هل من عاصفة حازمة في عين الجامعة العربية؟   
الثلاثاء 11/6/1436 هـ - الموافق 31/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:18 (مكة المكرمة)، 14:18 (غرينتش)
محمود المبارك


المشروعية القانونية
اليمن وقمة العرب
قراءة قانونية
خاتمة

في الوقت الذي تتواصل فيه الغارات العسكرية التي تقودها المملكة العربية السعودية ضمن تحالف دولي أطلق عليه اسم "عاصفة الحزم" ضد أهداف حوثية في اليمن، لا تزال جامعة الدول العربية تراوح مكانها بين تردد أعضائها للوقوف صفا واحدا في وجه عدوان سافر، في تأكيد جلي على تمسكها بثوابتها القديمة القائمة على عجزها وخذلانها لشعوبها العربية منذ أول يوم أنشئت فيه.

وخلافا للابتهاج والفرح الظاهرين اللذين أعرب عنهما الأمين العام للمنظمة الإقليمية في ختام أعمال القمة، حين تغنى بإنجازات تاريخية لم تعد تنطلي على رجل الشارع العربي، فإن القراءة القانونية لمجريات القمة وما تم إقراره يبدو بعيدا عن الهدف الملح الذي لمثله تعقد قمة عربية خاصة، وهو إنقاذ اليمن من سيطرة إيرانية شبيهة بمثيلاتها في كل من العراق وسوريا ولبنان. بل إنه ليس من المبالغة القول إن مخرجات القمة جاءت مناقضة لتطلعات الشعوب العربية جملة وتفصيلا.

وقبل الشروع في تفصيل إخفاقات إجراءات قمة شرم الشيخ وبيانها الختامي، لعله من المفيد بداية الإشارة بشيء من الإيجاز إلى الأساس القانوني الذي يستند إليه العمل العسكري الذي لجأت إليه المملكة العربية السعودية وحلفاؤها ضد المواقع الحوثية في اليمن.

المشروعية القانونية

تستند عاصفة الحزم لعدد من الأسس القانونية الدولية، التي تشكل في مجموعها ذريعة قانونية صلبة. ولا بد من التأكيد بداية على أن العمل العسكري إنما جاء كرد فعل على عمل مخالف للشرعية الدستورية اليمنية والشرعية الدولية، قام به الحوثيون المدعومون من إيران ابتداء

يستند العمل العسكري الذي قامت به القوات السعودية مع حلفائها إلى عدد من الأسس القانونية الدولية، التي تشكل في مجموعها ذريعة قانونية دولية صلبة. ولكن لا بد من التأكيد بداية على أن العمل العسكري الذي لجأت إليه القيادة السعودية وحلفاؤها إنما جاء كرد فعل على عمل مخالف للشرعية الدستورية اليمنية والشرعية الدولية، قام به الحوثيون المدعومون من إيران ابتداء.

ذلك أنه وخلال الأشهر القليلة الماضية، قام الحوثيون اليمنيون بالسيطرة على مفاصل البلاد بغير حق واحتجزوا رئيس البلاد ورئيس وزرائه والوزراء وحلوا البرلمان واستولوا على مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والإعلامية بطريقة مخالفة للدستور اليمني.

كما قامت مليشياتهم بارتكاب عدد من الجرائم الشنيعة التي ترقى في مجموعها إلى "جرائم حرب"، الأمر الذي نتج عنه أن وصف قرار مجلس الأمن رقم 2201 (2015)، ما قام به الحوثيون أنه تهديد للأمن والسلم الدوليين، وأكد على أن "الانقلاب الحوثي تصعيد خطير، ويهدد أمن واستقرار وسيادة ووحدة البلاد".

في الوقت ذاته، أطلق الرئيس الشرعي للبلاد -الذي استطاع الفرار من القبضة الحوثية- على ما حدث صفة "الاحتلال" لبلاده. ودعا الدول العربية إلى التدخل العسكري لإنقاذ بلاده من الاحتلال الحوثي الإيراني.

وتلبية لاستغاثة الرئيس الشرعي بادرت المملكة العربية السعودية بتكوين حلف عسكري من عشر دول، تسع منها عربية. وجد هذا الحلف في اتفاقية الدفاع المشترك التي أقرتها جامعة الدول العربية، والمعاهدات الثنائية الموقعة بين السعودية واليمن أساسا شرعيا لتحركه العسكري.

الرد السعودي "الحازم" أخذ في الاعتبار أيضا حق الدفاع عن النفس المخول في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، نظرا لتهديدات تكررت من قيادات حوثية، حكت صدى لتصريحات سابقة منسوبة إلى شخصيات إيرانية، كلها تدعو إلى "تحرير" مدن سعودية، بما في ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة المقدستان.

التدخل العسكري السعودي يمكن أن يصنف من وجهة نظر القانون الدولي على أنه (international humanitarian intervention) تدخل إنساني دولي الذي سبق أن تدخلت بموجبه قوات الناتو في البوسنة والهرسك دون إذن من مجلس الأمن، لأجل إنقاذ من تبقى من المسلمين من مذابح كان يعدها الصرب بعد المجازر الشنيعة التي قضى فيها أكثر من مائتي ألف مسلم.

يعزز هذا الرأي "جرائم الحرب" التي ارتكبتها المليشيات الحوثية ضد أهل السنة والتي شملت قتل الأبرياء من المدنيين وتفجير المساجد، بطريقة شبيهة لما تقوم به عصابات النظام السوري المدعوم من إيران، والمليشيات الطائفية البغيضة في العراق المدعومة أيضا من المصدر ذاته.

الرفض الحوثي للحوار -الذي دعا إليه مجلس الأمن في قراريه 2040 (2014) و2201 (2015) وبياني رئيس المجلس المؤرخين في 15 فبراير/شباط 2013 و29 أغسطس/آب 2014، والتعنت الذي تبجحت به جماعة الحوثي قبل عاصفة الحزم بيوم واحد برفضها الذهاب إلى الرياض أو الدوحة لأجل الحوار- يجعل السعودية وحلفاءها في حل من متطلبات المادة 33(1) من ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو إلى اتخاذ خطوات سلمية قبل اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية.

ليس لإيران أي أساس قانوني دولي أو دستوري يخولها التدخل في شؤون اليمن الداخلية. إذ لا تربطها معاهدات أمنية مع اليمن، كما أن إيران لم تحصل على أي دعم لا من المنظمات الإقليمية أو الدولية وليس لديها نصير كاف من دول العالم يؤيد موقفها
العمل العسكري للسعودية وحلفائها حصل على تأييد من جامعة الدول العربية في قمتها الأخيرة ومن قبل الأمم المتحدة على لسان أمينها العام، ومعظم دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.

في المقابل ليس لإيران أي أساس قانوني دولي أو دستوري يخولها التدخل في شؤون اليمن الداخلية. إذ لا تربطها معاهدات أمنية مع اليمن، كما أن إيران لم تحصل على أي دعم لا من المنظمات الإقليمية أو الدولية وليس لديها نصير كاف من دول العالم يؤيد موقفها.

اليمن وقمة العرب
رغم الحاجة الملحة لمأساة الشعب اليمني في هذا الظرف العصيب، وبدلا من أن يتصدر المشهد اليمني جدول أعمال القمة السادسة والعشرين للمنظمة التي تحتفل بعيدها السبعين، إذا بموضوع مكافحة الإرهاب يتصدر جدول أعمال القمة. وغني عن القول إن هذا الحرص إنما يأتي لحاجة في نفس الحكومة المضيفة، التي ما إن وضعت القمة أوزارها حتى أعلنت عن إدراج المرشد العام للإخوان المسلمين وعدد من قيادات الجماعة في قائمة "الإرهاب". بيد أنه لا يوجد تعريف محدد في القانون الدولي اليوم لشبح "الإرهاب" ولا يعرف له لون ولا طعم ولا رائحة.

هذا الاستخفاف بأوليات الأمة العربية، لم يكن خافيا على القيادة السعودية الجديدة، التي آثرت الحكمة في عدم الاعتراض على جدول أعمال القمة المصرية، بيد أن القيادة السعودية كانت مكترثة بالأفعال أكثر من الأقوال. إذ ربما كان في موقف العاهل السعودي الذي وصل إلى شرم الشيخ قبيل انعقاد الجلسة الأولى للقمة بدقائق وغادر بعد إلقاء كلمته مباشرة، وأثناء إلقاء الأمين العام للأمم المتحدة كلمته، ربما كان في تلك الإشارة ما يغني عن العبارة.

قراءة قانونية
لعل أول ما يفاجئ القارئ لإعلان شرم الشيخ من حيث الشكل، هو الأسلوب القانوني الدولي الرديء الذي صيغ به هذا البيان، والذي يشبه إلى حد بعيد إنشاء طالب بليد لا يتوقع له اجتياز مادته العلمية بأكثر من درجة مقبول.

يؤكد ذلك خلو البيان من أي إشارات إلى مواثيق أو معاهدات دولية أو قرارات مجلس الأمن أو حتى الإشارة إلى وقائع سابقة (precedents) يراد قياسها على ما تواجهه المنظمة من قضايا قانونية دولية، فضلا عن اقتراح حلول قانونية دولية للأزمات التي يغص بها العالم العربي. بل إن لفظة "القانون الدولي" لم ترد في بيان القمة الختامي للمنظمة التي تعد المرجع الأول للقانون الدولي في العالم العربي، ولعل هذا يعكس مكانة القانون الدولي في عقلية القائمين على أعمال القمة.

أما من ناحية المضمون فقد أخفق ممثلو 22 دولة عربية يزيد عدد سكانها عن ثلث مليار عربي، وتعدل مساحة دولهم مساحة الولايات المتحدة مرة ونصف المرة، في إصدار قرار عربي موحد يرفض السيطرة الإيرانية على أقاليم بلاد عربية بلغة عربية فصيحة لا تقبل التأويل، في وقت يزداد فيه التوغل الإيراني في عدد من الأقطار العربية بطرق مباشرة وغير مباشرة.

وعوضا عن ذلك اكتفى مندوبو الدول الأعضاء بالاتفاق على عبارات مطاطة يترك تأويلها مفتوحا لاحتمالات عديدة.

الموقف المريب للدولة المضيفة في رفض قبول الائتلاف السوري لا يترك مجالا لحسن الظن بالحكومة التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري، وأصرت على رفض تمثيل الائتلاف السوري، الذي وافقت عليه الجامعة العربية وسبق أن شارك في قمتين سابقتين

فقد تناول البيان القضية الأم للعالم العربي في جملة واحدة، شملت التأكيد على مبادرة السلام العربية التي طالما رفضتها حكومات الاحتلال الصهيوني المتكررة.

حري بالقول إن القضية الفلسطينية لم تكن لتدرج على جدول أعمال هذه القمة، لولا إصرار سعودي رسمي.

في المسألة الليبية تربط عبارة البيان بجلاء الأزمة الليبية الحالية بأحداث 2011، في إشارة إلى الثورة الليبية، التي أنقذت الشعب الليبي من ألد أعدائه وإن رغم أنف الجامعة العربية.

وفي الشأن العراقي، يضع البيان اللوم على العمليات الإرهابية الممنهجة، والتي لا يظن عاقل أن الجامعة تقصد بها الحكومة الطائفية التي شهدت منظمات حقوق الإنسان الدولية على انتهاكاتها القانونية الدولية الشنيعة.

أما الشق السوري فهو الأكثر إيلاما في هذه القمة. ذلك أن الموقف المريب للدولة المضيفة في رفض قبول الائتلاف السوري لا يترك مجالا لحسن الظن بالحكومة التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري، وأصرت على رفض تمثيل الائتلاف السوري، الذي وافقت عليه الجامعة العربية وسبق أن شارك في قمتين سابقتين. ليس ذلك فحسب، بل إن استبدال علم النظام السوري بعلم الثورة السورية في مقعد الوفد السوري الفارغ، فيه من التلميح ما يغني عن التصريح بموقع الثورة السورية في عقلية الحكومة الانقلابية في الدولة المضيفة.

يؤكد ذلك إشارة البيان الختامي إلى أن "العنف في سوريا أنتج تطرفا.. أفضى إلى غياب دور الدولة ومؤسساتها". وأحسب أننا لا نحتاج إلى عقلية آينشتاين لفهم دلالات هذه العبارة.

إضافة إلى ذلك، فإن رسالة بوتين التي فرض المضيف قراءتها على الحاضرين وتشمل الدعوة إلى حل سلمي للثورة السورية، لا تزال تثير تساؤلات في أذهان الكثيرين، حول جدوى تلك الرسالة. الأمر الذي اضطر وزير الخارجية السعودي لاستهجان الدعوة الروسية إلى حل سلمي في سوريا في حين أنها هي التي تدعم النظام السوري علنا.

وإذا كان "إنشاء قوة عربية مشتركة" هو العنوان الأبرز الذي خرجت به قمة شرم الشيخ، فإنه من السابق لأوانه الاستبشار بهذا "السبق" العربي. ذلك أن عبارة البيان الختامي لم تعلن بأي حال إنشاء تلك القوة العربية، وإنما نصت على حق القادة في احتفاظهم "بكافة الخيارات المتاحة بما في ذلك اتخاذ اللازم نحو تنسيق الجهود والخطط لإنشاء قوة عربية مشتركة".

وهذا كاف لدحض أي تفاؤل حول تلك القوة المزعومة. بل إن مجريات القمة حيال هذه الجزئية تدعو إلى التشاؤم أكثر من التفاؤل. لأنه وتماشيا مع الفهم السقيم لمخرجات الجامعة، فإن بعض الزعماء أراد تطويع هذا النص لتكريس بقائه في السلطة.

في هذا الخصوص، يربط الرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته محمود عباس هذا النص بواقع "الانقسام الفلسطيني" والذي في وجهة نظره "ينطبق عليه ما ينطبق على الحالة اليمنية".

إعلان شرم الشيخ شمل دعوة مريبة، بطلب من الحكومة المضيفة، إلى "تجديد الخطاب الديني" وتصحيح "التأويلات الخاطئة" و"المفاهيم المغلوطة" في التراث الديني. وغني عن القول إن الحكومة الانقلابية في مصر هي التي انقلبت على تاريخ الأمة باسم التجديد ورفض الإرهاب

إعلان شرم الشيخ شمل دعوة مريبة، بطلب من الحكومة المضيفة، إلى "تجديد الخطاب الديني" وتصحيح "التأويلات الخاطئة" و"المفاهيم المغلوطة" في التراث الديني. وشددت الدعوة على دور المثقفين والكتاب العرب حيال تصحيح هذه المفاهيم.

وغني عن القول إن الحكومة الانقلابية في مصر هي التي انقلبت على تاريخ الأمة العربية والمسلمة، باسم التجديد ورفض الإرهاب، وكان آخر "تجديدها" أن أزاحت علمين من أعلام الأمة من مناهج التعليم، هما صلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع.

وبدوري أدعو الكتاب والمثقفين الأحرار وأصحاب البرامج الفضائية الشهيرة لفضح زيف ونفاق الجامعة التي طالما أساءت وقلما أحسنت في حق شعوبها.

خاتمة
للتذكير، فإن جامعة الدول العربية إنما جاءت في الأصل استجابة لنداء وزير الخارجية البريطاني إنتوني إيدن في عام 1941، الذي أطلق وعدا شبيها بوعد بلفور، أعرب فيه عن تأييد بلاده لأي تحرك في اتجاه إنشاء منظمة عربية. وعد إيدن غير الشهير تبعه تصريح رسمي في مجلس العموم البريطاني في عام 1943 من الوزير ذاته، أعرب فيه أن بلاده تنظر بعين العطف لأي تحرك للدول العربية يرمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية.

سبعون عاما مضت ولا تزال المنظمة الفاشلة قادرة على تمزيق صف الأمة العربية بشكل عجزت عنه بقية المنظمات الدولية الأخرى.

خاتمة القول إذا كانت جهيزة قطعت قول كل خطيب بإعلانها عن "عاصفة الحزم" العسكرية، فما أحوجنا إلى "جهيزة" سياسية تضرب عين المنظمة التي أصبحت تدرس في مناهج الجامعات الغربية كمثال للمنظمة الفاشلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة