قضية العراق.. بوابة استقلال أوروبا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ نبيل شبيب

- من فيتنام إلى العراق
- سياسات الحصار.. وعزلة السياسة الأميركية
- معالم السياسة الأوروبية في قضية العراق

أصبحت قضية العراق منصة بالغة الأهمية لانطلاق الاتحاد الأوروبي في اتجاه استكمال انتزاع سيادة قراره السياسي والأمني من مظلة الهيمنة الأميركية، بعد نجاحه من قبل إلى حد كبير في انتزاع سيادته الاقتصادية والمالية أثناء الحرب الباردة، رغم حاجته الحيوية آنذاك إلى المظلة النووية الأميركية في مواجهة الخطر الشيوعي في الشرق.

من فيتنام إلى العراق
تكشف الأحداث الجارية بالمنظور الدولي إلى قضية العراق، وبغض النظر عن نتائج تلك الأحداث بالنسبة للعراق نفسه والمنطقة العربية والإسلامية حوله، أنها أصبحت مفصلا تاريخيا حاسما في مجرى تطور العلاقات الأوروبية-الأميركية، من مستوى زعامة أميركية يتكيف الأوروبيون معها، إلى مستوى علاقة الأنداد أو تعدد الأقطاب، وسط دائرة أوسع تتميز بجميع المواصفات التقليدية لصراع دولي، في مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي جديد لم تستقر بعد معالمه الرئيسية.


لم يكن التعامل الأوروبي مع قضية العراق هو "الأول" في اتجاه "الاستقلال"، ولكنه يأتي في نهاية حقبة بدأت بعد حرب فيتنام، وتضمنت العديد من الخطوات السابقة، الأصغر حجما والأقل وضوحا
ولم يكن التعامل الأوروبي مع قضية العراق هو "الأول" في اتجاه "الاستقلال"، ولكنه يأتي في نهاية حقبة بدأت بعد حرب فيتنام، وتضمنت العديد من الخطوات السابقة، الأصغر حجما والأقل وضوحا، لكنها تميزت جميعها بثبات الاتجاه من المنطلق الأوروبي، وبالاعتماد على مفعول تراكم النتائج لتحقيق هدف ثابت.

البداية بعد حرب فيتنام تمثل المفصل التاريخي الأول على هذا الطريق، وقد كان في الميدان المالي-الاقتصادي، ولكن ارتكز على معطيات سياسية-أمنية، إذ انطلق من حصيلة كارثة فيتنام الأميركية ثم ثورة الأسعار النفطية قبل أكثر من 30 عاما، فآنذاك بلغت التكاليف المادية على الولايات المتحدة الأميركية درجة مرهقة، دفعت الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى إلغاء اعتماد الدولار في نظام الإقراض المالي في صندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي. آنذاك تحركت الدول الأوروبية الرئيسية بزعامة فرنسية-ألمانية على ثلاثة محاور، (أولها) مالي دولي انبثق عنه الأخذ بنظام حقوق السحب الخاصة في المؤسستين الماليتين وولادة القمة السباعية للدول الصناعية في صورة لقاء تشاوري دوري أصبح "مؤسسة" دولية اقتصادية-سياسية في هذه الأثناء.

و(المحور الثاني) مالي أوروبي، فآنذاك حصلت مسيرة توحيد العملات الأوروبية على قوة دفع حاسمة، أوصلت في نهاية المطاف إلى الوحدة النقدية عام 2000م،

و(المحور الثالث) سياسي دولي من خلال تنشيط سياسة الانفراج نحو الشرق، التي انتهت واقعيا بسقوط المعسكر الشيوعي في الشرق في مطلع التسعينيات من القرن الميلادي العشرين وبدء ما يوصف بالوفاق الدولي، وبالتالي سقطت واقعيا الحاجة الأوروبية إلى مظلة نووية أميركية واقية.

إن التأمل في حجم المتغيرات المترتبة على الأعباء المالية الأميركية في تلك الفترة يسمح بتوقع متغيرات أكبر حجما وأبعد مفعولا نتيجة التراكم الحالي للأعباء المالية لحرب احتلال العراق التي وصلت تكاليفها زهاء خمسة مليارات دولار شهريا وفق آخر التصريحات الرسمية الأميركية، لا سيما أن الظروف الدولية الآن تسمح بتحرك أوروبي أكبر مفعولا، لأسباب عديدة، منها نمو الطاقة الاقتصادية والمالية الأوروبية وبالتالي السياسية، ومنها ارتفاع مستوى الوعي الشعبي في أوروبا مقابل ازدياد "التعصب الديني" الكامن في حركة المحافظين الجدد، وهو أحد العناصر الرئيسية المرفوضة أوروبيا، ومنها أن الرقعة الجغرافية والاقتصادية المتمثلة في العراق وفلسطين وحولها المنطقة العربية والإسلامية، التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية الانفراد بالهيمنة العسكرية وغير العسكرية عليها أكبر بما لا يقارن مع فيتنام ومنطقة الشرق الأقصى من حولها.

سياسات الحصار.. وعزلة السياسة الأميركية
بين حدث فيتنام وحدث العراق شهدت السياسات الأوروبية تجاه الهيمنة الأميركية نهجا ثابتا ارتكز على ثلاثة أجنحة، أولها رفض السياسات الأميركية في ميادين عديدة، والثاني الحفاظ على التحالف الأطلسي القائم تجنبا لمواجهة مبكرة ولانعدام وجود بديل عنه حاليا بالمنظور الغربي المشترك، والثالث تنمية القدرات الأمنية العسكرية الذاتية.

وتضمن رفض السياسات الأميركية ما يرتبط بالتطورات الإقليمية، ووصل إلى مستوى التطورات الدولية الكبرى على المستوى العالمي (الشامل) وعلى مستوى العلاقات بين القوى الدولية الرئيسية في الشريط الشمالي من الكرة الأرضية. وكان من الأمثلة الشاهدة على ثبات "التمرد الأوروبي" على الهيمنة الأميركية في الميادين الإقليمية رفض المضي (بصورة مطلقة) مع سياسات الحصار الأميركية تجاه كوبا وإيران وليبيا، ثم الاختلاف النسبي بين السياسات الأميركية والأوروبية على صعيد قضية فلسطين، ويعود الحذر هنا إلى:

1- محورية الاندماج الصهيو-أميركي في السياسات الأميركية عموما وفي حقبة بوش الابن وسيطرة المحافظين الجدد بخلفيتهم الصهيو-مسيحية، وبالتالي محورية قضية فلسطين التي يمكن أن تؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الأوروبيين أنفسهم، وليس هذا في مصلحتهم في الوقت الحاضر.

2- عامل التأثير النازي التاريخي المستمر في السياسات الأوروبية نفسها.

3- المصلحة الأوروبية الذاتية في ألا تصل التطورات بالمنطقة العربية والإسلامية إلى درجة تنطوي على أخطار ما تجاه القارة الأوروبية، لا سيما في إطار التخوف الكبير من انتشار التوجهات الإسلامية.

في تلك الفترة نفسها تسارعت مساعي الدول الأوروبية الغربية لإيجاد مرتكزات عسكرية وسياسية أمنية ذاتية، يزداد عنصر الاستقلالية فيها وضوحا عاما بعد عام، كما يزداد حجمها مرحلة بعد مرحلة، بدءا بتشكيل الفيلق الفرنسي-الألماني المشترك عام 1991م، وانتهاء (مبدئيا) بتدشين قيادة عسكرية أوروبية خارج نطاق حلف شمال الأطلسي عام 2004م.


يعطي الخلاف العلني المفتوح بين الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية رئيسية في قضية العراق أهمية تتجاوز كثيرا المكاسب الاقتصادية التي يدور الحديث عنها تحت عنوان "كعكة العراق"، إلى أبعاد إستراتيجية
لم تنقطع المعارضة الأميركية الشديدة لتميز أمني أوروبي، ولم ينقطع بالمقابل الإصرار الأوروبي على هذا التميز دون الوصول به في مرحلة بنائه طويلة الأمد، إلى درجة مواجهة مكشوفة مع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يفسر قبول الأوروبيين بتطوير حلف شمال الأطلسي تحت الهيمنة الأميركية، جنبا إلى جنب مع محاولة الحد من استخدامه أداة تنفيذية لها، والعمل على ربط تحركه بقرار من مجلس الأمن الدولي.

على أن المناورات الأوروبية في إطار قيود "موازين القوى" الواقعية، تكتسب بعدها الثابت "إستراتيجيا" أيضا من خلال ما ظهر من افتراق ثابت المعالم على صعيد العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية الأوسع نطاقا وشمولا، كما هو معروف عن إصرار الدول الأوروبية على المضي قدما في المشاركة في عقد سلسلة من الاتفاقات العالمية دون مشاركة أميركية، كما كان في اتفاقيات مكافحة الألغام الأرضية، والمناخ الدولي، ثم المحكمة الجنائية الدولية كأمثلة، مقابل التحرك الانفرادي الأميركي دون أخذ المصالح والاعتراضات الأوروبية بعين الاعتبار، في الميدان العسكري على وجه التخصيص، كما هو معروف عن مشروع الدرع الصاروخي والانسحاب من اتفاقية عام 1972م للحد من التسلح الصاروخي النووي الدفاعي، وبالتالي العمل على إلغاء مفعول "الردع المتبادل" الذي كان هو الأرضية الأساسية للحيلولة دون تحول الحرب الباردة إلى حرب ساخنة طوال 40 عاما، وإعلان ما يسمى الحرب الاستباقية والضربة النووية الأولى بدلا من ذلك.

إن هذا المنظور التاريخي للحقبة القريبة الماضية في العلاقات الأوروبية-الأميركية، يعطي الخلاف العلني المفتوح بين الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبية رئيسية في قضية العراق أهمية تتجاوز بكثير مفعول العوامل الآنية للحدث، أو المكاسب الاقتصادية التي يدور الحديث عنها تحت عنوان "كعكة العراق"، فصناعة القرار في هذا الخلاف تمليها الأبعاد الاستراتيجية بالدرجة الأولى.

معالم السياسة الأوروبية في قضية العراق
في هذا الإطار يمكن أن ننظر بإيجاز إلى معالم التعامل الأوروبي مع قضية العراق والحرص مبكرا على توظيفه في صالح الاستقلال الأوروبي سياسيا وأمنيا:

1- اتخذ الموقف الألماني المعارض للحرب قبل نشوبها صيغة عدم الاستعداد للمشاركة فيها، حتى وإن صدر بشأنها قرار عن مجلس الأمن الدولي، وهو ما أعطى الموقف الألماني فالأوروبي لاحقا صفة موقف مبدئي.

2- صحيح أن عددا من الدول الأوروبية شاركت في الحرب، فانتشر الحديث عن انقسام أوروبي، إلا أن المحور الفرنسي-الألماني، كان وما يزال هو الأثقل وزنا على المستوى الأوروبي، وهذا ما ظهر مجددا للعيان بعد عام من احتلال العراق، لا سيما من خلال الانسحاب الإسباني، والمساعي البريطانية لإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم الأوروبي، وإعلان بولندا أكثر من مرة عزمها على إعادة النظر في مشاركتها العسكرية في العراق، علاوة على تثبيت ما أعلن مع بداية الحرب، بشأن تشكيل قيادة أوروبية جديدة، ما يعتبر خطوة أخرى متقدمة على طريق التميز الأمني العسكري عن الولايات المتحدة الأميركية.

3- لم يكن ينتظر الأوروبيون المعارضون للحرب أن تمنع معارضتهم الولايات المتحدة الأميركية من الإقدام عليها، ولكن يبدو أنهم كانوا يضعون في حسابهم أن معارضتهم العلنية ستسهم في أمرين، أولهما عدم حصول الولايات المتحدة الأميركية على قرار من مجلس الأمن الدولي يعطي للحرب صبغة شرعية، قد يشجع بالتالي دولا أخرى لا سيما الدول العربية، على المشاركة فيها، وثانيهما بقاء العبء المالي الأكبر على الولايات المتحدة الأميركية، على النقيض مما كان في حرب الخليج الثانية.

4- انطلق الأوروبيون من أن احتلال العراق سيؤدي إلى مقاومة تنهك القوات الأميركية، آجلا أو عاجلا، وهذا ما يجعلهم يقولون الآن "إنه ليس من مصلحة العالم الغربي وقوع هزيمة أميركية في العراق".. وهي صياغة تؤكد توقع "هزيمة أميركية"، ولا يعني ذلك وقوع "هزيمة عسكرية" بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما اضطرار واشنطن في النهاية إلى سلوك أحد سبيلين، إما التراجع عن أهدافها السياسية والاقتصادية من وراء الحرب، إقليميا ودوليا بصورة علنية، أو الاضطرار إلى استخدام أساليب حربية تعتمد على التفوق العسكري المطلق لصالحها، وبالتالي وقوع مذابح واسعة النطاق، وفي الحالتين تكون النتيجة إصابة مكانتها العالمية إصابة مباشرة.


الغياب شبه الكامل لسياسة عربية وإسلامية مشتركة وقوية يمكن أن يؤدي إلى أن تتحول المنطقة في المرحلة المقبلة إلى ساحة لتقسيم النفوذ على خريطة نظام عالمي جديد
5- الجدير بالذكر هنا أن الأوروبيين لا يريدون أن يفقد "العالم الغربي" القدرة على التصرف في المنطقة العربية والإسلامية على وجه التخصيص، أي المنطقة التي لا تفترق فيها المصالح الأميركية والأوروبية كثيرا، فالرفض الأوروبي للسياسات الأميركية، يتركز على رفض كونها أصبحت تخدم أغراض الهيمنة الأميركية، خارج نطاق "الهيمنة الغربية المشتركة"، أي على النقيض مما كانت عليه أثناء الحرب الباردة.

6- إذا أسفرت الجهود الأوروبية الحالية عن تحرك أوروبي-أميركي مشترك في العراق والمنطقة، تحت علم الأمم المتحدة بصورة خاصة، فالمطلوب أن يكون ذلك "صيغة نموذجية" للعلاقات المستقبلية في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يكون للاتحاد الأوروبي في زعامته موقع إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، وليس تحت هيمنتها.

يبدو أن قضية العراق أصبحت في المرحلة الراهنة هي المنصة الرئيسية لقفزة نوعية جديدة نحو هذا الهدف، وهذا ما يعنيه الإلحاح على أن يكون للأمم المتحدة دور رئيسي وحقيقي في تقرير مستقبل العراق، وليس في التقرير حول "إعادة إعماره"، جنبا إلى جنب مع ربط تفعيل دور لحلف شمال الأطلسي في العراق، ومن خلاله في المنطقة العربية، كما تريد واشنطن، بدور أكبر للأوروبيين في تحديد صيغة التعامل مع المنطقة في المستقبل المنظور، واستباق مؤتمر إسطنبول القادم للحلف، بطرح التصورات الأوروبية، كما ظهرت خلال منتدى ميونيخ للشؤون الأمنية في مطلع العام 2004م، والتركيز فيها على أن تكون "القوة العسكرية" –وحدها- هي محور التحرك المطلوب.

مما يلفت النظر على هذا الصعيد أن الغياب شبه الكامل لسياسة عربية وإسلامية مشتركة وقوية تقوم على المصالح الذاتية وعلى مصالحة حقيقية بين الأنظمة والشعوب، يمكن أن يؤدي إلى أن تتحول المنطقة في المرحلة المقبلة إلى ساحة لتقسيم النفوذ على خريطة نظام عالمي جديد، دون أن يكون لها دور ولو محدودا للاعتراض، على الأقل، ناهيك عن المشاركة في صياغة المستقبل السياسي والأمني فيها.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني مقيم بألمانيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة