الإخوان والرئاسة المصرية.. ضرورة أم مغامرة؟!   
السبت 1433/5/29 هـ - الموافق 21/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:07 (مكة المكرمة)، 8:07 (غرينتش)
مؤمن بسيسو

نزل خبر ترشيح خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان المسلمين لانتخابات الرئاسة المصرية مؤخرا كالصاعقة على الساحة السياسية المصرية التي رأت فيه تنكرا للوعد الإخواني بنفض اليد من الانتخابات الرئاسية، ومحاولة لاحتكار مفاصل القوة ومراكز النفوذ في الدولة وتهميش القوى والتيارات السياسية والمجتمعية الأخرى.

ولم يكن خبر ترشح الشاطر مفاجئا للآخرين بقدر ما كان مفاجئا أيضا لأوساط متعددة وشرائح واسعة داخل الصف الإخواني التي خشيت من عواقب وتداعيات الإخلال بالعهود، والخروج عن المنهج الإخواني التقليدي، واستلهام روح الثورة عبر خطوات غير محسوبة قد يدفع ثمنها الإخوان غاليا في المرحلة المقبلة.

أأصاب الإخوان أم أخطؤوا بترشيح الشاطر الذي استبعدته لجنة الانتخابات ليفسح المجال أمام محمد مرسي المرشح الاحتياطي للإخوان لخوض السباق؟ وهل تشكل خطوة ترشيح رمز من رموز الإخوان لرئاسة الدولة المصرية ضرورة ملحة تستوجبها الظروف والمعطيات أم مغامرة غير محسوبة العواقب والتداعيات؟

العوائق والمحاذير
تنتصب عدة عوائق ومحاذير تجعل من أمر ترشيح أي رمز إخواني مغامرة مكلفة وانزلاقا نحو المجهول.

شكل تراجع الإخوان عن تعهداتهم السابقة بعدم ترشيح أي شخصية أو رمز إخواني لانتخابات الرئاسة هزة كبيرة في مستوى الثقة التي بناها وأرسى دعائمها الإخوان في المرحلة الماضية

1- فقدان المصداقية الجماهيرية
فقد شكل تراجع الإخوان عن تعهداتهم السابقة بعدم ترشيح أي شخصية أو رمز إخواني لانتخابات الرئاسة هزة كبيرة في مستوى الثقة التي بناها وأرسى دعائمها الإخوان في المرحلة الماضية، ما أسهم في فقدانهم جزءا لا يستهان به من مصداقيتهم الجماهيرية.

وحتى اللحظة لم تقتنع شرائح واسعة من الشعب المصري بمبررات الإخوان التي دفعتهم للانقلاب على وعودهم وتعهداتهم السابقة، خصوصا في ظل ترشح شخصيات ورموز مصرية معروفة وذات كفاءة واقتدار وقبول من كثير من الأوساط السياسية والحزبية والشعبية المصرية.

ومن شأن إصرار الإخوان على الترشح للرئاسة أن يضعف من حجم رصيدهم الجماهيري، ويقلل من أسهم التأييد الشعبي التي ظفروا بها في الانتخابات البرلمانية، وأتاحت لهم الفوز بالمركز الأول، وبالتالي الهيمنة على مجلس الشعب مع بعض الحلفاء، وتقرير اتجاهاته وسياساته من الألف إلى الياء. 

2- تجاهل تجربة حماس في فلسطين
تجاهل قرار الترشح للرئاسة تجربة حركة حماس في فلسطين التي تعرضت للخنق والحصار المشدد داخليا وخارجيا، رغم فوزها في انتخابات نزيهة وشفافة حازت على إشادة وإعجاب العالم أجمع.

لم تدرك حماس مع نشوة الفوز والانتصار أن السياسة لا تعرف المبادئ ولا الأخلاق، وأن النظام الإقليمي والدولي المهيمن على القرار الدولي والسياسة الدولية لا يقيم وزنا للقوانين الدولية أو القوانين الدولية الإنسانية، ولا يبالي بالدوس على حقوق وكرامة الشعوب في سبيل تحقيق مصالحه ومخططاته المعروفة.

ورغم الفوارق الموضوعية بين التجربتين الفلسطينية والمصرية، تشتركان في معامل المعاناة التي تهدّ كاهل الفلسطينيين والمصريين على السواء، والتدهور الحاصل لدى الطرفين سياسيا واقتصاديا.

ولا يخفى أن الوضع المصري شديد التعقيد سياسيا وشديد التأزم اقتصاديا كما الوضع الفلسطيني، إذ أريد لحماس أن تخلع ثوب مبادئها وثوابتها وأن تتسربل بأردية الواقعية السياسية، وتصبح –بالتالي- مفرغة المضامين وجزءا من المنظومة الإقليمية والدولية التي تسير في فلك الغرب ومصالحه في المنطقة.

اليوم، قد يواجه الإخوان مع فوزهم المحتمل بالرئاسة وضعا شبيها بما لاقته حماس من سنوات عجاف حبلى بكل أشكال السوء والحصار، فالضغط والابتزاز يشكل عنوان المرحلة، والسلوك السياسي الغربي، خاصة الأميركي، لن يغادر طبعته الخبيثة القائمة على منطق التبعية والإخضاع، ما يعني أن تعويل الإخوان على الاتصالات الاستباقية مع دوائر سياسية أميركية وغيرها لتمهيد الطريق أمام علاقة مريحة مع رئيس مصري ذي انتماء إخواني غير مبني على تقدير سياسي سليم وليس في موقعه الصحيح على الإطلاق.

3- الخروج عن منهج الإخوان التقليدي
للمرة الأولى في تاريخ الإخوان تبتدر الجماعة خطوة خطيرة تناقض مألوف نهجها وسياستها التقليدية القائمة على التدرج في الخطوات وعدم حرق المراحل أو التسرع والاستعجال في حسم القضايا الإستراتيجية.

ترشح الإخوان رسميا للرئاسة انقلب على منهج التدرج ووجه له ضربة قوية في العمق والصميم، واستعجل قطف ثمار مرحلة لم يأت أوانها بعد، وبادر بمواجهة تحديات كبرى لا قبل للإخوان بها

لقد عمل المنهج الإخواني في إدارة الشأن السياسي بشكل سليم طيلة العقود الماضية، فقد حرص الإخوان زمن نظام مبارك على المشاركة في الانتخابات البرلمانية بشكل مقدر ومحسوب بعيدا عن النزول بكامل الثقل الحقيقي للجماعة الذي يستتبع إثارة غضب وملاحقة النظام وأجهزته وأدواته القمعية، وارتضوا الحصول على نسبة جزئية تذلل لهم الصعاب التي تعترض سبل المشاركة البرلمانية التي حرص النظام على إلقائها في وجوههم، وتؤسس لمزيد من الخبرة في إطار العمل البرلماني التي يحتاجون لمراكمتها وتطويرها لمواجهة تحديات المراحل القادمة.

وقد نجح الإخوان في إثبات جدارتهم الشعبية وتمثيلهم تحت قبة البرلمان، خصوصا في الانتخابات التي جرت عام 2005م، رغم أشكال التزوير المفضوح التي مارسها النظام لحرف نتائج المسار الانتخابي والتأثير على الإرادة الشعبية المصرية.

وجاءت الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مرحلة ما بعد الثورة التي خاضها الإخوان بشكل ناضج نسبيا في إطار من التحالف مع قوى مصرية متعددة، لتكرس المنهج التقليدي للإخوان في التدرج السياسي ومواءمة وتكييف كل مرحلة حسب احتياجاتها وظروفها ومعطياتها الخاصة التي تختلف بالضرورة عن المراحل الأخرى. لكن ترشح الإخوان رسميا للرئاسة انقلب على منهج التدرج ووجه له ضربة قوية في العمق والصميم، واستعجل قطف ثمار مرحلة لم يأت أوانها بعد، وبادر بمواجهة تحديات كبرى وتحمل مسؤولية مرحلة لا قبل للإخوان بها بشكل منفرد مهما أوتوا من قوة تنظيم أو حسن إدارة وتدبير، أو سعة أفق ومرونة سياسية واقتصادية، في ظل الأزمات الكبرى التي تعصف بالواقع المصري ومشكلاته المعروفة.        

4- ضرب الشراكة الوطنية
لا جدال في أن ترشح الإخوان للرئاسة قد ألغى تماما أي فرصة لتحقيق شراكة وطنية حقيقية بين الإخوان ومختلف القوى والتيارات السياسية المصرية.

لم يتعاف الإخوان بعد من الاتهامات التي وجهت إليهم بالتخاذل عن متابعة تحقيق أهداف الثورة وعقد الصفقات مع المجلس العسكري الحاكم حتى يتسببوا في زلزال سياسي من شأنه قطع الطريق على أي محاولة جادة لبناء تحالف واسع مع القوى والتيارات السياسية المصرية كفيل بإشراك أوسع شريحة سياسية ومجتمعية مصرية ممكنة في تحمل المسؤولية وصنع القرار بشكل موحد بعيدا عن الهيمنة والاستفراد.

تتوجس الكثير من القوى والتيارات السياسية خيفة من مشروع الإخوان الديني والسياسي، وتتحدث عن سعي إخواني للسيطرة والاحتكار وإقصاء الآخرين، وعن غموض في مواقف وسياسات الإخوان بخصوص الدولة المدنية والدولة الدينية، رغم تأكيد الإخوان على نهجهم التوافقي وسعيهم لتحقيق الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع على أساس المواطنة في ظل سيادة مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وتطبيق القانون.

وتتأسس خشية هؤلاء على إمكانية انقلاب الإخوان على شعاراتهم ومواقفهم المرفوعة لدى انخراطهم في معمعان الحكم والتجربة السياسية المباشرة، وسقوط مقولاتهم التطمينية أمام اختبارات الواقع العملية.

لذا، فإن ترشيح رمز أو شخصية إخوانية للرئاسة من شأنه أن يعزز من شأن هذه المخاوف والتوجسات، وبالتالي إحداث فجوة واسعة مع العديد من القوى والتيارات المصرية تجعل من إمكانية بناء شراكة وطنية وتوافق داخلي أمرا متعذر التحقيق في المرحلة المقبلة.   

5- فقدان الخبرة في قيادة الدولة
قد يفاخر الإخوان بمستوى الخبرة في العمل السياسي الذي احتواه رصيد الجماعة طيلة العقود الماضية. وبغض النظر عن مستوى الخبرة النسبية التي حققها الإخوان في مضمار العمل الحزبي والتنظيمي والسياسي، فإن العمل الحزبي الذي يحترف العمل السياسي شيء، وقيادة الدولة بتعقيداتها وظروفها ومشكلاتها وتحدياتها شيء آخر تماما.

لم يسبق للإخوان أن مارسوا أي عمل من أعمال الدولة المصرية، أو تعرضوا لاختبار القيادة في مؤسساتها، لذا يبقى نجاحهم في قيادة الدولة موضع شك حال فوزهم في الانتخابات المنتظرة.

استقرار العلاقة بين الإخوان والمجلس العسكري لم يدم طويلا عقب الفوز الكبير للإخوان في الانتخابات، إذ استشعر المجلس خطورة الموقف ليبدأ في محاولة إفشال تجربة الإخوان في نهاية المطاف

ضرورات الواقع
في المقابل، يجد الإخوان أنفسهم في مواجهة وضع بالغ الصعوبة والتعقيد، فهم يرون بأم أعينهم مظاهر سرقة إنجازات الثورة وحرف مسارها وتفريغها من مضامينها، ويشعرون أن مستقبل الثورة في خطر عظيم ما لم يتدارك الموقف بخطوات سريعة وعملية قيصرية تشكل استثناء في الفهم والنهج والتجربة الإخوانية، ومحاولة جادة لا يقاس عليها لتصحيح مسار يرتهن له مصير الشعب المصري كله قبل فوات الأوان.

منذ البداية تشكلت قناعة الإخوان على أساس قدرة البرلمان المنتخب الذي يجسد أهداف وتطلعات الثورة ويمثل إرادة الشعب المصري على ضبط إيقاعات الحياة السياسية المصرية، لكن هذه القناعة سرعان ما ذوت تدريجيا مع التغول الحاد والهيمنة المطلقة للمجلس العسكري على مقاليد الأمور، وإصراره على إبقاء حكومة الجنزوري التابعة له التي تتراوح التقديرات بشأنها، بين الفشل في مواجهة مشكلات وأزمات المصريين والتسبب في أزمات ومشكلات جديدة، والتآمر والتواطؤ مع المجلس العسكري لخلق بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تطاق تسهم في تعكير صفو الثورة ومنجزاتها، وإضعاف حماسة الجماهير لها والتفافهم من حولها.

راهن الإخوان على مقاربات وسطية مع المجلس العسكري للخروج بالوضع المصري من نفق الأزمة ومخاطر الصدام الداخلي، والتمسوا لديه نوعا من التفهم والتفاعل في مرحلة ما قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، غير أن استقرار العلاقة بين الطرفين لم يدم طويلا عقب الفوز الكبير للإخوان في الانتخابات، إذ استشعر المجلس العسكري خطورة الموقف ليبدأ في رسم مواقف متشددة تصب في خانة إفشال تجربة الإخوان في نهاية المطاف.

لم يتعاط المجلس العسكري مع دعوات إقالة حكومة الجنزوري التي رأى فيها الإخوان ترسا يدور في الاتجاه المضاد للثورة، وتكرست مظاهر ومؤشرات وسلوكيات مختلفة حركت كوامن القلق في نفوس الإخوان تجاه مستقبل الثورة ومدى سلامة الانتخابات الرئاسية المتوقعة، وهكذا لم يجد الإخوان بدا من إعادة تقييم الموقف والبحث في البقاء على نفس الموقف أو صوغ موقف جديد في ضوء المتغيرات الحاصلة.

إنتاج القرار الإخواني بهذا الخصوص لم يكن سهلا، فقد انقسم الإخوان بين الموقفين، إلا أن أرجحية بسيطة كسرت منطق السياسة التقليدية للإخوان ونقلتهم إلى مربع الفعل الثوري الذي يعتمد على التكهن والتحليل أكثر مما يعتمد على المنهجية العلمية والدراسة السياسية المتأنية.

وأيا يكن الأمر فإن رضوخ الإخوان لمنطق التفاعل مع ضرورات الواقع على هذه الشاكلة شكل قفزة في الفكر السياسي للجماعة، وستحمل الأسابيع القادمة البرهان على مآل هذه القفزة لجهة تحقّق الأهداف الكامنة وراءها أو ضياعها عبر السباحة في الهواء.

الحل والبديل
لا يجادل اثنان في حرج الموقف الإخواني وتصاعد مخاوفهم جراء تطورات الوضع المصري الداخلي، لكن الحل الأسلم والبديل الأمثل ينبغي أن يتأسس على مقاربة دقيقة تكرس مكاسب الإخوان ولا تبددها وتعرض مصداقيتهم للخطر والاهتزاز في وقت هم أحوج ما يكونون فيه إلى استمالة وحشد القوى والتيارات المصرية، وضمان كل صوت انتخابي داعم في الشارع المصري الطامح للتغيير.

الحل الأصوب أن يتوافق الإخوان مع أوسع شريحة ممكنة من القوى والتيارات المصرية على ترشيح شخصية مستقلة مناسبة تحظى بأكبر نسبة ممكنة من ثقة المصريين وقواهم السياسية والمجتمعية

لا ترك السباق الانتخابي الرئاسي دون فعل أو تدخل يشكل الحل للأزمة المصرية، ولا ترشيح رمز إخواني لانتخابات الرئاسة يشكل الحل أيضا، فكلا الخيارين محفوفان بالسلبية والتداعيات الصعبة.

المقاربة الأسلم والحل الأصوب أن يتوافق الإخوان مع أوسع شريحة ممكنة من القوى والتيارات المصرية على ترشيح شخصية مستقلة مناسبة تحظى بأكبر نسبة ممكنة من ثقة المصريين وقواهم السياسية والمجتمعية كي تتولى مسؤولية إدارة الدولة المصرية، على أن تتعهد بحماية منجزات الثورة وتعمل على استكمال تحقيق أهدافها في المرحلة القادمة.

وقد يكون المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح الخيار الأكثر قبولا لدى أغلبية المصريين، فهو يحظى بدعم الكثير من الشرائح الشعبية وطائفة واسعة من القوى الليبرالية والمجتمعية، كما يحظى بثقة جزء كبير من الإسلاميين وعناصر وكوادر جماعة الإخوان نفسها التي كان حتى وقت قريب أحد قياداتها الأساسية.

لكن هذه المقاربة التي تنزع فتيل الأزمة بين الإخوان والمجلس العسكري، وتعيد ضبط إيقاع المشهد السياسي المصري على قاعدة الانتصار لمصر وثورتها الكبرى ووحدة نسيجها السياسي والمجتمعي، يكتنف مصيرها الشك في ظل الموقف السلبي للإخوان من أبو الفتوح الذي يغلب الاعتبارات الشخصية والتنظيمية الضيقة على الاعتبارات الوطنية والقومية الكبرى.

الإخوان اليوم على مفترق طرق برسم خطورة المرحلة التي يواجهها الشعب المصري وتتهدد ثورته المباركة، وما لم تستخلص الجماعة العبر من تجارب الآخرين، وتمارس السياسة الذكية الواقعية بعيدا عن منطق التسرع والاستعجال، فتعيد تقييم موقفها من مسألة الترشح للانتخابات الرئاسية، فإنها قد تغرق عما قريب في بحر السياسة وتحدياتها الكبرى، وحينها ستخسر الكثير وتواجه مرحلة لا يجدي معها الاستدراك أو اجترار الندم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة