الجيوش والتحول الديمقراطي   
الثلاثاء 1433/5/19 هـ - الموافق 10/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

الانتقال إلى الديمقراطية والتحول الديمقراطي
المسألة المدنية العسكرية ومرحلة الانتقال
العلاقات المدنية العسكرية في مرحلة التحول
الحالات العربية

معالجة العلاقات المدنية العسكرية من الموضوعات المحورية في ثورات الربيع العربي، نظرا لطبيعة المنطقة الجيوإسترتيجية واستهدافها من الخارج، وضعف النخب السياسية المحلية وشخصنة الحياة السياسية والحزبية، ومن ثم تسييس المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال وحتى اليوم، وتعاظم دورها في السياسة والاقتصاد. بجانب أن هناك جيوشا ذات طبيعة طائفية أو قبلية، وهناك علاقات قوية بين قادة بعض هذه الجيوش والدول التي تقدم لها السلاح والتدريب.

كيف أمكن، إذن، معالجة العلاقات المدنية العسكرية في الدول التي شهدت تغييرا نحو الديمقراطية دون الإضرار بالجيوش أو تعريض البلاد لخطر التقسيم في الداخل أو الاستهداف من الخارج؟ وما الدروس التي يمكن الاستفادة منها في الحالات العربية؟

الانتقال إلى الديمقراطية والتحول الديمقراطي
تشير عبارة الانتقال الديمقراطي إلى تحويل السلطة من الحكام المطلقين إلى حكومة ديمقراطية منتخبة، أي اجتياز المسافة الفاصلة (threshold) بين أنظمة الحكم غير الديمقراطي وأنظمة الحكم الديمقراطي. وعادة يتحقق الانتقال بعد انهيار النظام القديم، وتوافق القوى السياسية على اختيار الديمقراطية نظاما للحكم. وهنا لا يتخلص النظام الديمقراطي الوليد من كل المشكلات القديمة ولا يجب أن تفتح كل الملفات مرة واحدة.

في مرحلة تالية تأتي عملية التحول الديمقراطي، وهي عملية ممتدة وقد تشتمل على عمليات مرتدة، وتنتهي (في حالة النجاح) إلى حالة جديدة (ترسيخ النظام الديمقراطي) تختفي فيها إلى حد كبير المخاطر على الديمقراطية. وأثناء عملية التحول الديمقراطي تتصدى القوى السياسية لمعالجة القضايا الشائكة وعلى رأسها العلاقات المدنية العسكرية ومشكلات الهوية والفساد ورفع الوعي وتقوية الأحزاب وغير ذلك.

المسألة المدنية العسكرية ومرحلة الانتقال
يكون تركيز القوى السياسية في هذه المرحلة منصبا (فقط) على إخراج الجيش من السياسة وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة. ولا يوجد طريق واحد لإنجاز هذا، فهناك تحالف القوى المدنية وقيامها بعملية تعبئة وحشد لإخراج العسكريين مع تقديم ضمانات لهم وتقديم عفو عام عن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان. وهناك تحالف القوى المدنية الديمقراطية وقيامها بعقد اتفاق مع الجناح المعتدل داخل الفئة الحاكمة (الأوروغواي وتشيلي في الثمانينيات).

وجود تكتل ديمقراطي حقيقي وتوافقه وتشكيله لتحالف وطني واسع من القوى الرئيسة يعد أمرا محوريا في المراحل الانتقالية

لكن في معظم حالات الانتقال الديمقراطي الناجحة، ظهرت تحالفات مدنية قوية لتقود المراحل الانتقالية بدلا من انفراد فصيل واحد، أي أن وجود تكتل ديمقراطي حقيقي وتوافقه وتشكيله لتحالف وطني واسع من القوى الرئيسة كان أمرا محوريا، حتى أولا: يستطيع أن يتفاوض على انتقال السلطة بإجماع وطني واسع، وثانيا: يكون قادرا على تولي السلطة دون التصادم مع قوى رئيسة أو مع الجيش أو الخارج. حدث هذا الأمر بأشكال متفاوتة في جنوب أفريقيا والفلبين والمكسيك وبولندا وجنوب كوريا وتشيلي والمجر وغيرها.

وفي الحالات التي فشل فيها الانتقال واستمر الجيش في التأثير، كان السبب الرئيس هو انقسام النخب والقوى السياسية وعدم وجود إجماع وطني على إخراج الجيش وعدم وجود بديل وطني يطمئن له الجيش، فالجيش لا ينسحب إذا كان متأكدا أن البديل ضعيف وغير قادر على السيطرة في ظل نظام حزبي منقسم (بنغلاديش وباكستان وفيجي وبورما وتايلند). كما فشلت حالات انتقال أخرى نظرا لتسييس بعض القوى السياسية للجيش أو عقد اتفاقيات غير معلنة معه على حساب منافسيها (باكستان وبنغلاديش وتركيا في الثمانينيات).

العلاقات المدنية العسكرية في مرحلة التحول
مع بداية مرحلة التحول (بعد انتقال السلطة إلى حكومة ديمقراطية منتخبة) يكون على الحكومة الديمقراطية المنتخبة القيام بعدد من المهام للوصول إلى مرحلة ترسيخ الديمقراطية، منها دعم المؤسسات والثقافة والممارسات الديمقراطية والمجتمع المدني والتعليم المدني وتعزيز الاقتصاد الوطني، وحسم العلاقات المدنية العسكرية في الدول التي شهدت دورا محوريا للجيوش. وهذه المسألة الأخيرة (معالجة العلاقات المدنية العسكرية) تتطلب وقتا قد يمتد لسنوات (نحو سبع سنوات بإسبانيا، وأكثر من عقد بالأرجنتين والبرتغال).

ويوجد هنا عدة حقائق وسنن كونية، ربما يجب التذكير بها والاستفادة منها في حالات الربيع العربي:

أولا: لا ينجح قادة التحول في معالجة هذه المسائل في كل الحالات، ففي دراسة أميركية جاء أن من بين 85 حالة انتقال بين العامين 1974 و1999 هناك 30 حالة أدت إلى ديمقراطية حقيقية مقابل 34 حالة عادت فيها البلاد إلى الحكم المطلق، و21 حالة انتقلت فيها البلاد إلى ديمقراطية شكلية. ومن هنا تأتي أهمية الإدارة الصحيحة والمحسوبة لهذه المرحلة.

ثانيا: تتضمن القضايا المختلفة التي تطرح عند معالجة العلاقات المدنية العسكرية موضوعات عدة منها: السيطرة المدنية وعدم خضوع المدنيين لنفوذ العسكريين في تحديد الأولويات والمصلحة القومية، ميزانية الجيش، ولاية المحاكم العسكرية على العسكريين، شفافية الحصول على المعلومات مع ترتيبات للحفاظ على الأسرار العسكرية، الرقابة المدنية (عبر البرلمان) على المؤسسة العسكرية ووضع النشاطات الأخرى للمؤسسة العسكرية تحت سيطرة المدنيين، عدم تسييس القادة العسكريين، وضع ضوابط لتدخل الجيش في التأمين الداخلي، إسناد قرار الحرب للبرلمان، تصديق البرلمان على تعيين كبار القادة، تنظيم شؤون الترقية والتعيين والعلاقات الخارجية للجيش. كما قد يقتضي الأمر دمقرطة الجيش نفسه، أي نشر ثقافة الديمقراطية داخله والقيام بعملية إصلاح مؤسسي شاملة.

ثالثا: كلما كان للجيش الدور الأبرز أثناء المرحلة الانتقالية وسيس الجيش، كان من الصعب معالجة العلاقات المدنية العسكرية. فأي تنازلات (رسمية أو غير رسمية) تقدمها القوى السياسية للجيش في المراحل الانتقالية تؤثر بالسلب على قدرة هذه القوى على التفاوض بعد الانتقال. في البرتغال كانت عملية الانتقال في مجملها بيد الجيش، ولهذا استغرق الأمر سنوات، ولا يزال للجيش بعض المميزات، أما باليونان وفنزويلا وإسبانيا فكانت العملية بيد المدنيين. وفي دول أخرى لعب الجيش دورا محوريا في جميع المراحل (تايلند ونيجيريا).

كلما كان للجيش الدور الأبرز في المرحلة الانتقالية وسيس الجيش، كان من الصعب معالجة العلاقات المدنية العسكرية

رابعا: كلما كانت الحكومة موسعة وتحظى بقبول شعبي واسع، كانت المعالجة أقل صعوبة. بجانب أثر الطريقة التي تمت بها عملية التفاوض مع الجيش: هل قدمت كل الطلبات مرة واحدة (في الأرجنتين قدم كل شيء مرة واحدة فكانت النتيجة التعثر لفترة طويلة)، أم تم الأمر تدريجيا (كما في حالة إسبانيا والبرازيل)؟ وللعامل الخارجي أثره أيضا: هل هناك تهديد خارجي للأمن القومي؟ هل يرتبط الجيش بعلاقات قوية مع دول قوية؟ كما لا بد أن تقترن الرغبة في تحقيق السيطرة المدنية بوجود متخصصين وخبراء مدنيين في الشؤون العسكرية والأمنية.

خامسا: تتأثر المهمة بالسلب أيضا إذا لم تفتح قنوات للحوار والتفاوض بين المدنيين والعسكريين، وينتشر بالتبعية سوء فهم وعدم ثقة متبادلة. ولهذا ففي الحالات الناجحة كان من الأهمية إيجاد آليات يتمكن من خلالها المدنيون من معرفة مطالب العسكريين وأبعاد القضايا الإستراتيجية من جهة، ووسائل يمكن للعسكريين من خلالها معرفة أبجديات النظام الديمقراطي ومتطلبات بناء دولة ديمقراطية حديثة ووضع الجيش داخلها.

بجانب إيجاد طرق لبناء الثقة، منها إشراك العسكريين في مناقشة التشريعات ذات الصلة بالشؤون الأمنية والإستراتيجية، ووضع نظام تثقيف ديمقراطي داخل الجيش، والاعتماد على خريجي العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تجنيد ضباط الاحتياط، ومعاملة العسكريين قضائيا بنفس معاملة المدنيين، والاهتمام بنظام معاشات العسكريين، وغيرها.

سادسا: فشلت عملية الحسم وبقى الجيش في السلطة، بشكل مباشر أو غير مباشر (كما حدث في نيوغينيا وباكستان وبورما وتركيا) لأسباب مختلفة، أهمها أن الجيش كان على درجة عالية من التنظيم والانسجام مقارنة بالأحزاب، ووجود درجة عالية من الانقسام بالنظام الحزبي، وعدم استقرار الحكومات، بجانب خوف الجيش من نقص الميزانيات وتقليص حجمه، أو وجود طموحات شخصية لبعض القادة. وشهدت بعض الحالات قيام الجيش بفرض سيطرته على الحياة السياسية من خلال إنشاء أحزاب تابعة له، أو مد سيطرته على المؤسسات المدنية والقطاع الاقتصادي.

سابعا: لم يمنح الجيش مكانة مميزة في دساتير الدول التي شهدت انتقالا ناجحا، وذلك فيما يتصل بدور الجيش في حماية الدستور على وجه الخصوص. وعموما كلما ارتفعت شرعية الحكومات المنتخبة تضاءلت حاجتها إلى استدعاء الجيوش للحفاظ على الشرعية. ولهذا كانت تقوية المؤسسات والثقافة الديمقراطية في غاية الأهمية.

الحالات العربية
تعدد النماذج هنا، ففي مصر استلم الجيش السلطة وانفرد بإدارة المرحلة الانتقالية ما أدى إلى ارتباك هذا المسار. وذلك على عكس الحالة التونسية التي لم يرغب الجيش فيها بالقيام بأي دور في مرحلة ما بعد سقوط النظام. وفي ليبيا انقسم الجيش وتشكلت كتائب خاضت حربا ضد رأس النظام والكتائب التابعة لها انتهت بإسقاط النظام وانتشار السلاح بين أطراف مختلفة. وفي الحالة السورية استخدم النظام الجيش في قمع الثورة، وبمرور الوقت ظهرت انشقاقات داخل الجيش قد تصل بالحالة السورية إلى الحالة الليبية.

وفي كل حالة تختلف المهام التي على القوى الديمقراطية القيام بها لمعالجة العلاقات المدنية العسكرية تدريجيا يحافظ على وحدة الجيوش وجاهزيتها القتالية، ومن ثم وحدة الدولة نفسها. ففي مصر تتمثل الأولوية في تسليم السلطة لرئيس مدني منتخب وظهور حكومة وحدة وطنية موسعة تقود مرحلة التحول الديمقراطي وتكون قادرة على معالجة المسألة في مدى زمني قد يمتد لسنوات بالنظر إلى الأدوار السياسية والاقتصادية التي تقوم بها المؤسسة العسكرية منذ عقود.

التحدي المطلوب علاجه هو تحريك الجيش نحو استخدام القنوات الشرعية للتأثير على عملية صنع القرار في الشؤون الأمنية والعسكرية بدلا من القنوات غير الشرعية كالانقلابات العسكرية

وفي ليبيا، وربما سوريا، جمع السلاح وتشكيل جيش وطني موحد هي المهمة الأولى التي من دونها لا يمكن تصور استكمال بقية خطوات التحول وإبقاء وحدة الدولة. ولعل الدرس العراقي والأفغاني مفيد لنا هنا.

وفي جميع الحالات، لا يجب تقديم تنازلات تقنن سيطرة الجيش بالدساتير الجديدة، كما يحتاج الأمر قيام القوى المدنية بإيجاد تحالف وطني واسع، ربما يكون في شكل حكومة وحدة وطنية موسعة. وهذه صيغة مجربة تاريخيا في الدول التي شهدت انقساما من نوع ما، بل تم تقنينها والتوافق عليها بين الفرقاء السياسيين في أول حكومة بعد أول انتخابات ديمقراطية في جنوب أفريقيا عام 1994.

هذه الحكومة الوطنية الموسعة تحقق عدة وظائف في التعامل مع التحديات المختلفة، إذ سيسهم الجميع في معالجة الإرث الثقيل للنظام القديم، وستشرف الحكومة على الاستحقاقات السياسية المختلفة كالانتخابات ووضع الدساتير. كما ستوفر بديلا وطنيا يعتمد عليه في قيادة البلاد، يتسم بأنه غير إقصائي وغير منفرد بحسم المسائل الجوهرية. كما يجب إدراك أنه لا يمكن حسم كل أبعاد العلاقات المدنية العسكرية ووضع الجيش في النظام الجديد مرة واحدة، ففتح كل الملفات سيوتر العلاقة وقد يدفع الجيش إلى الانقلاب.

وأخيرا تجب الإشارة إلى أنه عادة لا تكون الجيوش غير مسيسة بنسبة 100%، وإنما حتى في الدول الديمقراطية هناك مساحة شبه سياسية للجيوش، ولكن التحدي المطلوب علاجه هو تحريك الجيش نحو استخدام القنوات الشرعية للتأثير على عملية صنع القرار في الشؤون الأمنية والعسكرية بدلا من القنوات غير الشرعية كالانقلابات العسكرية أو التأثير غير المباشر. وللموضوع بقية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة