"الاتجاه الإسلامي" سلف النهضة.. السياقات والآثار   
الجمعة 1430/6/19 هـ - الموافق 12/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 10:10 (مكة المكرمة)، 7:10 (غرينتش)
راشد الغنوشي


في تاريخ كل بلد محطات فارقة يتكثف فيها التاريخ ويتهيأ لتحولات نوعية تظل تلقي لأمد بعيد بظلالها على جملة الأحداث، ولا تجدي كل محاولات تهميشها بله شطبها جملة.

"
رغم أن الطبيعة الاجتماعية كانت غالبة على الأحداث الكبرى التي عصفت بالبلاد منذ نهاية الستينيات، فإن مرض الزعيم والصراع على خلافته مثلا العامل الرئيس وراء الأحداث التي هزت الدولة
"
وليس من قبيل التبشير المجاني اعتبار الإعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي (سلف النهضة) في 6 يونيو/حزيران1981 الذي يحتفي به النهضويون التونسيون هذه الأيام من هذا القبيل، فلقد ظلت جملة سياسات السلطة وحلفائها منذئذ محكومة أو موجهة على نحو آخر به، فهو، الحاضر الغائب، كابوس يطاردها وتطارده بكل أجهزتها بهدف اقتلاعه من الأذهان وتحييده في الواقع.

وما إن تبدو وكأنها قد تخلصت منه حتى يطل برأسه في شكله المعتاد أو في أشكال أعتى، كما هو باد في السنوات الأخيرة من خلال الصحوة الجديدة العارمة. فما هي السياقات لولادة هذا الحدث وما آثاره؟

1- محليا: انطلقت أوائل السبعينيات دعوة إسلامية إحيائية لإعادة الوصل بين الدين والحياة الحديثة التي صاغها عهد الاستقلال على أنقاض الإسلام أو بمعزل عنه أو توظيفا له.

وجاء التحول من دعوة إحيائية عامة لا تلامس السياسة إلا من بعيد، إلى حركة سياسية، في سياق تحولات كبرى في البلاد، كانت تعبيرا عن أزمة سلطة تشخصنت في زعيم البلاد الحبيب بورقيبة (المجاهد الأكبر، كما أطلق على نفسه).

وكانت شيخوخته قد طالت والأمراض فتّت في عضده، فتمحورت الصراعات حول من سيخلفه؟ ورغم أن الطبيعة الاجتماعية كانت غالبة على الأحداث الكبرى التي عصفت بالبلاد منذ نهاية الستينيات، فإن مرض الزعيم والصراع على خلافته مثلا العامل الرئيس وراء الأحداث التي هزت الدولة، كانتفاضة يناير/كانون الثاني 1978 التي زلزلت الثقة في النموذج التنموي السائد وفي زعامته وما يتصل به من فكر وقيم، وهو ما أدى إلى تداعيات أخرى منها اندلاع العنف في قفصة في يناير/كانون الثاني 1980 على يد مجموعة من شباب تونس المهاجر تلقوا الدعم من جارتي البلد.

ورغم أن وزنهم لم يكن يمثل تهديدا حقيقيا للدولة فإنها بسبب ما تعيشه من شبه فراغ في الزعامة استبد بها الهلع لدرجة استنجادها بالجيش الفرنسي والمغربي، تنفيذا لبند غير مكتوب في وثيقة الاستقلال، بينما المتسللون أفراد معدودون بأسلحة خفيفة.

وفي أجواء من الاضطراب والحيرة وكمخرج من حالة الانسداد طرح الوزير الأول الجديد السيد محمد مزالي مشروعا للإصلاح السياسي تنفيسا للاحتقان، من طريق السماح بتعددية سياسية محدودة، عبر عنها رئيس الدولة في مؤتمر حزبه في التاسع من أبريل/نيسان 1981 "لا يمانع من تأسيس جمعيات سياسية".

2 - قد هيأت لهذا التطور سوابق سياسية وإعلامية وفكرية في البلاد ضغطت من أجل حصوله رغم أن ولادته كانت قيصرية، سفحت فيها دماء غير قليلة.

ومن تلك السوابق ما كان قد حصل منذ بدايات السبعينيات من انشقاق داخل الحزب الحاكم قاده عدد من زعاماته المهمة رفضت انفراد "المجاهد الأكبر" المطلق بالسلطة، وعلى رأسهم السيد أحمد المستيري.

ولم يلبث هؤلاء أن أسسوا النواة الأولى للغراس الديمقراطي في البلاد، فأسسوا الرابطة التونسية لحقوق الإنسان وجريدة الرأي ثم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، ولم تأت نهايات السبعينيات حتى كان بالبلاد قاعدة لمؤسسات مجتمع مدني: جمعيات وأحزاب وصحف، بل مضى الأمر أبعد من ذلك، تطويرا لعلاقات تنسيق بين جماعات المعارضة بتوجهاتها المختلفة: ليبراليين واشتراكيين وشيوعيين وإسلاميين.

حتى إن الحركة الإسلامية كانت تنشر في نهايات السبعينيات بياناتها في جريدة الرأي دون اسم عدا توقيع شيخيها مورو والغنوشي، ما حمل صاحب الجريدة السيد حسيب بن عمار رحمه الله، ضمن تصنيفه للبيانات أن يطلق اسم الاتجاه الإسلامي على بياناتنا، فارتضيناه.

وإنه لمن الإنصاف اعتبار السيد أحمد المستيري أبا شرعيا للمشروع الديمقراطي المجهض في تونس الذي تتلمذ عليه الكثير، منهم الجيل الأول من أبناء الحركة الإسلامية الذين ردوا بعض جميل الأستاذ المستيري، فاستجابوا لندائه لهم وهم في ردهات المحاكم صائفة1981 لدعمه في معركته الانتخابية، فأوعزوا إلى قواعدهم بذلك، ففعلوا، فتحقق له فوز باهر، لولا عودة حليمة إلى عادتها القديمة في التزييف، شاهدة على نفسها بالفشل في أول اختبار.

3- إن كل حديث في تونس عن بدايات الانفتاح الديمقراطي التي طالما تعرضت ولا تزال للإجهاض ما ينبغي أن يقلل من أهمية دور منظمة الشغيلة التي ارتبطت منذ نشأتها بالأحداث الكبرى في البلاد، فاعلا أساسيا فيها، إيجابا أو سلبا، فقد كانت حاضرة في الأحداث الفاصلة. وحيثما ما مالت حسمت. كان دورها مشهودا في بلورة وتعميق فكرة الاستقلال وربطها بالنضال الاجتماعي.

وفي المعركة داخل الحركة الوطنية بين جماعة الديوان السياسي (حزب بورقيبة) وجماعة اللجنة التنفيذية (حزب الثعالبي)، مالت مع الأولى فرجحت كفتها وهمشت الأخرى. وفي المعركة بين ابن يوسف وبورقيبة انحازت إلى الأخير، فسلمته البلاد.

وفي سياق معركتها لانتزاع استقلالها من براثنه خلال السبعينيات التقط المجتمع بعض أنفاسه فنشأت نوى لحياة إعلامية وسياسية وجمعياتية، وأمكن للجامعة أن تحصل على قدر كبير من استقلالها فتخرّج أجيالا مسيسة تسهم في الحد من طغيان الدولة.

"
ما تعرضت له تجربة النهضة ولا تزال من عمليات إجهاض واغتيال، حرم تونس من تجربة ثرية كانت ستتعزز مكانتها في العالم بعد أن غدا الإسلام عنصرا فعالا في السياسات المحلية والدولية على نحو أضحى معه الحكم على نظام يقوّم بمدى ديمقراطيته وديمقراطيته في بلاد العرب والمسلمين تقوم بمدى قدرته على دمج إسلامييه
"
غير أن اتحاد الشغل في خضم معركته مع السلطة في نهاية السبعينيات -وكان زعيمه التاريخي المرحوم الحبيب عاشور في غياهب السجون- استطاعت السلطة أن تنسج مع قيادته اليسارية خيوط تحالف لمواجهة العدو الجديد (الإسلاميين)، أخذت حراب السلطة تتجه نحوه، فتشكل زواج شاذ بالإعلان عن جبهة انتخابية بينهما، بينما كانت الاعتقالات والمحاكمات في صفوف الإسلاميين على أشدها.

وكان ذلك بداية لتحالف قطاع من اليسار ضد الحركة الإسلامية وضد الديمقراطية، أسهم ولا يزال في إجهاضها رغم ما حصل من تطور إيجابي من خلال ولادة حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول في السنوات الأخيرة، فرزا بين يسار مناضل ويسار انتهازي، ظاهرة موجودة في كل التيارات للأسف.

وما استطاعت منظمة الشغيلة أن تنهض من تلك الوهدة، فمهما أمعنت السلطة في القمع ومصادرة الحريات ونهب حقوق الشغالين، أمعنت المنظمة في التذيل رغم سخط وتململ قواعدها، بذريعة مقاومة الأصولية، وما من أصولية في البلاد بل في العالم طرا أقسى وأنكى من أصولية نظام السوق الذي يطيح كل يوم بالملايين في لجج البطالة والفقر والحروب، ويوشك أن يدفع البلاد إلى المزيد من التأزم وحتى إلى هاوية الإفلاس والاضطرابات الاجتماعية العاتية وقد بدأت طلائعها.

وهذا ما حمل قطاعات متزايدة من المواطنين على البحث عن مفر من الجوع ابتغاء لما به يتبلّغون، ولو بالارتماء في لجج البحار أو هروبا إلى البلاد المجاورة، وهو ما تكرر حصوله مع عشائر تونسية عبرت إلى الجوار الجزائري.

والجدير بالملاحظة أن ضرب الحركة الإسلامية جاء عقب ضرب اتحاد الشغل سنة 1986 خطوة ضرورية لفتح الطريق أمام الخطة التي اعتمدتها الدولة أو اضطرت لها 1986، خطة دمج تونس في البوتقة الرأسمالية، فكان لزاما تجريد الجسم الاجتماعي من أقوى أجهزة دفاعاته التي يمكن أن تتصدى لخطة الدمج، اتحاد الشغل والاتجاه الإسلامي.

وافق هذا التطور الجاري في المجتمع توجها صوب تحول ديمقراطي، مع أزمة عميقة وحالة انسداد يعيشها النظام، ما دفعه للإقدام على اتخاذ إجراءات تنفيسية، لم تمس من بنية الدولة التسلطية الشمولية المتمحورة حول زعيمها وحزبها.

توافق ذلك مع وضع داخلي تمر به "الجماعة الإسلامية" متمثلا في انكشاف تنظيمها لأول مرة لدى أجهزة الأمن بما لم يبق معه مبرر لاستمرار الإسرار به وعدم الإعلان عنه للناس سبيلا لتأمينه في الحضن الشعبي، لا سيما والدولة قد فتحت الطريق إلى ذلك، فتمت بلورة مشروع للإعلان عن الحركة وطرحه للحوار مع صفها.

وخلال شهرين أمكن إجراء استفتاء عليه، فحصل على أكثر من ثلثي الأصوات، فانعقد مؤتمر للحركة أقر الإقدام على هذا التحول من جماعة دعوية إلى حركة شاملة ستتطور إلى حزب سياسي بمرجعية إسلامية في نهاية الثمانينيات، تاركة لمجلس الشورى وضع التفاصيل.

وفي صبيحة الخامس من يونيو/حزيران 1981 انعقدت "الهيئة التأسيسية لحركة الاتجاه الإسلامي" (الاسم البديل للجماعة الإسلامية) بمنزل الشيخ المرحوم محمد الصالح النيفر وحضور الشيخ عبد القادر سلامة -وكانا جسر التواصل بين المؤسسة الزيتونية المغتالة وبين الجيل الجديد للحركة الإسلامية- وذلك بمشاركة ثلاثين مندوبا قدموا من أنحاء البلاد. وضمت الهيأة ثلاث نساء. وتم الاتفاق على "البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي".

وفي اليوم الموالي انعقدت بمكتب الأستاذ عبد الفتاح مورو ندوة صحفية تم الإعلان فيها عن ولادة حركة سياسية وعن مكتبها السياسي وهيأتها التأسيسية.

4- ولم يكن هذا التطور للحركة الإسلامية معزولا عن سياق التطورات الجارية بالبلاد مثل انتفاضة 1978 وكذا تنامي الحركة الديمقراطية، ولا عن سياقات التطور في المنطقة العربية والإسلامية، وبالخصوص في مصر بعودة الإخوان المسلمين إلى ساحات العمل.. وكذا اندلاع الثورة الإسلامية في إيران 1979، كان لكل ذلك تأثير غير قليل في تسييس الحركة الإسلامية وتعميق رؤيتها الاجتماعية والسياسية باعتبار الإسلام غدا منظورا إليه ليس مجرد دعوة عامة إلى الصلاح، بل هو أيضا ثورة المستضعفين على الاستكبار الدولي وعملائه المحليين، كما هو ثورة على الفراعين والمتأهلين.

5- آثار الإعلان: لقد كانت للإعلان عن حركة الاتجاه الإسلامي والوثيقة التي صاحبته (البيان التأسيسي) ووقائع الندوة الصحفية، آثار واسعة وعميقة ممتدة في كل الاتجاهات:

أ- لا نكون مغالين إذا اعتبرنا أنه على الصعيد الوطني لا تزال البلاد على نحو أو آخر لم تخرج عن سياقات ذلك الحدث وما قاد له من تداعيات أفضت إلى استدعاء ابن علي وزير الداخلية يومئذ الرئيس الحالي للإنقاذ، إنقاذ المشروع البورقيبي وما ارتبط به من مصالح وعلاقات وثقافة، إنقاذ تأكدت الحاجة إليه وخصوصا بالنظر لنتائج انتخابات 1989 التي بوأت النهضة –حسب اعتراف السلطة- في الأقل زعيمة للمعارضة، بنسبة قاربت 20% النسبة التي قررت السلطة -بعد أن أفاقت من ذهولها واستردت أنفاسها- توزيعها رشى على كيانات لا تحصل مجتمعة حتى على 1%.

لقد ظل ذلك الحدث حتى يومنا هذا العامل الأساسي الحاضر الغائب الموجه لمعظم سياسات السلطة الداخلية والخارجية هروبا من شبح الكابوس النهضوي.

ب- مثل الإعلان على الصعيد الثقافي الحضاري تجسيدا لعودة الإسلام المهمش إلى قلب التاريخ فاعلا في مراكز الحداثة، في المعاهد والجامعات والنقابات ونوادي الثقافة فضلا عن المؤسسات التقليدية.

"
ارتفعت في الميزان الدولي حظوظ دول كالمغرب وتركيا وماليزيا بسبب نجاحها في إشراك إسلامييها في المنتظم الديمقراطي بينما غدت دول مثل تونس ومصر لا تذكر إذا ذكرت إلا في سياق التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان
"
ج- مثل البيان التأسيسي أول وثيقة إسلامية حديثة على صعيد الحركة الإسلامية وبالخصوص في العالم العربي وثيقة تتبنى بوضوح وحسم الخيار الديمقراطي دون تلعثم ولا استثناء ولا تردد، وترفض مطلقا العنف سبيلا للتغيير وتعلن انحيازها للعمال والمستضعفين ولحركات التحرر مثل الكفاح ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا والمناصرة لحقوق النساء، كما أخذت على عاتقها الإسهام في مهام التجديد والاجتهاد.

وعندما تحدى صحفي في ندوة الإعلان، رئيس الحركة لاختبار حدود التعددية في تصوره: ماذا سيكون موقفه لو أن غالبية التونسيين اختارت في انتخابات حرة الحزب الشيوعي؟ لم يتردد رئيس الحركة في التصريح بأنه لن يسعنا غير احترام إرادة الشعب.

كان ذلك الموقف متقدما على صعيد الحركات ذات الخلفية الأيديولوجية، إسلامية وماركسية وقومية على حد سواء، فلا يزال معظمها يتطور في اتجاه تبني ديمقراطية حقيقية أي بلا إقصاء ولا وصاية على الشعب.

وما احتسته النهضة كأسا واحدة، بقبولها ديمقراطية بلا استثناء ظل الآخرون يتجرعونه على دفعات. وكثير منهم لما يبلغ النهاية، ومعظمهم لا يزال متشبثا بحق الوصاية على الشعب، وكل له استثناءاته وشياطينه التي تستحق الإقصاء.

ولا يقتصر الأمر على البعد السياسي للديمقراطية: القبول بالنظام التعددي دون إقصاء وبالمواطنة أساسا للحقوق والواجبات وتداول السلطة سلميا عبر انتخابات تعددية نزيهة.. إنما يتجاوزها إلى الأبعاد الاجتماعية انحيازا إلى مبدأ العدالة الاجتماعية وما يقتضيه من انحياز للمستضعفين وللنقابات المدافعة عن حقوقهم ومناصرة لحقوق النساء وهن القطاع الأوسع من المستضعفين إلى جانب الأطفال.

ولقد ذكرت لي ناشطة إسلامية مغاربية أن أدبيات النهضة المدافعة عن حقوق المرأة مثل كتاب "المرأة بين القرآن والمجتمع" كن يتداولنه سرا، لما حمله من دعوة للمساواة لم تكن يومئذ مستساغة في الوسط الإسلامي في نهاية السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات.

لقد كان لتلك الأدبيات ولا يزال تأثيراتها على الصعيد المحلي وعلى امتداد الإسلام، ولم يحدّ من ذلك التأثير غير ما تعرضت له التجربة ولا تزال من عمليات إجهاض واغتيال، حرم تونس –كما ذكر مرة الزعيم محمد المصمودي- من تجربة ثرية كانت ستتعزز مكانتها في العالم بعد أن غدا الإسلام عنصرا فعالا في السياسات المحلية والدولية على نحو أضحى معه الحكم على نظام يقوّم بمدى ديمقراطيته، وديمقراطيته في بلاد العرب والمسلمين تقوّم بمدى قدرته على دمج إسلامييه.

من هنا ارتفعت في الميزان الدولي حظوظ دول كالمغرب وتركيا وماليزيا بسبب نجاحها في إشراك إسلامييها في المنتظم الديمقراطي بينما غدت دول مثل تونس ومصر لا تذكر إذا ذكرت إلا في سياق التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان (يكفي للتأكد متابعة بسيطة لبرنامج المغرب العربي في الجزيرة).

وخلاصة: واضح لكل متابع للحالة التونسية أن خطتي السلطة في تجفيف منابع التدين واستئصال النهضة قد منيتا بالفشل الذريع، وذلك بالقياس إلى رد فعل المجتمع الحاسم إقبالا على سمت التدين، شهادة على أن هويات الشعوب أصلب وأعمق من كيد الدول.

أما النهضة وهي تحتفي بذكراها الثامنة والعشرين فتسجل اجتيازها بفضل الله امتحان الوجود بنجاح، وفشل ما استهدفت به من مخطط استئصال، وهاهم بنات النهضة وأبناؤها يعودون ليندمجوا -رغم كل المعوقات– في أنسجة مجتمعهم عنصر فعل إصلاحي مطلوب، فتلتحق تونس بركب أمتها المتجه قدما لاستئناف وتصحيح مسار المشروع النهضوي بقيادة الإسلام العظيم... حقيقة ينطق بها كل شيء. فإلى متى تستمر أنظمة في تجاهل حقيقة لم يعد للدول الكبرى ذاتها مناص من الاعتراف بها عنصرا فاعلا؟

إلى متى يستمر تسليم ملف الحركة الإسلامية إلى أجهزة الأمن بدل التناول السياسي والفكري؟

الثابت أن أنصار الإسلام والحرية على سلم صاعد على امتداد العالم وفي مسيرة تتعاظم، وأن خصومهما في حالة اضطراب وتراجع. "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة يوسف 21).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة