نظام التمثيل.. من الصدام إلى التفاعل   
الخميس 1427/3/1 هـ - الموافق 30/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 20:22 (مكة المكرمة)، 17:22 (غرينتش)


مصطفى المرابط

تساءل الكثيرون وباندهاش، خاصة في أميركا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.. لماذا يكرهوننا؟ فُتح النقاش على نطاق واسع وتعددت التحليلات والأجوبة، إلا أن الجواب الذي يبدو أن الغالبية قد استكانت إليه، بعدما تم ترسيخه وتكريسه من طرف الآلة الإعلامية والسياسية، يفيد أن العرب والمسلمين يغارون من نمط حياة الغرب وأنموذج حضارته!!

والغيرة هذه تنبع من كون هؤلاء المسلمين عجزوا عن اللحاق بالحضارة والخروج من وأداة التخلف. وبغض النظر عن خفة الجواب وسخافته، فإن الارتكان إليه يعفي من إجهاد العقل لفهم ما يحدث ويقطع الطريق أمام كل فكر يسعى للكشف عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التوتر والاحتقان بين الغرب والعالم الإسلامي وكذا فهم التحولات التي يعرفها العالم منذ نهاية نظام ثنائي القطبية.

لقد تملك الكسل الذهني النخب الجديدة (خاصة الإعلامية منها والسياسية)، فصارت تصدر عن روح الاختزال والتبسيط، الشيء الذي جعلها تساهم في تكريس الواقع القائم وتوسيع الهوة بين الشعوب.

إن الجدل الساخن والصاخب الذي تشهده الساحة السياسية والإعلامية والفكرية والذي تلا نشر الرسوم المسيئة للمسلمين، لا تشذ عن هذه القاعدة، بل يمكن اعتباره كاشفا لهذه التبسيطية والتسطيح الفكري لقضايا شائكة ومعقدة ومتداخلة من هذا الحجم.

إن الشرخ الذي أحدثه نشر هذه الرسوم بين العالمين الغربي والإسلامي، والذي جاء لينضاف إلى مجموع الشروخ التي تخترق وتدك أواصر العلاقات بين العالمين وتعمق الهوة التي ما فتئت تتسع جراء تواتر وتراكم أحداث من هذا الحجم، يحتاج إلى وقفات تساؤل وتأمل في طبيعة هذه الهوة وأسباب وجودها، ومحاولة البحث بعد ذلك عن جذور هذه الشروخ لنقف على المصدر أو المصادر الأم التي تنتجها.

"
الوقوف عند أزمة الرسوم الكاريكاتيرية بعينها واعتبارها أصلا وسببا في كل ما حدث وما سيحدث، ليس هروبا إلى الأمام فقط وتورية للأسباب الحقيقية وراء الأزمة، بل يعتبر أيضا تضليلا وابتعادا عن التعاطي السليم مع هذه القضية 
"
إن الوقوف عند أزمة الرسوم الكاريكاتيرية بعينها واعتبارها أصلا وسببا في كل ما حدث وما سيحدث، ليس هروبا إلى الأمام فقط وتورية للأسباب الحقيقية وراء الأزمة، بل يعتبر أيضا تضليلا وابتعادا عن التعاطي السليم مع هذه القضية وسوء تدبير تداعياتها وفشل الحلول والمعالجات المقترحة لها.

لذلك ليس غريبا أن ينحصر النقاش الذي أعقب نشر هذه الرسوم بصفة عامة، في اعتبار القضية صراعا بين العلمانية والدين أو بين حرية التعبير والمقدس أو بين حرية الصحافة والرقابة عليها، وغيرها من الثنائيات الساذجة والجاهزة للاستعمال كلما أتيحت الفرصة لإماطة اللثام عن الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الغرب وبقية العالم بصفة عامة وبينه وبين عالم المسلمين بصفة خاصة.

إن الرسوم الكاريكاتيرية هذه هي نتيجة وليست سببا، وحلقة في سلسلة متصلة من الحلقات تتكرر بين الفينة والأخرى، ولا تختلف عن سابقاتها إلا في أشكال تعبيرها وأنماط تمظهرها. ومن هنا تبدو أهمية الالتفات إلى الأصل عوض الفرع والبحث عن الخيط الناظم لهذه الحلقات والعمل على اكتشاف مصادر إنتاج هذه التمظهرات والتعبيرات.

إن مقاربة هذه القضية في هذا الاتجاه تسمح لنا باقتراح مدخلين نحسبهما مفتاحين يمكنانا من الدخول إلى عمق إشكالية العلاقة بين الغرب والإسلام للنظر في تضاريسها واكتشاف تمفصلاتها، علنا نستجلي المصادر المتحكمة في هذه العلاقة.

المدخل الأول: يرمي هذا المدخل إلى استحضار مناطق التماس بين العالمين، وما أكثرها، للنظر فيها عسى أن تساعدنا على قراءة ما يموج أمامنا. إن مناطق التماس هذه تتميز بكونها دائمة الالتهاب ومصدر توتر ومعاناة. إن تراكم هذه المناطق هو الذي تحكم في رسم خارطة العلاقة بين ضفتي المتوسط، بحيث إن الناظر إليها لا يتبين سواها، وكأنها تمثل القنوات الوحيدة للاتصال والتواصل بين الضفتين.

إن بسط خارطة مناطق التماس هذه، انطلاقا من الاستعمار الحديث وما صاحبه من احتلال ونهب وتدمير، ووصولا إلى بؤر التوتر والاحتقان، ابتداء من القضية الأم: فلسطين ثم العراق وأفغانستان والسودان وإيران وسوريا والشيشان وباكستان وإندونيسيا وغيرها.. يبين بجلاء مدى خطورة الالتهابات وحجم الألم والمعاناة.

لذلك فإن أي أزمة بين العالمين، ومهما كان حجمها، يمكن أن تكون كالشرارة التي تفجر الأوضاع وتؤزم العلاقات أكثر فأكثر. فالمنطقة العربية والإسلامية صارت مثل برميل من البارود قابل للانفجار بأول شرارة تندلع هنا أو هناك، لذلك فإن أي قراءة لوضع من الأوضاع، يمس هذه العلاقة من دون أن نموضعها في إطار هذه الخارطة ومن دون الأخذ بعين الاعتبار مناطق الالتهاب تلك، لن تزيد الوضع إلا تعقيدا وتأزما.

كما أنها تصرف النظر عن المقاربة الصائبة والمعالجة السليمة فتجعلنا نرتبط بظاهر المشكلة، نعالج أعراضها ونتعاطى فقط مع آثارها. من هنا تأتي، حسب رأينا، خطورة التغطيات الإعلاميات والتحليلات السياسية المتسرعة التي واكبت حدث ردود الفعل التي تلت نشر الرسوم الكاريكاتيرية.

فقد عزلت الحدث عن سياقاته العامة واكتفت بقراءته لذاته، معتبرة القضية كلها منحصرة في البعد الديني فقط وما يرتبط به من إشكاليات المقدس وحرمة أو جواز تصوير شخص النبي صلى الله عليه وسلم وتجسيمه، وحرية التعبير والصحافة.

وراحت هذه التغطيات والتحليلات، الغربية بالخصوص، تتساءل باستغراب واندهاش كيف أن رسوما كارتونية أثارت ردود فعل بذلك الحجم وذلك الزخم الكبير؟ والحال أن أي معالجة لتلك الرسوم يجب أن تلتفت إلى الأسباب والدوافع وليس إلى الأعراض والنتائج، فالحدث هذا يصلح لأن يكون قبل كل شيء مؤشرا وكاشفا عن حجم المعاناة وتراكم الإحباط وعمق الاحتقان في العالم العربي والإسلامي.

"
الغرب، بالنسبة لشعوب العالم الإسلامي, هو تجسيد مطلق للظلم والطغيان وازدواجية المعايير، إذ لم تر منه إلا الحديد والنار ولم تعرف منه إلا جانبه العدواني المتمثل في إرساء عوامل الانحطاط والضعف واللااستقرار
"
فالغرب، بالنسبة لشعوب هذه المنطقة، هو تجسيد مطلق للظلم والطغيان وازدواجية المعايير، إذ لم تر منه إلا الحديد والنار ولم تعرف منه إلا جانبه العدواني المتمثل في إرساء عوامل الانحطاط والضعف واللااستقرار، وعمله على تغذيتها وتنميتها وإدامتها.

لذلك فإن أي استفزاز من الغرب للعالم الإسلامي مهما كانت أهميته، صغيرة أو كبيرة، يوقظ هذه المشاعر فتنتصب صورة الغرب في شكلها الذي أثرناه أعلاه.

صحيح أن المظاهرات التي هزت شوارع العواصم العربية والإسلامية على إثر نشر الرسوم الكاريكاتيرية، جاءت لتندد بما لحق المسلمين من إساءات مست مشاعرهم ودينهم ونبيهم، ناهيك عن ما عكسته هذه الرسوم من مظاهر العنصرية والكراهية.

إلا أنه لا يقل صحة كذلك، أن هذه المظاهرات كانت فرصة للتعبير عن غضب هذه الشعوب المتنامي وشجبها اللامحدود لتدخل القوى الكبرى، إن بشكل مباشر أو غير مباشر، في شؤون العرب والمسلمين. وكانت كذلك فرصة لتفريغ إحساس المسلمين بالظلم الذي يجثم على صدورهم بسبب الانتهاكات والحروب المباشرة وغير المباشرة التي تشنها هذه القوى على بلدانهم.

وكانت كذلك فرصة للتعبير عن سخطها وتذمرها من انسداد الآفاق في بلدانها وانعدام الحرية والعدل وحقوق الإنسان والتوزيع العادل للثروات بسبب وقوف هذه القوى نفسها بجانب الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة، دعما وحماية وتثبيتا.

ويكفي أن نلقي نظرة على اللافتات التي تم رفعها في كل المظاهرات لنتأكد من حقيقة هذا الأمر، حيث لم تترك قضية من قضايا العرب والمسلمين إلا وتم إبرازها في الشعارات. كما أن تلك المظاهرات كانت ترتفع حدتها كلما اقتربنا من المناطق الملتهبة و"الساخنة"، فالعنف الذي صبغ بعض هذه المظاهرات اندلع أساسا في المناطق التي هي في خط تماس مباشر مع القوى الكبرى: فلسطين، سوريا، لبنان، إيران، باكستان، إندونيسيا.

لا عجب، إذن، أن تتبين لنا الآن مخاتلة ومكر التساؤل الذي افتتحنا به هذا الموضوع: "لماذا يكرهوننا؟"، فبالإضافة إلى أنه سؤال مضلل، حيث يتعمد قلب الأدوار وتغيير المواقع، بحيث يصبح الجاني ضحية والضحية جانيا، فإنه كذلك سؤال مغلوط.

فالسؤال الذي يتوجب على الغرب أن يطرحه على نفسه هو: "ما الذي فعلناه ليكرهوننا؟". وقبل هذا وذاك، وإن كان ولابد من صياغة سؤال، أليس العرب والمسلمون هم أولى من يحق لهم طرح سؤال: "لماذا يكرهوننا؟".

المدخل الثاني: يرمي هذا المدخل إلى البحث في البنى الذهنية والنفسية لكل من العالمين، للنظر في الترسبات الدينية والثقافية التي تراكمت تاريخيا والتي تتحكم في العلاقة بينهما، عساها أن تسعفنا في فهم طبيعة هذه العلاقة وإمدادنا بالعناصر الأساسية لقراءة هذا الحدث بعيدا عن خطابات الإثارة والتبسيط.

إن هناك دراسات جادة ومعمقة سبقت وأن بحثت ماهية العلاقة التي تربط بين العالمين، وسلطت الضوء بشكل أساسي على طبيعة هذه العلاقة التي تتسم بالتعقيد والتركيب، إذ تتداخل في تشكيلها عناصر متعددة ومتنوعة تمتد من الديني إلى السياسي مرورا بالتاريخي والثقافي والجيوستراتيجي.

فالعلاقة هذه قديمة قدم تاريخ هذين العالمين. تعاقبت على هذه العلاقة كل هذه العوامل طيلة هذا التاريخ لتجعلها تتعالى عن ظروف الزمان والمكان وتصبح أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع، فتشكلت في "المخيال الجمعي" لكل طرف صورة عن الطرف الآخر، ينظر من خلالها كل طرف إلى نفسه وإلى الطرف الآخر، وعبرها يحدد مواقفه وسلوكاته.

فالمخاييل الجمعية هذه لعبت ولا تزال تلعب أدوارا حاسمة في تحديد طبيعة العلاقات بين الحضارات وبين الشعوب، وهي التي تتحكم في بناء التصورات والرؤى تجاه الذات والعالم والآخر، وهو ما يمكن أن نوجزه في ما نسميه بـ"نظام التمثيل".

كثيرة هي الأحداث التي تستعصي على الفهم والتفسير إذا نظر إليها في مستواها الأفقي حيث تربط الأحداث بالأسباب الظاهرة المعقولة، ولن يتأتى فهمها وحل مغازيها إلا باستحضار نظام التمثيل وبرد أسبابها إلى جذورها المتمثلة في الصور المترسبة في قاع المتخيل الجمعي.

فالصور الكاريكاتيرية التي أشعلت فتيل الأزمة بين العالم الغربي والعالم العربي والإسلامي تصلح لأن تكون نموذجا جيدا لتفسير ما نحن بصدده؛ فهي شاشة تنعكس عليها الصور النمطية التي تشكلت عن العرب والمسلمين في المتخيل الغربي.

"
لم تعمل هذه الرسوم إلا على الكشف والإفصاح عما يختزنه اللاوعي الجمعي للحضارة الغربية، فالرسائل التي تحملها هذه الرسوم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد، ولكن يتم من فترة إلى أخرى تحيين وتجديد التعبير عنها، بمضامين واحدة وتعبيرات مختلفة
"
ولم تعمل هذه الرسوم إلا على الكشف والإفصاح عما يختزنه اللاوعي الجمعي لهذه الحضارة، فالرسائل التي تحملها هذه الرسوم ليست الأولى ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد، فقد تم التعبير عنها، وإن بأشكال مختلفة، منذ القرون الوسطى على الأقل، ولكن يتم من فترة إلى أخرى تحيين وتجديد التعبير عنها، فالمضامين واحدة والتعبيرات مختلفة.

إن مثار الاهتمام في هذه الرسوم ليس كونها تجرأت على أفضل خلق الله وأساءت إليه أو جسدت شخصيته (وهو بالمناسبة، أمر يمجه الذوق السليم، ولا يمكن الاستهانة به)، إنما يكمن في الصور النمطية التي تحملها، كربط الإسلام بالعنف والتعصب والحقد والهمجية والانغلاق والشبقية وإلخ, فإن كان الأمر الأول (موضوع الإساءة) هو مسؤولية فردية وعينية، قد ينم عن جهل ولا يعكس سوء نية بالضرورة، فإن الأمر الثاني هو مسؤولية جماعية تعكس حقيقة الصورة المضمرة في المتخيل الغربي، لا ينفع معها عذر أو ادعاء الجهل، فرب عذر أقبح من ذنب كما يقول المثل العربي، وهو ما يستدعي ضرورة انكباب الغرب على تشريح ذاته وإعادة برمجة نظام تمثيله فيما يخص رؤيته وتصوره تجاه الإسلام.

إننا نريد من وراء هذا، التنبيه إلى ضرورة ألا تحجب عنا ردود الفعل التي أعقبت نشر تلك الرسوم أبعاد القضية وأن لا نغفل، في غمرة الاستثارة العاطفية والوجدانية، عمق المشكلة، وضرورة الانتباه إلى جذورها الضاربة في أعماق اللاوعي الجمعي. فمهما يكن حجم الغضب والاستنكار والتنديد الذي عبرت عنه المظاهرات الشعبية، فلا يعدو أن يكون رد فعل، لا يستهدف إلا الشاشة دون أن يمس الصورة، ولا يتعرض إلا للأشكال التعبيرية دون الوصول إلى الرسائل المشفرة.

فالمهم هنا هو كيف يمكن أن نصل إلى مصدر إنتاج الصور؟ وكيف يتم بناؤها؟ وكيف تتم عملية صياغتها وتركيبها قبل أن تنعكس على الشاشة؟ وكيف يشتغل نظام التمثيل في مثل هذه الحالات؟

لا شك أن رد الفعل أسلوب طبيعي وحق مشروع، يعكس حيوية الشعوب ويقظتها في تفاعلها مع قضاياها، ولكنه إذا ظل محكوما بالانفعال فقط (الذي من طبيعته أن يحجب التفكير والفهم)، ولم يتجاوزه إلى الفعل (الذي من طبيعته أن يستدعي السؤال والعقل)، فلن نضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث.

إن هذا الأسلوب قد يساهم في إنهاء الأزمة ولكن لن يقضي على أسبابها، بل قد توظف ردود الفعل هذه، إذا لم تكن محسوبة ولم تقدر حق قدرها، ضد قضايا هذه الجماهير نفسها وتنقلب على أهداف هذا الأسلوب، ناهيك عن أنها تمنع عموم الآخر من مساءلة ذاته ومراجعة مواقفه، خاصة وأن هذا الآخر هو الذي يحدد هذه المعركة: طبيعتها وزمانها ومكانها، ناهيك عن حساباته وتوقعاته التي تسبق ردود الفعل لتقدير حجمها وتداعياتها.

إن الآلة الأيديولوجية الضخمة تقتات على مثل هذه الأزمات فتوظفها لتغذية وإنعاش المخاييل الجمعية بتثبيت نظام التمثيل وتنميته لتكريس الصور النمطية.

فإذا كان البعض يتساءل بكثير من الاندهاش، كيف أن الوعي الإسلامي تمثل أوروبا في بعدها المسيحي وكيف أنه ما زال يتغذى بالذكريات الصليبية فيما يخص علاقته بها، مع أن أوروبا هذه (حسب هذا الرأي دائما) قد قطعت نهائيا مع الرمزية الدينية التي اختفت بصعود وانتصار العقل والأنوار (وهو أمر غير مسلم به ويحتاج إلى إثبات)، فإن هذا البعض تناسى، مع الأسف، أن يتساءل بنفس الاندهاش كيف أن أوروبا هذه، التي أصبغت عليها فضائل العقلانية والأنوار، لا تزال تحبس صورة الإسلام في متخيلها الديني القروسطي ولا تزال تنتج هذه الصور من خلال قاموس ديني استشراقي تغذيه الذاكرة الصليبية.

إن الغرب لم يغادر قرونه الوسطى فيما يخص صورته عن الإسلام، فقد لاحظنا كيف أنه بمجرد ما تندلع أزمة بين العالمين تنطفئ أنوار الغرب ليرتد إلى ظلمات قرونه الوسطى وتكسف عقلانية الحضارة لتستبد بها الأساطير. بكلمة، إن معالم ثقافة القرون الوسطى لا تزال تسكنه وتتحكم في رؤيته لعالم الإسلام، بشكل أو بآخر.

لا أحد ينكر اليوم أن بين الغرب والعالم الإسلامي خللا بنيويا طافحا يمنع أي إمكانية للتواصل والتفاهم، مما يستوجب على أهل النظر من العالمين الانكباب على مدارسة هذا الخلل واكتشاف طبيعته والعمل على تشريحه.

إن العوائق الحائلة بين العالمين كثيرة ومتعددة، إلا أن أخطرها هي العوائق الذهنية والنفسية، فهي التي تشكل الأرضية الصلبة لبناء نظام التمثيل الذي يقوم جدارا عازلا بين العالمين.

فليس هناك جدار أفظع من جدار الفصل والميز بين الثقافات. صحيح أن الإنسانية عرفت في تاريخها أنواعا من الجدران، من الحصون التي تحمي الدول من جيوش العدو، إلى جدار الفصل العنصري في فلسطين مرورا بجدار برلين، جدار الفصل الأيديولوجي. إلا أن كل هذه الجدران كانت تخضع لميزان القوة المادية (العسكرية خاصة) ويتحكم فيها منطق السياسة.

لذلك كان أمر إقامته أو إزالته يعود بالأساس إلى من يملك القوة أو إلى من بيده القرار السياسي. أما الجدار الذهني والنفسي فيخضع لعالم الثقافة بمعناها الشامل، لا يؤثر في مثل هذا الجدار، لا منطق القوة ولا القرار السياسي، فإزالته وهدمه أعقد وأعوص من الأنواع الأخرى، إذ ليست هناك قوة قادرة على إزاحته وهده إلا قوة التربية، وليست هناك سياسة قادرة على إزالته إلا سياسة تربوية مركبة وطويلة المدى، تستهدف الذهن والنفس، الوعي واللاوعي، العقل والمخيال.

لهذه الاعتبارات كلها، لا نميل إلى فكرة المناداة والمطالبة باستصدار تشريعات قانونية تحمي الأديان من الإساءة والتطاول عليها. قد تكون مثل هذه التشريعات خطوة في الحد من الاستفزازات السافرة المباشرة وكذا امتصاص الغضب المتنامي، ولكنها لن تقضي على جذور المشكلة، فهي تعالج الأعراض وتفرض رقابة خارجية (قانونية أو سياسية) ولكنها لا تمس نظام التمثيل ولا تستطيع تحوير الصور النمطية ولن تغير من نمط العلاقة القائمة بين الشعوب والثقافات، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن تقلص من مساحة الخوف والتوجس والحيطة بين العالمين.

بالإضافة إلى أن الاكتفاء باستصدار تشريعات قانونية هو حل مريح يعفينا من سؤال الأسباب وتحمل المسؤوليات المجتمعية إزاء رؤيتنا للذات وللآخر، ولا يعمل إلا على إرجاء المشكلات ومراكمتها.

إن التشريعات القانونية هي سلاح الضعيف الذي لا يملك الثقة والقدرة والأدوات التي تمكنه من تحرير منظومته الدينية والثقافية من الصور النمطية التي سجنت فيها، ومن انتشالها من "ظلمات" اللاوعي إلى "أنوار" الوعي.

إن الرقابة التي يضمنها القانون هي رقابة خارجية، لها سلطة على السلوكات والتعبيرات في المجال العام، فهي سلطة رادعة تقوم على التخويف، أما الرقابة التي تضمنها الثقافة فهي داخلية، لها سلطة على الضمير، إنها سلطة أخلاقية تقوم على مبدأي الاعتراف والاحترام (والاعتراف يتضمن المعرفة، أي لا يحصل الاعتراف إلا بمعرفة الآخر، وعليه ينشأ الاحترام).

ففي الحالة الأولى، حالة رقابة القانون، قد تتحقق غاية عدم المساس بمعتقدات وثقافة المغاير، ولكن يكون دافعه الخوف من القوة أو القانون، أما في الحالة الثانية، حالة رقابة الضمير، فإن تحقيق السلم الاجتماعي والثقافي ينبع من السماحة والإيمان بالحق في الاختلاف.

فالفرق بين الحالتين جلي وواضح، إنه فرق نوعي بين قوة القانون التي تمثل ما يمكن تسميته بالقوة الصلبة (hard power)، وبين قوة الضمير التي تمثل ما يمكن أن نطلق عليه القوة الناعمة (soft power).

ولكل أن يقدر على ماذا سيراهن. فإذا كان التقدير للذات يقوم على عدم الثقة بالنفس وضعف القدرات وانعدام الأدوات، فستكون قوة القانون أسلم وأنسب من قوة الضمير, والعكس صحيح.

يبدو أن هذه الأحداث ما كانت لتأخذ هذا الحجم لو أن هناك بين العالمين فضاءات للثقة المتبادلة ولحسن النوايا. وبما أن هذه الفضاءات قائمة أساسا على الخوف والشك وسوء النوايا بين الطرفين، فإن أي أزمة بينهما، مهما كان شأنها، كبرت أم صغرت، قابلة لأن تأخذ أبعادا خطيرة مثل التي نعيشها.

"
مسألة التعايش والتعارف لن تتم بين ضفتي المتوسط إلا إذا تشكلت بينهما فضاءات من الثقة المتبادلة والاعتراف بالحق في الاختلاف، وهو جهاد طويل النفس وبعيد المدى يحتاج إلى عمل دقيق وعميق
"
إن مسألة التعايش والتعارف لن تتم بين ضفتي المتوسط إلا إذا تشكلت بينهما فضاءات من الثقة المتبادلة والاعتراف بالحق في الاختلاف، وهو جهاد طويل النفس وبعيد المدى، كما أنه يحتاج إلى عمل دقيق وعميق يشتغل أساسا على المخاييل الجمعية، تشريحا وتحليلا، حتى نتمكن من اكتشاف العوائق الدينية والنفسية والإبستمولوجية التي تقف وراء إنتاج الصور النمطية.

فالفضاءات هذه إذن، لا تبنيها التشريعات القانونية أو السياسية، بل تدخل في صميم اختصاص الثقافة والتربية. إن هذه المهمات لا يستطيع أن يقوم بها إلا أهل الفكر والإعلام والفن، وهي الميادين المرتبطة بالثقافة والتربية، والتي نقدر أنها مرشحة أكثر من غيرها لكونها تستهدف المخاييل الجمعية ونظام التمثيل.

فالفكر بمقدوره اكتشاف المخاييل الجمعية وتشريحها ومعرفة خارطتها وكيفية اشتغالها، بالإضافة إلى قدرته على استنطاقها لتكشف عن صورها النمطية. أما الفن، فبفعل خطابه الرمزي والجمالي والمتعدد المستويات، قادر على تأثيث هذه المخاييل وتغذيتها.

أما الإعلام الذي يتموقع بين الفكر والفن، وبحكم قدرته على بناء خطاب يحمل رسائل مشفرة، ويقوم على السرعة والإثارة، فبمقدوره أن يلعب دورا مركزيا في اختراق هذه المخاييل والمساهمة في تغييرها.

إن الميادين الثلاثة هذه قادرة على أن تؤثر في هذه المخاييل سلبا أو إيجابا وأن توجهها في اتجاه الصدام أو التفاعل، لذلك فإن الحكماء من أهل الفكر والفن والإعلام من العالمين مطالبون بتقدير ثقل هذه المسؤولية وجسامتها والعمل على تفكيك الصور النمطية التي تقف وراء النزاعات والصدامات بين العالمين، ثم بعد ذلك العمل على إعادة هندسة المخاييل وفق معالم جديدة في اتجاه إنتاج قيم الاحترام والتعايش والتعاون والتكامل، وهو شرط ضروري لتجاوز منطق الثنائيات المتقابلة، الذات مقابل الآخر، الغرب مقابل الشرق..، وهي ثنائيات قاتلة تقوم كسبب ونتيجة في نفس الوقت، تفسر وتبرر حتمية صدام وصراع الحضارات حسب تنظيرات "جنرالات" الحروب المقدسة الجديدة.

يجب أن نقر أن الأحداث التي فجرتها الرسوم الكاريكاتيرية أكدت مسألة أساسية، تتكرر مع كل أزمة تندلع بين العالم الغربي والعالم العربي والإسلامي، وهي أنها كشفت وجود نظامين للتمثيل، وجود مخيالين مختلفين، يقومان على النفي والنفي المضاد ومؤسسين على الجهل المتبادل.

إن الزوج "الذات"/"الآخر" أو "الشرق"/"الغرب" لا يوجد كوحدات منفصلة وقائمة بذاتها إلا في الأذهان، بمعنى أن مفردات "الذات" أو "الآخر" لا توجد كجوهر ثابت، بل هي مفردات يتم بناؤها وخلقها باستمرار وفق الموقع والسياقات التاريخية.

إن المعركة هي بالأساس، معركة فكرية قبل أن تكون معركة سياسية أو قانونية، سلاحها هو القوة الناعمة (الثقافة والتربية) وساحتها هي نظام التمثيل.
ـــــــــــــ
كاتب مغربي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة