرائيل خطأ إستراتيجيا تمثل في إعادة استنساخ الخطط العسكرية السابقة، والتي تتلخص في حملة جوية مدعمة بنيران الإسناد من البر والبحر، ثم تنفيذ حملة برية يتوقف عمقها على التطورات الميدانية، ولم تأخذ في حسبانها التطور الكبير في القدرات العسكرية للمقاومة

فيما تمثل التحدي الرابع في اعتماد الجيش الإسرائيلي قانون هنيبعل والذي يجيز قتل الجندي أو الضابط الإسرائيلي المعرض للأسر مع آسريه، وفي مواجهة ذلك كان الحل من خلال نصب الكمائن المحكمة سواء في شبكات الأنفاق أو المناطق المناسبة للكمائن مع استعداد المقاتل الفلسطيني للتضحية بروحه في سبيل تحقيق ذلك.

نجحت كتائب عز الدين القسام ومعها بقية الفصائل المقاومة في إعداد المقاتل الفلسطيني الإعداد اللازم، وقد اشتمل ذلك الإعداد على العديد من الأبعاد ومن أهمها:

الإعداد البدني حتى يتمكن المقاتل من البقاء في بيئة معادية لفترات طويلة تقاس بالأسابيع وليس بالأيام.

الإعداد النفسي والمعنوي للعيش في تلك البيئة القاسية وتعزيز مفاهيم الإقدام والتضحية.

الإعداد المهني الاحترافي، والذي يرقى لمستوى الفرصة الواحدة، فإذا لم يستغلها سيكون هو الضحية.

الإعداد الجماعي، أي توظيف ما سبق ذكره للتدرب على القتال في مجموعات صغيرة وبمستوى مهاري عال.

ولقد اتضح ذلك في معركة ناحال عوز ومعركة كيسوفيم وخزاعة والشجاعية ورفح وغيرها.
يضاف إلى ذلك تصميم المقاومة الفلسطينية على استغلال الإمكانات المحدودة لتحقيق إنجازات في البعد التسليحي كان لها آثارها الإستراتيجية، ومن أهمها:

إنتاج منظومة من الصواريخ بمديات مختلفة تصل في حدها الأقصى إلى أكثر من 160 كلم، ومنها صواريخ القسام والرنتيسي والمقادمة والجعبري، بالإضافة إلى صواريخ فجر الإيرانية وغيرها والتي جعلت معظم جغرافية فلسطين المحتلة في مرمى تلك الصواريخ وضمن دائرة تأثيرها.

كما تمكنت المقاومة من إنتاج طائرات من دون طيار لتقوم بمهام استطلاعية وهجومية، ورغم أنها أطلقت لمرة واحدة إلا أنها تمثل نقلة نوعية في الاستفادة من التكنولوجيا في الحروب المستقبلية، كما نفذت عملية برمائية ناجحة رغم ما يتطلبه هذا النوع المعقد من العمليات من مهارة عالية.

ويضاف إلى ذلك إنتاج العديد من القذائف الصاروخية القصيرة المدى، وبندقية قنص يصل مداها إلى ألفي متر.

حققت المقاومة إنجازات كبيرة على المستويات السياسية والإستراتيجية والعملياتية والميدانية، تجعل من إسرائيل تفكر مليا قبل شن أي عدوان جديد على غزة، وهذا إنجاز تاريخي يرقى لدرجة الانتصار في زمن اعتادت الأمة العربية فيه على تلقي الهزائم

كذلك نجحت المقاومة في إيجاد حالة من اللحمة بين القيادة والمقاومة والشعب، جعلت إسرائيل تواجه شعبا مقاوما وليس فصائل مقاومة، كما نجحت في فرض إيقاعها المقاوم على المستوى السياسي الفلسطيني، فتشكل وفد فلسطيني موحد يمثل كافة الأطياف الفلسطينية وهي حالة نادرة في التاريخ الفلسطيني، كما أدارت المقاومة معركة إعلامية ناجحة لتمتعها بمصداقية عالية جعلت غالبية الجمهور الإسرائيلي يتابع بيانات أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب عزالدين القسام.

القاعدة العامة تقول إذا لم ينتصر القوي فهو مهزوم، وإذا لم يهزم الضعيف فهو منتصر، والنصر يحدد بمقدار تحقق الأهداف، والمتتبع لمجريات الحرب على غزة يكتشف أن إسرائيل لم تحقق أهدافها من الحرب فهي إن لم تكن مهزومة على المستويين السياسي والإستراتيجي -كما يدعي قادتها السياسيون والعسكريون- فهي لم تنصر.

فالتحول في المواقف الدولية والشعبية للعديد من الدول يؤكد ذلك، علما بأن تداعيات الحرب على غزة ستظهر في الأيام والأسابيع القادمة، وهي التداعيات التي قد تعصف بمستقبل نتنياهو السياسي ليلحق بيهود أولمرت، فيما سيجبر الجيش الإسرائيلي على مراجعة عقيدته القتالية وإستراتيجيته العسكرية وبرامجه التدريبية، لمواجهة الفشل الميداني في معظم معاركه البرية التي جرت من المسافة الصفرية ولمواجهة التحديات المتوقعة مستقبلا والتي قد تكلف ميزانية الجيش مئات الملايين من الدولارات.

مقابل ذلك نجد أن المقاومة حققت إنجازات كبيرة على المستويات السياسية والإستراتيجية والعملياتية والميدانية، تجعل من إسرائيل تفكر مليا قبل شن أي عدوان جديد على غزة، وهذا إنجاز تاريخي يرقى لدرجة الانتصار في زمن اعتادت الأمة العربية فيه على تلقي الهزائم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة