من الإرهاب الأعمى إلى العنف العدمي   
الخميس 1429/1/3 هـ - الموافق 10/1/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:14 (مكة المكرمة)، 13:14 (غرينتش)


محمد فال ولد المجتبى

- موريتانيا.. صدمة وحيرة
- خطأ البحث عن نسب للإرهاب
- الإرهاب وعالم الجريمة التقليدية
- العنف من طور إلى آخر

قد يتبادر إلى الذهن أن الهجمات التي وقعت في كل من المغرب والجزائر خلال الأشهر الماضية، وامتدت مؤخرا إلى موريتانيا، لا تخرج عن السياق العام لظاهرة الإرهاب التي تعاني منها بلدان عربية عديدة منذ بعض الوقت. لكن بعض هذه الهجمات انطوت على عناصر جديدة تؤشر على أن هذه المجتمعات لم تعد تواجه ظاهرة إرهابية تقليدية، بل أصبحت إزاء نمط جديد من العنف يختلف -إلى حد كبير- من حيث "أهدافه" والمتورطون فيه عن أشكال الإرهاب المعروفة حتى الآن.

ومن ثم فإن الوضع يتطلب نظرة جديدة للظاهرة وتعاملا مختلفا مع العوامل التي تؤدي إلى تنامي مظاهر هذا النمط من العنف والسياقات التي توفر أسباب شيوعه.

"
البحث عن نسب ثقافي أو ديني للسلوك الإرهابي مسلك لا تشفع له حقائق الواقع ولا التاريخ، مثلما أن الدعوة لحل المشكلة عبر استجلاب عناصر من الثقافة الغربية باعتبارها قيما حداثية ذات صلاحية عالمية مسعى لا طائل من ورائه
"
موريتانيا.. صدمة وحيرة
لا تزال موريتانيا تحت وقع الصدمة من تأثير الهجومين على سياح فرنسيين وسط البلاد ثم ضد مجموعة من الجنود قرب الحدود مع الجزائر ومالي.

ولم يستوعب كثير من المواطنين بعدُ كيف يمكن أن يتحول بلدهم إلى مسرح لعمليات من هذا النوع، وهو البلد الهادئ الذي خرج للتو من تجربة سياسية تعتبر رائدة مقارنة بتجارب أغلب البلدان العربية.

والواقع أن أيا من الهجومين لم تتكشف خيوطه بما فيه الكفاية حتى الآن، لذلك تظل كل الاحتمالات واردة.

فالمنطقة تعرف حضورا قويا لعصابات الجريمة المنظمة التي أصبح لها نفوذ متعاظم يتناسب مع تزايد نشاطها في مختلف قطاعات التهريب من الهجرة السرية إلى تجارة السلاح مرورا بتأمين عبور المخدرات والسجائر والمحروقات، وهي في نفس الوقت مسرح لعمليات عدد من أجهزة الاستخبارات حيث تتنافس قوى عالمية في ترسيخ وجودها العسكري والأمني وتوطيد نفوذها السياسي في منطقة تتميز بموقعها الإستراتيجي الهام وبالمخاطر التي تمثلها من وجهة نظر تلك القوى.

غير أن كل هذه الاحتمالات لا تلغي تماما فرضية العمل الإرهابي، فموريتانيا ليست في عزلة عن العالم من حولها ولا هي تملك حصانة خاصة ضد لوثة الإرهاب التي عمت بلواها أكثر من بقعة من العالم.

صحيح أن موريتانيا تظل من أكثر البلدان قدرة على احتواء نزعات التطرف ومحاصرة أي جنوح نحو العنف، يساعدها على ذلك رسوخ الثقافة الإسلامية في البلد وإجماع الشعب على نبذ العنف واستهجان سفك الدماء، فضلا عن وجود مناخ سياسي ملائم إلى حد كبير، لكن يلزم أولا تدارك الأخطاء والاعتراف بوجود الخطر والاستعداد لمواجهته بمنتهى الشجاعة والمسؤولية بدون تساهل ولا تهويل.

هنا يجب الرجوع إلى الوراء قليلا للتذكير بأن خطيئة استغلال شعار محاربة الإرهاب خلال المرحلة الأخيرة من عمر النظام السابق استصحبت الخطأ الذي يدفع البلد ثمنه اليوم، وهو الخلط بين السياسي والأمني من جهة والخلل في إعمال آليات دولة القانون من جهة أخرى.

لقد حرص النظام السابق على إلصاق تهمة الإرهاب بالتيار الإصلاحي وتعمد الربط بين أعلام هذا التيار ومناضليه وبين كل من يعبر عن فكر متطرف أو يسعى إلى القيام بعمل طائش. كما تم -لاحقا- الخلط بين عناصر متأثرة بتيارات العنف وبين رموز مدرسة السلفية العلمية التي تحمل فكرا يمكن الاتفاق أو الاختلاف معه، لكنه لا يمثل بذاته مبررا لملاحقة معتنقيه.

وهكذا شمل تعاطف الموريتانيين الجميع دون تمييز وأصبح ينظر إلى كل الاتهامات الصادرة عن السلطات الأمنية باعتبارها غير ذات مصداقية، بغض النظر عن الوقائع التي تنطلق منها أو القرائن التي تسندها.

على مستوى آخر، فإن تشبث الأجهزة الأمنية بتسيير هذه الملفات على هواها مخلة في أحيان كثيرة بالضمانات الأساسية لحقوق المتهمين، ما لم يكن من شأنه أن يسهل عمل جهاز قضائي يفتقر إلى الخبرة في التعامل مع قضايا من هذا النوع، ويتعرض أيضا -فيما يخص بعض الحالات- لضغوط اجتماعية هائلة.

خطأ البحث عن نسب للإرهاب
ربما يوجد في موريتانيا اليوم -كما حصل من قبل في بلدان أخرى- من يحاول ربط هذه الأحداث بما يعتبرونه تطرفا دينيا متأصلا في ثقافتنا الإسلامية، وهو طرح له منظرون معروفون ينتمون إلى دوائر غربية معينة، وربما يصادف أيضا هوى لدى بعض قطاعات النخبة العربية لأسباب لا تخفى، أهمها ما يرتبط بالخصومة الأيدولوجية وحسابات المنافسة السياسية مع التيارات الإسلامية.

قد يقال إن في تاريخ الأمة "سلفا" للتيارات التي تنسب إليها الأعمال الإرهابية أو تتبناها، تنزِع هذه التيارات -عن وعي أو بدونه- إلى محاكاته في تصوراتها ومواقفها من قضايا كثيرة، وتتشابه معه أحيانا في تطور بنياتها كما في سلوكها وعلاقتها مع المحيط.

لكن من الثابت أيضا أن هذا السلف ظل دائما "خارج" السياق المركزي للأمة وفي خصومة مع ثوابت معتبرة لديها.

"
من الممكن دائما تجريد التنظيمات الإرهابية التقليدية من مبررات وجودها عبر سد الذرائع التي تتوسل بها لتسويغ أفعالها المنكرة، أو إرغامها على مراجعة حساباتها عبر تضييق الخناق عليها أمنيا وقضائيا
"
أضف إلى ذلك أن البحث عن نسب ثقافي -أو ديني كما في هذه الحالة- للسلوك الإرهابي في تجلياته المعاصرة، مسلك لا تشفع له حقائق الواقع ولا شواهد التاريخ، مثلما أن الدعوة لحل المشكلة عبر استجلاب عناصر من الثقافة الغربية باعتبارها قيما حداثية ذات صلاحية عالمية، تمثل مسعى لا طائل من ورائه.

والتصوران كلاهما لا يخلوان من تبسيط، فالكل يعلم أن العمليات الانتحارية عرفها العالم على أيدي اليابانيين قبل غيرهم، كما لا يخفى أن أغلب أساليب الحركات الإرهابية الموصوفة بالإسلامية لا تكاد تختلف عن أساليب المنظمات الراديكالية العنيفة التي عرفها كثير من بلدان العالم خلال القرن الماضي، وجل هذه الحركات تنتمي إلى العصر الذي تعيش فيه أكثر مما تنتمي إلى سواه مهما استعارت من مصطلحات عصور سابقة.

ثم إن كثيرا من الحركات الإرهابية التي تنشط في الساحة العربية الإسلامية لا يمكن نسبتها إلى أي فكر -متطرفا كان أو غير متطرف- لأنها ببساطة ليست أصلا في وارد التعامل مع الأفكار أيا كان نوعها.

وبالتالي فإنه من الخطإ الظن بأن استجلاب أفكار وقيم غربية وإحلالها محل منظومة القيم السائدة في مجتمعاتنا، يمثل حلا ناجعا في مواجهة مثل هذه الحركات.

الإرهاب وعالم الجريمة التقليدية
من الضروري إذن، أن يوضع البعد الثقافي الديني في حجمه الطبيعي وأن يتم الالتفات إلى عوامل مثل الاحتقان الناجم عن تضافر الاستبداد المحلي والطغيان الأجنبي وما ينجر عن الاثنين من توتر وشعور بالظلم والمهانة.

فهذا الاحتقان يمثل أبرز العوامل التي تغذي العنف في العالم العربي والإسلامي، لكن هناك أيضا عاملا آخر يتجه الآن -على الأقل في بعض بلدان المغرب العربي- إلى أن يصبح صاعق الانفجار لمجموع التوترات والأزمات المتراكمة، هو روح التمرد التي تتسم بها قطاعات من الشباب والمراهقين تجد نفسها على هامش المجتمع وتعتبر أنها غير معنية بأي التزام اتجاهه.

وقد بدأت هذه القطاعات تتحول من التعبير عن تمردها بممارسة أشكال تقليدية من الجنوح والانحراف لتشرع في الانتقام من المجتمع عبر الانخراط في لعبة الإرهاب.

وهذه فرصة قد تعمل بعض التنظيمات الإرهابية على استغلالها، ربما بتواطؤ مع أباطرة الجريمة المنظمة الذين يجدون في تحالف من هذا النوع وسيلة لتوسيع شبكاتهم ولصرف الأنظار عن نشاطاتهم التقليدية.

وإذا تأكدت المؤشرات الدالة على نفاذ النزعة الإرهابية إلى أوساط الجريمة التقليدية وانجذاب هذه الأوساط الهشة من حيث تكوينها النفسي والهامشية من حيث موقعها الاجتماعي، إلى خط الإرهاب الذي قد تجد فيه "موضة" جديدة من موضات الانحراف، فإن المخاطر على أمن المجتمعات ستكون أكبر بكثير مما هو حاصل الآن، ما لم يتم إبداع حلول مناسبة تتعامل مع هذه الظاهرة بمزيد من الحكمة وبقدر أكبر من الحنكة.

ذلك أنه يظل من الممكن دائما تجريد التنظيمات الإرهابية التقليدية من مبررات وجودها من خلال سد الذرائع التي تتوسل بها لتسويغ أفعالها المنكرة، أو إرغامها على مراجعة حساباتها عبر تضييق الخناق عليها أمنيا وقضائيا.

لكن الأمر ليس بهذا القدر من السهولة عندما نكون إزاء مجموعات من العصابات الصغيرة أو زمر من الأفراد الجانحين الذين ليس لديهم الكثير مما يخسرونه ولا يملكون رهانات من أي نوع يرتبون على أساسها موازين الربح والخسارة.

"
الحاجة إلى نزع الغطاء الديني عن ثقافة الموت مطلب وجيه رغم عدم براءته أحيانا، ولكن ذلك لا يعني أن أسباب المشكلة دينية بقدر ما هي مشكلة أنتجتها أوضاع سياسية واجتماعية غير سوية
"
العنف من طور إلى آخر

يمكن القول إن ما يسمى بالإرهاب يدخل الآن طورا ثالثا من مراحل تحوله، إذ تطور العنف السياسي ليصبح إرهابا أعمى، وها نحن الآن نشهد ما يمكن أن نسميه العنف العدمي.

والفرق بين هذه المستويات الثلاثة من العنف -طبعا لا يشمل الحديث هنا العنف الذي تمارسه الدول المعتدية وجيوش الاحتلال الذي هو أيضا نوع من الإرهاب أكثر خطورة وأبلغ أثرا- يتمثل في أن الأول كان يستخدم بشكل محسوب لإلحاق أضرار موضعية بالطرف الأقوى في مواجهة مسلحة أو لانتزاع مكاسب سياسية محددة، في حين أن الإرهاب الأعمى بدأ -متزامنا مع الثورة الإعلامية- كوسيلة تستخدمها الجماعات الإرهابية لإحداث أكبر أثر نفسي ممكن لدى المجتمع ولإرباك الساسة.

لكن هذا الصنف من الإرهاب ما لبث أن تحول بالنسبة للجماعات المذكورة التي تتفاقم القطيعة بينها وبين مجتمعاتها باطراد، إلى أداة استعراضية لرفع معنويات أعضائها والمتعاطفين معها وأحيانا لمجرد التأكيد على أنها لا تزال حاضرة.

أما العنف العدمي الذي بدأت تظهر ملامحه على النحو الذي ذكرناه فإن مخاطره تتجلى على مستويين: الأول أنه يوفر احتياطيا لا ينفد من المترشحين للقيام بأعمال إرهابية دون كبير اهتمام بطرح الأسئلة المتعلقة بمشروعية هذه الأعمال وبجدواها.

والثاني أن التعامل معه أكثر تعقيدا، لأنه من الصعب تتبع الخيوط التي تقود إلى دوافع المتورطين فيه ما دامت هذه الدوافع ترتبط غالبا بتجارب ذاتية وتقلبات مزاجية لا سبيل إلى الوصول إلى كنهها.

يشدد البعض على الحاجة إلى نزع الغطاء الديني عن "ثقافة" الموت وعن هذه النزعة العدمية الجديدة، وعلى ضرورة تنقية ثقافتنا مما يعتبرونه بعض الرواسب التي توفر مناخا مناسبا لنمو مثل هذه التوجهات، وهو مطلب -وإن كان أحيانا غير بريء ولا مبرر- قد يبدو مفهوما في الظرف الحالي الذي يسوده الالتباس على جميع المستويات، غير أن ذلك لن يغير من طبيعة المشكلة التي ليست دينية ولا ثقافية بقدر ما هي مشكلة مزاج عام أنتجته أوضاع سياسية واجتماعية غير سوية.

ومن ثم فإن الطريق إلى محاصرة هذا الشكل الجديد من أشكال العنف واستئصاله يمر بالضرورة عبر إصلاح الاختلال البنيوي المسؤول عن هذه الأوضاع حتى تتسنى إزالة أسباب الاحتقان الحاصل.

وهذه أمور تتطلب توفر إرادة سياسية على الصعيدين المحلي والدولي في اتجاه وضع حد للعدوان الأجنبي والإقصاء السياسي الداخلي، كما تتطلب اعتماد سياسات اجتماعية وتربوية ملائمة تجتث ممارسات الفساد والغبن والتهميش من جذورها.
__________________
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة