الثورة السورية.. وهم عقاب الكيميائي وفخ الحل السياسي   
الأربعاء 27/11/1434 هـ - الموافق 2/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:45 (مكة المكرمة)، 12:45 (غرينتش)
فواز تللو

 

بعد عشر ونيف من المرات وبرفع تدريجي لعتبة الألم السوري والتقبل الدولي التدريجي لاستخدام محدود للسلاح الكيميائي، استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي في غوطة دمشق بدرجة مرتفعة لفتت الأنظار وأحرجت الرئيس الأميركي باراك أوباما وخطوطه الحمراء وأصابت هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى.

والأهم أنه حفز مليونا ونصف المليون من المدنيين المحاصرين في الغوطة للنزوح باتجاه لبنان والأردن خاصة بما بات يهدد النظام السياسي في تلك البلاد، طبعا كانت دماء السوريين آخر ما دفعهم للتحرك وقد مات سابقا 99% من الشهداء بغير الكيميائي.

تحرك أوباما لتوجيه ضربة عسكرية تضعف النظام ولا تسقطه، ظهر عجز الروس الذين باتوا مجرد وسطاء بينه وبين النظام الذي شعر بالخوف للمرة الأولى من الكابوس المرعب الوحيد الذي يخافه أي الأميركان بعد أن كانت رسائل "التطمين" تصله طوال الثورة بأن "لا نية للتدخل العسكري الغربي" بأي شكل بما فيه تسليح المعارضة بشكل حقيقي، تحرك النظام والروس العاجزون لتفادي الضربة وكسب الوقت بما يملكون من أدوات والتي انحصرت بتقديم التنازلات.

وهكذا قدموا للأميركيين ما تصوروه أهون الضررين على النظام أي ترسانة السلاح الكيميائي، تلك الترسانة التي لم تكن يوما إلا لحماية نظام بنى كل إستراتيجيته الدفاعية في وجه عدوه الأوحد، الشعب السوري.

إسرائيل لم تكن عدوا رئيسيا بل "شماعة" نظام الممانعة الذي سلم الجولان ثمنا لسلطة آل الأسد وأعطى إسرائيل أهدأ جبهة وأكثر الأراضي المحتلة ربحية اقتصاديا وعسكريا

فإسرائيل لم تكن عدوا رئيسيا بل "شماعة" نظام الممانعة الذي سلم الجولان ثمنا لسلطة آل الأسد وأعطى إسرائيل أهدأ جبهة وأكثر الأراضي المحتلة ربحية اقتصاديا وعسكريا، وكما كان استخدام الكيميائي أداة استخدمها النظام ليحمي نفسه من الشعب السوري، بات التخلي عنه أيضا أداة تساعد في حماية النظام من ضربة عسكرية كانت ستضعفه مما سيتيح إسقاطه عسكريا لاحقا على يد الثورة.

وهكذا تمسك الأميركيون بهذه الهدية المفاجئة من قبل النظام وركزوا عليها، فتحركهم أصلا كان يستهدف معالجة توابع استخدام الكيميائي لكن لاحت فرصة مفاجئة للتخلص منه نهائيا تشجعه رغبة إسرائيلية عارمة كانت تتخوف دائما مع الغرب من وقوع هذه الأسلحة "في الأيدي الخطأ" وهي ليست بالضرورة التنظيمات الأصولية بل نظام سوري جديد في سوريا الحرة قد لا يلتزم "بميثاق شرف" غير معلن بين النظام السوري الحالي وإسرائيل.

وبذلك حققت أميركا غرضها دون الاضطرار لتوجيه ضربات عسكرية باتت مرتبطة حصرا بحسن تطبيق النظام السوري لإجراءات نزع سلاحه الكيميائي لا بمعاقبته على ما فعل وقد قتل قبلها 98% من ضحاياه بأسلحة تقليدية بدءا بالتعذيب والذبح والحرق والجوع والرصاص وصولا للقصف بالصواريخ والطائرات والمدفعية.

مشكلة المعارضة السورية أنها نظرت للتحرك الأميركي "كعقوبة" على فعل قتل السوريين كما نظرت للتسوية التي جرت بوساطة روسية على أنها "خيانة" وتراجع عن "العقوبة" مع أن الأمر في الحالين كان مختلفا تماما كما أشرت، فالأميركيون والغرب لم يرغبوا يوما بإسقاط النظام بل سعوا دائما لتسويقه كشريك سياسي قوي لا بد منه في أي حل سياسي والمتمثل حاليا بجنيف 2 الأخ التوأم لجنيف 1 اللذين ولدا من رحم مؤتمرات أصدقاء سوريا من وصي لم تثبت شرعيته "لعدم المسؤولية" حتى اللحظة.

إنها مؤتمرات ما برح يردد جماعة جنيف "أصدقاء سوريا" كالببغاوات أنه "لا يوجد إلا الحل السياسي متاح في سوريا" متجاهلين الحل العسكري الذي اعتمده النظام مما استدعى ردا من الثورة بات بموجبه الحل السياسي ضعيف الاحتمال، وأي حل سياسي فضفاض هذا يصادر الثورة.

نعم الضربة العسكرية كانت أمرا أفضل، لكن التسوية التي تمت للتخلص من الكيميائي كانت نصرا للثورة وهزيمة للنظام بغض النظر عن بروباغاندا النظام وحلفائه.

حققت أميركا غرضها دون الاضطرار لتوجيه ضربات عسكرية باتت مرتبطة حصرا بحسن تطبيق النظام السوري لإجراءات نزع سلاحه الكيميائي لا بمعاقبته على ما فعل

فقد خرج من المعركة سلاح لم يكن للثورة قبل به كان من الممكن أن يقلب الموازين العسكرية، كما أن التسوية التي تمت فتحت الباب للضربات العسكرية وشرعنتها للأميركيين (من داخل أو خارج مجلس الأمن) وتركتها سيفا مسلطا سينزل كلما أحس الأميركيون أن النظام يراوغ ولو قليلا في تسليم سلاحه الكيميائي، وهو سيراوغ غالبا من واقع المعرفة بطريقة تفكيره، لكنها دائما لن تكون ضربات قاصمة بل تأديبية خشية إسقاطه، كما أن النظام سيكون عاريا بعد أن يدخل مفتشو الأسلحة الدوليون إلى كل جحوره بما فيها غرفة نوم رئيس النظام لينزعوا هيبته إلى درجة المهانة الكاملة.

المعارضة السورية تركت ما بيدها فعله لتطالب بما ليس بيدها إنفاذه، فليس بيدها التأثير على بنود تسوية الكيميائي أو "رفضها" أو إقناع الغرب بعدم جدية النظام في تنفيذها، ليس بيدها إجبار الأميركيين والناتو على تنفيذ ضربات عسكرية عقابية خارج إطار اتفاقية تسليم الكيميائي.

كما أن ليس بمقدورها حاليا قرار من مجلس الأمن يحيل رئيس النظام وأعوانه إلى المحكمة الجنائية الدولية، النظام من جهة أخرى يقدم نفسه (متمثلا برئيسه) كضامن لتنفيذ اتفاق تسليم الكيميائي الذي يلهث وراءه الأميركيون وإسرائيل المستعجلون للانتهاء من العملية، ويسعى لكسب ما استطاع من الوقت ليستغله في قمع الثورة بكل الأسلحة (عدا الكيميائي) لكن كل مماطلة (وهي آتية غالبا) ستستدعي بضع صفعات عسكرية تحثه على المتابعة "ركضا" مسقطة عبرها وعبر إجراءات التفتيش كل هيبة للنظام.

وسط كل ذلك يبرز ما بيد المعارضة فعله بدل اللهاث والصراخ الشعبوي على ما ليس بيدها في دليل على فشل وعجز بنيوي واضح وغياب كامل لكل رؤية وإستراتيجية سياسية وعسكرية بعد عامين ونصف العام من الثورة والشراهة للسيطرة على مقاعد المعارضة.

ما بيد المعارضة فعله هو استغلال ما استطاعت من ظروف وتناقضات دولية وإقليمية بما فيها تسوية الكيميائي الأخيرة لتعظيم عوائد ما يجري وصولا لإسقاط النظام عسكريا، فالضربات المحتملة مثلا تمثل فرصة لتحقيق إنجازات عسكرية متراكمة على هامشها يمكن أن تساعد بإسقاط النظام عسكريا بيد الثوار لا بيد المجتمع الدولي غير الراغب وغير المسؤول عن ذلك، وإقرار المجتمع الدولي باستخدام النظام للسلاح الكيميائي (وهو إقرار اضطر له لزوم التسوية مع النظام بعد تجاهل استخدامه سابقا لمرات عديدة).

هذا الإقرار أثبت على النظام تهمة تستحق محاسبته دوليا عليها لكنها تنتظر لحظة سياسية مناسبة يمكن للمعارضة السعي للوصول لها بعمل سياسي لا باستثارة "النخوة الأخلاقية" للمجتمع الدولي كما يفعل فرسانها اليوم عبر وسائل الإعلام "العربية" كمن يخاطب نفسه.

الإعلان بشكل واضح أن بشار الأسد وآل الأسد وأركان حكمهم لا يمكن أن يكونوا شريكا في مفاوضات تمهد لأي حل سياسي لا في جنيف ولا في غيرها مع تحديد قائمة بهؤلاء بما قد يشمل عشرات الشخصيات

اليوم يشعر النظام بضعفه لذلك يسعى مع حلفائه للاعتراف به شريكا في تسوية سياسية بدأ مع حلفائه بالسعي لها بإلحاح لإنجازها من موقع الشريك لا من موقع المستسلم وهو وضع آت لا محالة.

إنها تسوية تمثل جنيف 2 عنوانها لا تستثني حتى رأس النظام الذي سيدير المفاوضات لتنحصر القضية في "ترشيح" نفسه لانتخابات رئاسية بعد أقل من عام، تسوية لا تسقط من النظام الطائفي شيئا ذا قيمة وتبقي على مؤسساته الأمنية والعسكرية الطائفية التي تسيطر عليها الأقلية العلوية منذ نصف قرن بحجة "الحفاظ على مؤسسات الدولة حتى لا يحصل ما حصل في العراق" كما يقول الأميركيون والبريطانيون والفرنسيون بوقاحة مفرطة وتشبيه سريالي للوضع العراقي الذي صنعوه، وعشق لحكم الأقليات لحساب سحق أي ديمقراطية حقيقية قد توصل الأكثرية المسلمة السنية إلى السلطة حتى ولو برموز علمانية لكنها "متدينة".

فالمسلم السني الجيد بنظرهم لا يكفي أن يكون علمانيا متدينا كما كان رجالات استقلال سوريا، بل هو المسلم السني الذي يحتقر دينه وممارساته، وبعد هذه التسوية السياسية قد يفكر الغرب لاحقا بمحاسبة بعض شخصيات النظام دون المساس بالنظام عقابا لجرائم الكيميائي وما سبقها وما سيلحقها كفتات يرمى للثورة، لكن سيكون الأمر في هذه الحالة مضبوطا حيث سيكون النظام العلوي قد ضمن الاستمرار برموز جديدة وفق التسوية المزعومة، وبمعنى أدق فشل كامل للثورة، وبالمناسبة نصف ثورة تعني انتصارا كاملا للنظام وهزيمة مماثلة للثوار.

ما بيد المعارضة السياسية والعسكرية اليوم فعله في ظل ما آل له الوضع (وهو وضع جيد للثورة وسيئ للنظام) يتمثل عمليا بأربع نقاط، اثنتين متعلقتين بالحل السياسي واثنتين بالحسم العسكري:

1- الإعلان بشكل واضح أن بشار الأسد وآل الأسد وأركان حكمهم لا يمكن أن يكونوا شريكا في مفاوضات تمهد لأي حل سياسي لا في جنيف ولا في غيرها مع تحديد قائمة بهؤلاء بما قد يشمل عشرات الشخصيات، وعلى المجتمع الدولي الراغب بالتسوية السياسية التخلص من هؤلاء سواء بصواريخ كروز أو بإجبارهم على مغادرة البلاد أو بتشجيع انقلاب عسكري من داخل النظام.

2- الإعلان بأن التفاوض سيجري مع قادة النظام الجدد فقط بعد خطوات متبادلة مع الثوار تتمثل بوقف شامل لإطلاق النار وفك الحصار الإنساني وإطلاق سراح شامل كامل لكافة المعتقلين، وأخيرا دخول وسائل الإعلام العالمية والمنظمات الإغاثية دون قيود أو شرط، طبعا مع وضع العدالة كشرط مسبق لا بد من الإقرار به قبل بدء أي عملية، وبالمناسبة فجنيف 1 لا ينص على هذه النقاط بشكل واضح (وبشكل مقصود) كما قد يتصور البعض بل "يشجع على البدء بها".

السهل الممتنع الأهم يتمثل بعمل المعارضة بشكل جدي لتنظيم ومساعدة الثوار على تشكيل مجالس إدارة مناطقية مدنية وهيئات عسكرية تستند إلى معظم القوى الحقيقية الموجودة على الأرض

3- على التوازي الطلب من أصدقاء سوريا الحقيقيين حصرا (السعودية وقطر وتركيا) تزويد المعارضة بالسلاح بما فيه النوعي وبكميات كافية مفتوحة وبسرعة، وتجاوز الضغوط الأميركية بهذا الخصوص أو إلى الجحيم بأي حل سياسي يلهثون خلفه وفق تعريفهم.

4- أما السهل الممتنع الأهم فيتمثل بعمل المعارضة بشكل جدي لتنظيم ومساعدة الثوار على تشكيل مجالس إدارة مناطقية مدنية وهيئات عسكرية تستند إلى معظم القوى الحقيقية الموجودة على الأرض بما يعنى مقاربات جديدة تماما بهذا الخصوص تتجاوز كل المقاربات السابقة التي فشلت بامتياز وأوصلت الوضع العسكري والسياسي في الداخل إلى حال الفوضى الحالية التي أخرت النصر وعظمت ثمن إسقاط النظام وما بعد إسقاطه.

نعني بذلك مقاربات جديدة تملك الشجاعة والوطنية للتخلي عن بعض من الطموح السياسي الشخصي والحزبي ما سيدفع لتجاوز معظم الهيئات العسكرية والمدنية المصطنعة السابقة التي فرضت على الثورة.

إن هذا التنظيم سيسمح بردم جزء مهم من فجوة التسليح من ناحية ويساعد بترسخ بديل حقيقي للنظام، بديل مطلوب سوريا وإقليميا ودوليا لإدارة سوريا الجديدة تخفيفا للفوضى الحالية أو المحتملة، بديل لا يمكن اصطناعه بعيدا عن القوى الحقيقية الفاعلة على الأرض ولا تمثل قوى المعارضة السياسية الحالية تجسيدا له كما قد يتوهم البعض.

إن الحكومة الجديدة وبدعم إقليمي تمثل الأداة لتنفيذ هذه المهمة فيما لو امتلكت الكفاءة والغطاء السياسي والدعم العسكري والمادي الإقليمي ورفعت اليد عنها من قبل المعارضات بشكل كبير وتم القبول بالفكرة الشجاعة للتخلي عن الهيئات العسكرية والمدنية السابقة وإعادة هيكلتها بشكل شامل.

النقاط الأربع بيد الثورة والمعارضة، قد لا يستجيب المجتمع الدولي للنقطتين الأولى والثانية المتعلقتين بالحل السياسي وتعريفه وفق شروط الثورة وأهدافها، وسواء قبل المجتمع الدولي هذا التعريف أو رفضه، يمكن العمل على التوازي بالنقطتين الثالثة والرابعة المتعلقتين بالحسم العسكري وهي نقاط بيد الثورة والمعارضة بالكامل بمساعدة الأصدقاء الحقيقيين، فإسقاط النظام ليس بالحل السياسي فقط كما يروج الغرب وجماعة جنيف، بل بالحسم العسكري وهو المرجح بشكل كبير ومن السذاجة بل الخيانة تجاوزه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة