في الردّةِ المدنية للعلمانيين العرب (1)   
الخميس 1434/11/15 هـ - الموافق 19/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 7:38 (مكة المكرمة)، 4:38 (غرينتش)
مهنا الحبيل



انتقال مشهد الربيع العربي إلى المطاردة الدموية والتعقب العسكري العنيف في الوضع المصري بمشاركة كاملة أو مباركة ضمنية من تيارات عديدة من العلمانيين العرب، سواء في أجنحة القوميين المتعددة أو اليسار أو الليبراليين، هو حدث ضخم في دلالاته الفكرية والسياسية للتاريخ العربي الحديث، وفي مستقبل فكرة الدولة المدنية العادلة في ممارساتها السياسية والقانونية التي كانت تَطرح الوسيلة الديمقراطية كبرنامج عمل لتحقيق حلم الشعوب التنموي والحقوقي.

وهذه الحصيلة المرة لا تغيِّرها إشكالية الجدل بين الإسلاميين حول المرجعية الإسلامية في تقويم الفلسفة الديمقراطية عبر الرؤية الإسلامية، ومن يعتقد بالمرجعية العلمانية المطلقة من حيث وصول الممارسة الدستورية والحق المدني العام للمواطن إلى قِيم العدالة التنفيذية التي يستشعرها إنسان هذا الوطن أو ذاك. فحجم التوافق الذي تمّ رغم ارتفاع لغة الجدل لم يمنع إقرار شرائع العدل والحقوق والرقابة الشعبية وتأمين الاختيار الشعبي الديمقراطي لممثلي الدولة الحديثة ضد الانقلابات أو الاستبداد السياسي الذي تعيشه الأزمنة العربية منذ الاستقلال النسبي.

هذه التوافقات كانت سائدة في الإقرار العام قبل وقوع انقلاب 30 يونيو/حزيران الماضي الذي شرّع للاندفاع العسكري والذي قلب الطاولة على ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وباتت مصر تعيش أزمة احتقان أمني ومذابح وعشرات الآلاف من المعتقلين والمطاردين تجاوزت عهود مبارك والسادات، وعادت لأوائل الحكم الناصري بعد ثورة يوليو/تموز 1952.

التساؤل الآن يتعلق بكيفية استعادة الثقة بين الإسلاميين التقدميين أو المحافظين وبين أجنحة العلمانيين العرب التي تبنت تنفيذيا وفكريا إقصاءهم، بل قتلهم في بعض المسارات

وما يبرز على السطح هنا بوضوح كقضية ثقافية مفصلية في تحديد مسارات المستقبل العربي كعلاقة بين تياراته، أو صناعة الدولة القُطرية الحقوقية ومن ثم تحقيق التضامن العربي في هيئة سياسية جامعة، هو أين يُمكن أن تُستعاد الثقة؟ وهل كانت ثقة موضوعية بين الإسلاميين التقدميين أو المحافظين وبين أجنحة العلمانيين العرب التي تبنت تنفيذيا وفكريا إقصاءهم، بل قتلهم في بعض المسارات؟

إن هذا الحدث الضخم في التاريخ العربي الحديث يحتاج إلى مؤسسات فكر تدرس مسببات هذا الخريف الثقافي الدامي، ومراجعة أسبابه وانحرافاته الجذرية التي انفجرت في وجه الشعب العربي في مصر، وقبل ذلك في سوريا بحجج أخرى أو متماثلة، على أن تَفْصِل بين دوائر الخلاف والجدل في صراع الإخوان المسلمين في مصر السياسي ونقدهم ومحاولة نقضهم من الحكم عبر الآلية الديمقراطية كتنافس مشروع، وبين الاصطفاف الكامل للتوجهات العلمانية مع الآلة العسكرية في نقض القيم الدستورية والحريات، وليس مجرد ترديد هذه المصطلحات، أو تقمص الأدوار المطلوبة من هذه الكتل الثقافية في المشروع العسكري للفريق السيسي.

ونحن هنا نُحاول أن نرتب بعض الأسئلة الموضوعية ذات الضرورة القصوى في فهم هذا الحدث الضخم لفتح باب معرفة ونقد ذاتي وحوار عميق، إن قُدّر له أن يستعيد أنفاسه يوما للتوجه من جديد لصناعة الوعي العربي الصادق للدولة المدنية الحقوقية لأجل الشعب، وليس لأيديولوجية التيار متى ما أرضتُه صفق لها ومتى ما خالفته نقضها بحذاء العسكر.

وكمقدمات أولية نطرح هذه العناصر لفهم المدخل:
1- تورط كُتل فكرية علمانية في الساحة المصرية أو حتى في مقدمات المواجهة التونسية لا يعني أن كل العلمانيين يشملهم هذا الموقف، ففي مصر ومن خلال مواقف حزب غد الثورة ورئيسه د. أيمن نور واليساري د. محمد الدمياطي وكيل نقابة المحامين وعدد من المثقفين في جبهة الضمير وغيرهم، سُجلت مواقف رفضٍ مبدئي واضح تتفق مع الإيمان بالفكر الديمقراطي وحرية الشعوب.

2- التحول لدى الإسلاميين إلى وصف كلِّ علماني بأنه منافق بعد صدمة مصر، وإسقاط قطعيات القرآن عليه ليس دقيقا ويجب أن يُحذر من هذا التعميم، كما أن الفكرة العلمانية في ذات المثقف يتناولها صعود وهبوط في قبول مرجعية الإسلام من حيث فهم نموذج هذه المرجعية التي تُقدم له وليس بالضرورة رفضا لكليات الإسلام وقواعده.

تورط كُتل فكرية علمانية مصرية أو تونسية لا يعني أن كل العلمانيين يشملهم هذا الموقف، حيث سُجلت مواقف رفضٍ مبدئي واضح من شخصيات علمانية تتفق مع الإيمان بالفكر الديمقراطي وحرية الشعوب

3- تورطت جماعات سلفية وانقسم الأزهر بين خط الإمام حسن الشافعي الذي رفض الانقلاب ودان عمليات القتل والإبادة والقمع ومعه آلاف من الأزهريين، لكن فريق د. أحمد الطيب ومن معه وقفوا مع الانقلاب وأيدوا ما جرى، وهذا يعني -مع الفرق في التفصيل- أن التحالف العلماني ليس وحيدا في تأييد الانقلاب الدموي لكن هناك مشاركات سلفية أو دينية استخدمت، وإن كان من اللازم أن نَذكُر بأن ذلك الاستخدام فرعيٌ مقابل شركاء يونيو الأصليين الممثلين للتحالف العلماني.

4- ليس من الصالح في تقديرنا أن تُعلن الحرب الشاملة بين التيارات الفكرية وتُهدَم مساحات حلف الفضول الحقوقية أو التوافق المدني على الحريات العامة التي تحصّلت في حوارات العقود السابقة، بل لا بد أن يُبنى على استئنافها كمصلحة عقلية ووطنية مطلقة لإنسان الوطن العربي.
 
5- هناك إشكالية منهجية قد يطرحها البعض في تقييم ما جرى بين ما يُعتبر مواقف تكتلات علمانية ذات جذور رئيسية، أو ما يُسمى بالبلطجة الثقافية أو الإعلامية التي تمارسها عناصر تحريضية تنسب لهذه التيارات، في ظل تدفق الأموال الخليجية الهائلة على الساحة المصرية.

حيث يُتحفّظ على تمثيل هذه العناصر لتلك التيارات. والحقيقة أن الانحراف العلماني في مصر مركزي، وهو المسؤول عن الرد أو التوضيح عن تلك العناصر ورفض ما تروجه، وهو ما لم يفعله فضلا عن شراكته لذات الفكرة في تأييد الانقلاب وإجراءاته، وهو ما ألحق البلطجة الثقافية بأيديولوجيته.

6- أحد أهم مسببات هذا الانحراف المركزي هو انشغال التيارات العلمانية العربية، وخاصة القوميين بكل أجنحتهم، في نقد ومتابعة الحالة الإسلامية والاحتجاج عليها قبل أن تصل للحكم على الأقل في العهد الربيعي القصير، في حين تُعاني هذه التيارات من نزعات وأيديولوجيات خطيرة في إيمانها بالعنف والإقصاء ضد الآخر، وجسدته قبل انقلاب يونيو/حزيران الماضي في الوطن العربي في نماذج حكم سادت لعقود عبر الأجنحة القومية من بعثية إلى ناصرية.
 
7- هذه المسيرة التاريخية في الحكم الاستبدادي لم تتحصل على مساحة مقبولة من المناقشة والمراجعة النقدية لدى العلمانيين القوميين، ولم تُراجَع حركة الاختراق لهم من قوى النفوذ، ولا رؤى بعضهم المتطرفة في اعتبار الكيان الإسلامي شخصا أو مشروعا عدوا إستراتيجيا بغض النظر عن اعتداله أو تطرفه، وهو ما استخدمه الاستبداد العسكري وسيستمر في حركة نقض الربيع العربي مستقبلا.
الدولة التي تفقد حرية شعبها وحرية تصويته تعود لتفقد ممانعتها الحقوقية أمام الاستبداد وأمام العدو الخارجي، وقد باتت مصر رهينة لهذا الواقع
8- هذا الاندماج العلماني القومي مع حركة الانقلاب العسكري، في ذات الوقت الذي تتوالى آلاف التصريحات والتنسيقات وبرامج العمل وإعلان الموقف من إسرائيل الدولة والكيان الصهيوني والمؤسسة الإستراتيجية لدعم غير محدود لخطة الفريق السيسي، أظهرت تناقض شعارات قضية فلسطين مع منهجية العمل، خاصة بعد حملات شيطنة الشعب الفلسطيني وحرب الاستنزاف التي بدأها السيسي على غزة.

9- إن الدولة التي تفقد حرية شعبها وحرية تصويته تعود لتفقد ممانعتها الحقوقية أمام الاستبداد وأمام العدو الخارجي، وهي النظرية التي طبقّها تحالف العلمانيين العرب وباتت مصر رهينة لهذا الواقع.

هنا لا بد لنا بعد هذه العناصر أن نناقش في الحلقة القادمة أهم مسارين حوّلا العلمانيين العرب إلى أيديولوجية الطائفة العلمانية بدلا من أيديولوجية الفكر، وخاصة لدى القوميين العرب، وذلك في فهم من هي أمة العرب وما هي رسالتهم الجامعة؟
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة