فلسطين.. قضية ناجحة بيد محام متآمر   
الاثنين 1433/10/17 هـ - الموافق 3/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:56 (مكة المكرمة)، 11:56 (غرينتش)
محمود المبارك



في الوقت الذي تتقدم فيه القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة بطلب جديد، من أجل الحصول على عضوية "دولة فلسطين" كعضو مراقب في المنظمة الدولية، أكاد أذرف دموع الحسرة على أمة لا تعرف حقوقها، ولا تكاد تسأل عنها أهل الخبرة.

ذلك أن القضية الفلسطينية قضية قانونية دولية بامتياز، واستمرار تلاعب السياسيين بالقضية القانونية، هو تفريط بحق من حقوق الأمة. إذ إن ذلك كمن يضع قضية ناجحة في يد محام فاشل. ليس ذلك فحسب، بل إن هذا المحامي الفاشل يرفض حتى قبول مشورة قانونية مجانية من أهل الخبرة.

تلك المشورة المجانية تمثلت في دراسة قانونية متكاملة حول شرعية الدولة الفلسطينية منذ عهد عصبة الأمم ووضعها الحالي في القانون الدولي، قدمها أحد كبار رجال القانون الدولي في الولايات المتحدة، إلا أن أثر تلك الدراسة العلمية في عالمنا العربي كان كأثر صيحة في واد أو نفخة في رماد.

وإذا كان من المسلم به عند العقلاء، أن اقتناص أي مشورة قانونية مجانية فرصة لا تعوض، وعلى وجه الخصوص في قضايا القانون الدولي، حيث ربما تزيد ساعة المحامي الدولي الواحدة على ألف دولار، فكيف يمكن إهمال مشورة محام من أفضل وأشهر الحقوقيين الدوليين، الذي لم يقدم استشارة مجانية فحسب، بل ألف كتاباً حول الموضوع.

وفي حين كان يجدر بالحكومات العربية أن تتسابق على اقتناء هذا الكتاب وتوزيعه على دبلوماسييها، وأن يتم توفيره في كل جامعة ومكتبة عامة، ويعان على توفيره في معارض الكتاب العربي في كل عاصمة عربية، وجدتني مضطراً إلى طلب الكتاب بعد عام من صدوره، من الناشر نفسه، لعدم توفره وكأن الكتاب يعالج موضوعاً يتعلق بحيوانات غابات الأمازون.

القضية الفلسطينية قضية قانونية دولية بامتياز، واستمرار تلاعب السياسيين بالقضية القانونية، هو تفريط بحق من حقوق الأمة

لن أخوض في شيء مما قاله البروفيسور جون كويغلي -أستاذ القانون الدولي العريق، بجامعة أوهايو ستيت- لأترك للقارئ حرية معرفة ما في الكتاب، الذي هو من منشورات مطبعة جامعة كامبردج البريطانية، عام 2010.

ويكفي أن أشير إلى أنه بعد صدور كتابه "دولة فلسطين: القانون الدولي في صراع الشرق الأوسط"، استنفرت إسرائيل قواها القانونية والسياسية من أجل تهميشه والتقليل من قيمته، في حين أن الموقف الفلسطيني لم يكن عند حسن ظن الإسرائيليين.

هذا الاستخفاف الفلسطيني الرسمي بالجوانب القانونية في قضيتهم الأولى له تاريخ طويل، لعل أشهر حلقاته تجلى حين أبرمت السلطة الفلسطينية اتفاقية دولية مع إسرائيل دون وجود حقوقي دولي واحد في الوفد الذي قاد المفاوضات في الجانب الفلسطيني، في حين كان الوفد الإسرائيلي يضم فريقاً من أشهر المحامين الدوليين.

وبعد إبرام اتفاقية أوسلو المشؤومة، استمر الجانب الفلسطيني في تخبطه القانوني دون الرجوع إلى أهل الخبرة في القانون الدولي، حتى إذا أراد عرفات أن يعلن عن قيام الدولة الفلسطينية في ربيع عام 2000، كما كان مقرراً له بموجب اتفاقية أوسلو، إذا به يواجه بتحدٍ عارم من الجانب الإسرائيلي، ليكتشف لاحقاً أن ذلك الإعلان المزعوم مربوط بشروط قانونية في ملحقات الاتفاقية الدولية، يكاد يستحيل تحقيقها على أرض الواقع.

يظل الجانب الفلسطيني يلعن حظه التعس في كل مرة يكبو فيها، ويغفل جهله القانوني الدولي، ليكرر ذات الأخطاء المرة تلو المرة، ليصدق عليه الجزء الأخير من المثل العربي القديم "السعيد من وعظ بغيره، والشقي من لم يتعظ بنفسه".

بدت آخر حلقات التخبط القانوني الدولي قبل عام حين أطل علينا "أبطال أوسلو" بطرح جديد أسموه "استحقاق أيلول"، وكعادة أي محام يجيد الدعاية الكاذبة، فقد رسم أولئك خطة تقضي بإقناع الدول ذات التأثير في القرارات الأممية، فجابوا الدنيا طولاً وعرضاً لإكمال مهمتهم الفاشلة ابتداءً، إلا أنهم لم يعترفوا حتى الساعة بذلك الفشل، حيث تحول ذلك الاستحقاق إلى إخفاق. تماماً كما أنهم لم يعترفوا بأي فشل سابق منذ أن ورطوا أنفسهم في مأزق اتفاقية أوسلو وإلى هذا اليوم.

يظل الجانب الفلسطيني يلعن حظه التعس في كل مرة يكبو فيها، ويغفل جهله القانوني الدولي، ليكرر ذات الأخطاء المرة تلو المرة، ليصدق عليه الجزء الأخير من المثل العربي القديم "السعيد من وعظ بغيره، والشقي من لم يتعظ بنفسه

لم يكن ذلك الإخفاق نشازاً في تاريخ المحامي المنوط به عبء الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة، وبنظرة قانونية عاجلة في ما فرط فيه ذلك المحامي، نجد أنه فشل فشلاً ذريعاً فيما يجب أن يقوم به تجاه قضيته الأولى في كل جانب من جوانبها.

فبدلاً من أن يطالب بتفعيل المادة 22 من ميثاق الأمم المتحدة في الجمعية العامة، بعد كل اعتداء يقوم به الإسرائيليون، ليتمكن من محاكمة المسؤولين الإسرائيليين في محاكم دولية، يكتفي المحامي الفاشل بتكرار طلبه السياسي وليس القانوني، في مجلس الأمن ليواجه بفيتو أميركي في كل مرة، أو يحصل على مجرد تنديد من المجلس في أحسن أحواله.

وبدلاً من اللجوء إلى محكمة العدل الدولية من أجل استصدار فتوىً حول مشروعية الحصار الجائر على غزة، طبقاً للمادة 65 (1)، من نظام محكمة العدل الدولية، على غرار الفتوى التي أصدرتها المحكمة عن الجدار العازل، يرفض ذاك المحامي كل اقتراح بهذا الشأن.

وبدلاً من متابعة فتوى محكمة العدل الدولية تجاه الجدار العازل، من أجل إرهاق الشركات الأوربية والأجنبية التي تورطت في المشاركة في بناء الجدار العازل مخالفة بذلك اتفاقية جنيف الرابعة 1949، التي وقعتها حكومات دولهم وإجبارها على دفع تعويضات للمتضررين، لا يحرك المحامي الفاشل ساكناً حول هذا الأمر.

وبدلاً من أن يستغل المحامي الفاشل علاقاته الطيبة مع بعض الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية من أجل محاكمة إسرائيل جراء انتهاكاتها القانونية الفاضحة، يرفض هذا المحامي تفويض حكومات أخرى لأجل القيام بذلك، وكأن الأمر لا يعنيه.

وبدلاً من أن يطالب المحامي الفاشل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتكوين لجنة مستقلة، لدراسة آثار كل انتهاك قانوني دولي تقوم به إسرائيل، لأجل تحديد المسؤولية القانونية الدولية ومن ثم طلب إحالة ذلك إلى المحكمة الجنائية الدولية، يقف محامي القضية عند أعتاب المنظمة الدولية مكتفياً بتنميق الخطابات السياسية المؤدبة لتصدع بها جدرانها.

وفي حين كان يتوجب على المحامي الفاشل أن يستثمر تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن النزاع في غزة، المعروف اختصاراً باسم "تقرير غولدستون"، من أجل إحالة نتائج التقرير الذي اعترف بارتكاب إسرائيل جرائم حرب إبان حربها الأخيرة على غزة، يصرف هذا المحامي نظره إلى الجهة الأخرى، وكأن الخيار الجنائي غير مطروح أصلاً.

وبدلاً من مقاضاة المجرمين الإسرائيليين تحت مبدأ "الاختصاص العالمي" المادة 146 من اتفاقية جنيف الرابعة، عن طريق تحريك مكاتب محاماة في الدول الأوروبية، كونها خرقاً جسيماً لاتفاقية جنيف الرابعة 1949، يرواح القائمون على القضية الفلسطينية مكانهم مكتفين بدعايتهم الإعلامية المقيتة.

واليوم يكرر أولئك الرهط، ضوضاءهم الإعلامية وبهرجهم السياسي ليتغنوا بما يرونه "استحقاقاً أيلولياً جديداً"، قد يستحق القائمون عليه جائزة للغباء القانوني الدولي، لو كانت له جائزة.

إذ من المعروف عند طلاب سنة أولى قانون دولي أن صفة "مراقب" التي تقدمت بها السلطة الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة، لا تضفي أي صفة قانونية على الدولة صاحبة الطلب، فضلاً عن أنه لن يغير كثيراً في الواقع السياسي، بل إنه ليس من المبالغة القول إن رجل الشارع الفلسطيني قد لا يشعر إطلاقاً بأي فرق قبل وبعد التغيير القانوني المطلوب في الأمم المتحدة.

المشكلة الحقيقية تكمن في العقلية الفلسطينية التي تصر على البحث عن حل سياسي لمشكلة قانونية دولية، كالطبيب الذي يريد علاج مريض بالسرطان عن طريق الاكتفاء بحبوب التايلنول.

فمنذ توقيع اتفاقية أوسلو المشؤومة، اقتصر نشاط المحامي الفلسطيني على "استمرار المفاوضات" مع الجانب الإسرائيلي باعتبار أن المسؤول الأول عن هذا الملف في فريق المحاماة الفلسطيني، هو صاحب كتاب "الحياة مفاوضات"، وكأن المفاوضات أصبحت غاية وليست وسيلة لغاية.

ورغم فشل تلك المفاوضات التي استمرت عقدين من الزمان، إلا أن المحامي الفاشل يرفض الاعتراف بفشل الطريق الذي اختاره. فقد كان شعار فريق المحاماة يتمثل في أن "استمرار المفاوضات هو الحل الوحيد للأزمة الفلسطينية". ولكن بعد أن طرح البعض خيار "المقاومة" كبديل لفشل المفاوضات، غيَّر المحامون الفلاسفة شعارهم ليكون "استمرار المفاوضات هو الحل الإستراتيجي الوحيد للأزمة الفلسطينية".

المثير للسخرية هو أن اللاءات العربية الثلاث السابقة، تحولت إلى لاءات إسرائيلية ثمان: لا لحل الدولتين، لا لإيقاف الاستيطان، لا لهدم الجدار العازل، لا للمبادرة العربية، لا لعودة اللاجئين، لا لفك الحصار عن غزة، لا لإنهاء احتلال القدس والضفة الغربية، لا للاعتراف بنتائج الانتخابات الفلسطينية. ومع ازدياد تعنت الجانب الإسرائيلي يزداد المحامي الفلسطيني تعنتاً بتمسكه في استمرار المفاوضات مع الحكومة التي ترفع هذه الشعارات.

الخلاصة التي ينتهي إليها أي مراقب قانوني للقضية الفلسطينية إذاً، هي أن القضية الفلسطينية ليست مجرد قضية ناجحة في يد محام فاشل، كما يردد من يحسن الظن في القائمين على الأمر، ولكن الحقائق تكشف بجلاء أن هذه القضية قضية ناجحة في يد محام متآمر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة