المحاكمة العلنية في السعودية: هل تقود إلى إصلاح القضاء؟   
الأربعاء 1425/9/14 هـ - الموافق 27/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:53 (مكة المكرمة)، 12:53 (غرينتش)


بقلم/ جعفر الشايب

- صورة النظام القضائي في الإعلام الدولي
- محاكمة الإصلاحيين: هل هي بداية التغيير؟
- الالتزامات القانونية المحلية والدولية

لأول مرة في تاريخ السعودية تتجمهر أعداد كبيرة من المواطنين المهتمين بقضايا الإصلاح لحضور أول محاكمة سياسية علنية في السعودية لثلاثة من رموز الإصلاح تم اعتقالهم مع عشرة آخرين في مارس/ آذار من هذا العام.

وقد تكون هذه الخطوة المهمة أحد مكاسب الحراك الإصلاحي في السعودية إذا ما تم تعميمها واستمرارها لتشمل جميع سجناء الرأي من أجل كفالة حرية التعبير لهم والدفاع عن أنفسهم بطريقة مشروعة وحرة، ومن أجل أن يسود مزيد من العدالة والنزاهة في ممارسات جميع أجهزة ومؤسسات القضاء في السعودية بما يحقق له استقلالا كاملا في إدارته لشؤون القضاء المتشعبة.

صورة النظام القضائي في الإعلام الدولي
اتسم النظام القضائي في السعودية لفترة طويلة بحالة من الضبابية والغموض خاصة في ما يتعلق بطريقة المرافعات وحقوق المتهم في توجيه التهمة له وسرعة محاكمته وحقه في تعيين محام للدفاع عنه وتمتعه بظروف اعتقال مقبولة.

وعندما يتعلق الأمر بسجناء الرأي أو المتهمين لأسباب سياسية فقد كانت الأمور أكثر غموضا والتباسا، ما أدى إلى حدوث انتهاكات خطيرة ومتلاحقة بحق العديد من المواطنين الذيم لم يكونوا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم أو حتى معرفة حقوقهم أثناء الاعتقال.

ونتج عن ذلك بطبيعة الحال شكاوى كثيرة رفعت ممن وقع عليهم الظلم إلى أجهزة قضائية عليا كديوان المظالم للنظر في حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب وطريقة المحاكمات والأضرار المترتبة على ذلك.

كما أثيرت هذه القضايا بصورة كبيرة في تقارير العديد من المنظمات والهيئات الدولية المهتمة بقضايا حقوق الإنسان ومن أبرزها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومان رايتس ووتش (Human Rights Watch) وكذلك تقارير قسم حقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأميركية وغيرها.


هناك بداية توجه لدى الجهات القضائية في السعودية لدراسة وتطوير أنظمة القضاء بالصورة التي يمكنها معالجة الثغرات القائمة والحد من الانتهاكات المستمرة التي هي مكان إحراج دائم للمملكة
وركزت هذه التقارير على رصد العديد من حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب وإجراءات المحاكمة التي اعتبرتها مخالفة لما هو متعارف عليه دوليا في توفير الحد الأدنى من الحقوق المتعلقة بالمعتقلين في مختلف القضايا وضمان حقوقهم في معرفة التهم الموجهة إليهم وحصولهم على مستوى مناسب من حق الدفاع بتعيين محامين عنهم حسب اختيارهم وعدم تعرضهم لأي شكل من أشكال الإهانة أو الإساءة أو التعذيب النفسي أو الجسدي، وتحمل الأجهزة المعنية مسؤوليتها كاملة تجاه أي تقصير بحق المتهم أو المعتقل.

المتابعون لهذا الشأن يرون أن هنالك بداية توجه لدى الجهات القضائية في المملكة لدراسة وتطوير أنظمة وإجراءات القضاء بالصورة التي يمكنها معالجة الثغرات القائمة والحد من الانتهاكات المستمرة التي هي موضع إحراج دائم للمملكة.

وقد عزز هذا التوجه زيارة وفد من منظمة هيومان رايتس ووتش ولأول مرة في يناير/ كانون الثاني 2003م للسعودية واطلاعهم على أوضاع حقوق الإنسان فيها، وكذلك زيارة المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين التابع للأمم المتحدة الذي التقى بمسؤولي جهاز القضاء وزار بعض المعتقلات وذلك في الشهر نفسه، وخرج بملاحظات معتدلة آملا بأن يتم الأخذ بالتعديلات الأساسية في النظام القضائي بما يتيح المجال أمام المتهمين للحصول على حقوقهم أمام أجهزة الدولة.

ويشير تقرير هيومان رايتس ووتش الصادر في مايو/ أيار 2003 إلى قلق عميق من استمرار الانتهاكات والتجاوزات في هذا الخصوص التي تتضمن على وجه التحديد عدم وجود سياسة ثابتة للإخطار الفوري لأقارب المقبوض عليهم عقب توقيفهم واحتجازهم، واستجواب المشتبه فيهم بصورة تنطوي على انتهاكات أثناء احتجازهم بمعزل عن العالم الخارجي لمدد طويلة، وغياب الإشراف القضائي المستقل على الاعتقال، وتقاعس القضاء عن اتخاذ أي إجراء إزاء الشكاوى الخاصة بانتزاع الاعترافات بالإكراه، وحرمان المعتقلين من الاتصال الفوري بالمحامين، وعقد المحاكمات وغيرها من الإجراءات القانونية دون علم المحامين ودون حضورهم، وندرة المعلومات العامة عن المحاكمات والمراجعة القضائية للأحكام التي تصدرها المحاكم الدنيا، وإرغام السجناء على التزام الصمت كشرط للإفراج عنهم.

محاكمة الإصلاحيين: هل هي بداية التغيير؟
موضوع المحاكمة العلنية التي جرت أحداثها أخيرا تبدأ منذ اعتقال مجموعة من الإصلاحيين في المملكة بلغ عددهم 13 شخصا من مختلف المناطق والتوجهات وذلك في 16 مارس/ آذار 2004م، وبعد أن تم إنذارهم شفهيا من قبل بعض المسؤولين بالكف عن مواصلة أنشطتهم المتعلقة بإصدار البيانات وعقد الاجتماعات العامة لمشروع الإصلاح.

وعند اعتقالهم طلب منهم التوقيع على تعهدات يلتزمون فيها بذلك، إلا أن ثلاثة منهم وهم الدكتور عبد الله الحامد والأديب علي الدميني والدكتور متروك الفالح رفضوا الإذعان لهذا الطلب وأصروا على أن تحال قضيتهم إلى المحكمة لتبرير سبب اعتقالهم واحتجازهم، وهددوا بالإضراب عن الطعام إذا لم تتم الاستجابة لمطلبهم هذا.

والسؤال المطروح هو لماذا تمت الاستجابة إلى مطالب الإصلاحيين الثلاثة في الحصول على حقهم في توكيل محامين عنهم وفي عقد محاكمة علنية لهم ولأول مرة في السعودية، مع أن هنالك العديد من غيرهم من المعتقلين السياسيين وغير السياسيين وذوي المراكز الدينية المتقدمة لم ينالوا هذا الحق حتى الآن؟

لا شك في أن إصرار الإصلاحيين الثلاثة على مطالبتهم بهذا الحق كان هو السبب الرئيس في تحقيق مطلبهم، وذلك نابع من فهمهم العميق لتطور مسيرة الإصلاح، فقد كتب الدكتور عبد الله الحامد العديد من الدراسات والمذكرات ضمن مشروع الإصلاح التي تنادي باستقلال القضاء.


إطلاق مبادرة للعفو عن المتورطين في أعمال إرهابية واعتقال إصلاحيين خلق تشكيكا خارج المملكة بصدق التوجه لعملية الإصلاح وجعل جهات دولية عديدة تعبر عن خيبة أملها
كما أنه خاض تجربة الاعتقال ثلاث مرات متتالية سابقة، وذلك منذ بداية التسعينيات عندما أسس وآخرون "لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية" وتم منعه من السفر لسنوات طويلة. كما أن الأديب الدميني هو الآخر مر بتجربة اعتقال عام 1982 ضمن حملة اعتقالات طالت عناصر وطنية عديدة، وله مشاركات ومساهمات كبيرة في العمل الوطني والإصلاحي.

كما أن الجهود الإعلامية التي بذلها شركاء الإصلاح خاصة تلك التي قامت بها فوزية العيوني زوجة الأديب علي الدميني قد أسهمت إلى حد كبير في إبراز قضية المعتقلين الثلاثة على الصعيد العربي والدولي من قبل المنظمات الحقوقية التي استمرت في طرح قضيتهم والمطالبة بالإفراج عنهم أو محاكمتهم.

وقد دشنت حملات تضامن دولية وإقليمية عديدة معهم من قبل شخصيات حقوقية وأدبية وسياسية كبيرة. كما أن لمساهمة فريق الدفاع من أنصارهم من محامين وموكلين دورا كبيرا في دعم قضيتهم وبلورة مطالبهم العامة.

عامل آخر يتمثل بالتأكيد في الموقف الدولي الضاغظ على السعودية باتجاه الإصلاح وتوسيع المشاركة الشعبية وحرية التعبير، حيث يعتبر الإصلاحيون الثلاثة دعاة للمجتمع الأهلي المدني ومن النابذين لكل أشكال العنف والتطرف والتشدد.

وفي الوقت الذي تطلق الحكومة فيه مبادرة للعفو عن المتورطين بأعمال العنف بدأت تعطي نتائج إيجابية على الصعيد الداخلي، تقوم في الوقت نفسه بتوقيف وحجز إصلاحيين يعارضون العنف ويتوافقون مع دعوة كبار مسؤولي الدولة إلى ضرورة الإصلاح والمشاركة الشعبية وزيادة هامش التسامح والحريات.

هذا الموقف المتعارض خلق تشكيكا خارج المملكة بصدق التوجه لعملية الاصلاح بل جعل جهات دولية عديدة تعبر عن خيبة أملها بسبب إجراءات الاعتقالات الأخيرة.

ولعل من أسباب إجراء المحاكمة بهذه الصورة أيضا توجه الحكومة إلى معالجة ثغرات النظام القضائي وتطويره بما يتناسب مع متطلبات التغيير. فكما تم الإشارة إليه سابقا فإن هنالك إسهامات جديدة من قبل وزارة العدل على القيام بخطوات تنظيمية في التشريعات والأنظمة وتدريب وتهيئة العاملين في سلك القضاء وإعادة هيكلة الأجهزة القضائية بما يتناسب مع الحاجات الفعلية والمستقبلية.

فقد أصدرت وزارة الخارجية السعودية عام 2000م تقريرا مطولا بعنوان "حماية حقوق الإنسان في الإجراءات الجزائية وفي تنظيم النظام القضائي" أكدت فيه مجموعة توصيات عامة عن تنظيم الإجراءات القضائية.

الالتزامات القانونية المحلية والدولية
إضافة إلى التعديلات المستجدة على بعض الأنظمة القضائية في المملكة كنظام الإجراءات الجزائية الذي بدأ سريانه في مايو/ أيار 2002م، انضمت المملكة إلى العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وصدقت عليها، حيث إنه من المفترض أن تتحول نصوص هذه الاتفاقيات إلى مواد معتمدة في الأنظمة القضائية والجزائية في المملكة.

فالمادة 35 من نظام الإجراءات الجزائية مثلا تنص على أن أي موقوف أو محتجز "يجب إخباره بأسباب إيقافه، ويكون له الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه"، كما تنص المادة (2) من النظام نفسه على حظر "إيذاء المقبوض عليه جسديا، أو معنويا، كما يحظر تعريضه للتعذيب، أو المعاملة المهينة للكرامة"، كما تنص المادة 102 من القانون على ضرورة "أن يتم الاستجواب في حال لا تأثير فيها على إرادة المتهم في إبداء أقواله".

وينص النظام الجديد أيضا على الحق في الاستعانة بالمساعدة القانونية أثناء التحقيق والمحاكمة، كما ورد في المادة (4) "يحق لكل متهم أن يستعين بوكيل أو محام للدفاع عنه في مرحلتي التحقيق والمحاكمة", أما المادة (70) فتنص على أنه "ليس للمحقق أن يعزل المتهم عن وكيله أو محاميه الحاضر معه أثناء التحقيق، وليس للوكيل أو المحامي التدخل في التحقيق إلا بإذن من المحقق، وله في جميع الأحوال أن يقدم للمحقق مذكرة خطية بملاحظاته وعلى المحقق ضم هذه المذكرة إلى ملف القضية".

وتقضي الالتزامات القانونية أن تقوم السلطات القضائية باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع أعمال التعذيب، إذ تنص المادة (12) من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من أنواع المعاملة أو العقوبة القاسية أو غير الإنسانية أو المهينة التي انضمت إليها السعودية في 23 سبتمبر/ أيلول 1997م، وأصبحت سارية رسميا في المملكة بعد أن تمت التصديق عليها بمرسوم ملكي لتشكل جزءا من التشريع المحلي على "أن تضمن كل دولة طرف قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيق سريع ونزيه كلما وجدت أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي من الأقاليم الخاضعة لولايتها القضائية".


الإنجاز الذي تحقق في الإقرار بعلنية المحاكمات ينبغي أن يطور ليشمل جميع القضايا والموقوفين، وأن يكون سبيلا لتطوير النظام القضائي بصورة شاملة
وتكفل المادة (13) "لأي فرد يدعي بأنه قد تعرض للتعذيب الحق في أن يرفع شكوى إلى سلطاتها المختصة، وفي أن تنظر هذه السلطات في حالته على وجه السرعة وبنزاهة، وينبغي اتخاذ الخطوات اللازمة لضمان حماية مقدم الشكوى والشهود من كافة أنواع المعاملة السيئة أو التخويف نتيجة لشكواه أو لأي أدلة تقدم".

وقد أشار المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين التابع للأمم المتحدة إلى غياب ثقافة التوكيل القانوني في المملكة، وأوصى بضرورة بذل المزيد من الجهد ضمانا لتمكين المشتبه فيهم من الاستعانة بمحامين في جميع مراحل التقاضي. كما قدم عددا من المقترحات لمعالجة هذا الوضع، منها السماح لخريجات الحقوق بمزاولة المحاماة، وإنشاء هيئة لمحامي الدفاع العام، ووضع نظام للمحامين الراغبين في تقديم خدماتهم مجانا، وتوفير المساعدة المالية للمشتبه فيهم ليتمكنوا من الاستعانة بالخدمات القانونية.

كما أوصت منظمة هيومان رايتس واتش بتنفيذ سياسة موحدة للإخطار الفوري بجميع حالات التوقيف والاعتقال، واتخاذ خطوات مجدية لحماية المعتقلين من أي معاملة تهدر حقوقهم أثناء التحقيقات الجنائية، وتوفير الظروف اللازمة للإشراف القضائي المستقل على الاعتقال، وتنبيه القضاة إلى الالتزام القانوني بالتحقيق في ادعاءات التعذيب، وضمان حق جميع المشتبه فيهم جنائيا في الاتصال الفوري والمستمر بالمحامين وغيرهم من الوكلاء القانونيين، والامتناع عن إجراء المحاكمات في غياب المحامين، وتوفير المعلومات العلنية ذات الصلة بالمحاكمات والأحكام القضائية في الوقت المناسب، ووضع حد لإجبار السجناء على الصمت كشرط لإطلاق سراحهم.

إن الإنجاز الذي تحقق أخيرا في الإقرار بعلنية المحاكمات ينبغي أن يطور ليشمل جميع القضايا والموقوفين، وأن يكون سبيلا لتطوير النظام القضائي بصورة شاملة من خلال إنجاح هذه التجربة واعتبارها اختبارا حقيقيا لنزاهة القضاء واستقلاليته.
ــــــــــــــــــ
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة