السعر العادل الذي تبحث عنه أوبك   
الأحد 14/8/1426 هـ - الموافق 18/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:10 (مكة المكرمة)، 11:10 (غرينتش)


حسين عبد الله

 

- إشكالية التسعير

- ثلاثة مبادئ لتقدير التسعير

- السعر العادل 50 دولارا

- النفط لا يخضع لقواعد المنافسة

 

انخفض سعر النفط في صورته الاسمية من 2.18 دولار للبرميل إلى 1.80 دولار خلال الفترة بين عامي 1947 و1970، وذلك مع التحول في تقدير عائدات الدول المصدرة للنفط من نظام العائد المقطوع (الثابت) إلى نظام مناصفة الأرباح باستخدام السعر المعلن كأساس لحسابها اعتبارا من 1950.

 

وقد أفلحت أوبك خلال عقد الستينيات في تثبيت أسعار النفط من حيث قيمتها الاسمية، إلا أنها لم تفلح في وقف تدهورها من حيث قيمتها الحقيقية نتيجة لارتفاع الرقم القياسي لأسعار الناتج القومي الإجمالي لمجموعة الدول الصناعية الغربية من 100 إلى 260 خلال الفترة المذكورة.

 

ومع أن الدول المصدرة للنفط، بقيادة المجموعة العربية، تمكنت من تصحيح أسعار النفط جزئيا في ظل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 برفعها من 3 إلى 12 دولارا للبرميل، إلا أن الدول الصناعية الغربية استطاعت أن تمارس قدرا كبيرا من التأثير على آليات السوق، وخاصة في جانب الطلب، وذلك بتنسيق سياساتها النفطية تحت مظلة وكالة الطاقة الدولية (IEA)، ووضع وتنفيذ سياسات صارمة لترشيد استهلاك الطاقة عموما والنفط بصفة خاصة.

 

وكان من نتائج تلك السياسية خفض الاستهلاك العالمي من النفط بنحو 6 ملايين ب/ي (برميل يوميا) خلال الفترة بين عامي 1974 و1985، وتشجيع الاستثمار خارج أوبك، فارتفع هذا الإنتاج بنحو 8 ملايين ب/ي، وهو ما انعكس في إغلاق نصف طاقة أوبك الإنتاجية (من 31 مليون ب/ي عام 1979 إلى 15 مليون ب/ي عام 1985).

 

ومع الضغط سياسيا ودبلوماسيا في مناسبات عديدة، أخذت الأسعار في الانخفاض تدريجيا خلال النصف الأول من الثمانينيات ثم انهارت كما هو معروف من 28 إلى 13 دولارا عام 1986.

 

وقد عادت الأسعار الاسمية لتستقر حول 18 دولارا خلال الفترة بين 1986 و2000 ولكن تلك الأسعار لم تتجاوز في صورتها الحقيقية Price in real terms خمسة دولارات.

 

"
السعر الجديد الذي تبحث عنه أوبك ينبغي أن يضمن توفير استثمارات كافية للبحث عن موارد نفطية تواكب الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي على النفط، كما يحقق عائدا مجزيا للشركات، وتعويضا معقولا للدول المصدرة للنفط
"
إشكالية التسعير

السعر الحقيقي يعبر عن تطور السعر الاسمي عبر فترة زمنية بعد استبعاد ما طرأ عليه خلال تلك الفترة من عوامل التضخم النقدي، أو التغير في سعر صرف الدولار الذي يتخذ أساسا لتسعير النفط.

 

وتعتبر المجموعة الصناعية الغربية أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والإنماء (OECD) الشريك التجاري الرئيسي في مبادلة النفط بالسلع التي تصدرها المجموعة إلى دول أوبك، حيث استوردت المجموعة الغربية عام 2000 نحو71% من واردات العالم النفطية ونفس النسبة من صادرات أوبك.

 

كما أن ما تنفقه دول أوبك من عائداتها النفطية في أسواق المجموعة الصناعية الغربية للحصول على السلع والخدمات أو للاستثمار لا يقل -في تقديرنا- عن تلك النسبة.

 

إن تطور الأسعار في الجانبين يمكن أن يعبر عن أثر التضخم في سعر النفط. وباستبعاد أثر التضخم، واستبعاد أثر تقلبات سعر صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى، يمكن الكشف عن تطور القيمة الحقيقية لأسعار النفط التي تدهورت إلى أقل من ربع ما كانت عليه خلال 1973.

 

وفى محاولة أوبك لاستعادة جانب مما فقدته القيمة الحقيقية للأسعار، عبر فترة تجاوزت 14 عاما، قامت بوضع ما عرف بآلية ضبط الأسعار Price band mechanism التي بدأ تطبيقها في مارس/آذار 2000 ومن مقتضاها تحريك الإنتاج بالزيادة أو الخفض بما يحافظ على أسعار النفط بين حد أدنى وحد أعلى (22 و28 دولارا للبرميل من سلة أوبك)، وهو ما أدى إلى ارتفاع السعر خلال الفترة بين 2000 و2003 إلى نحو 25 دولارا للبرميل في المتوسط.

 

وكما شرحنا في مقالنا المعنون "أسعار النفط.. إلى أين تتجه؟"، كشفت أحداث 2004 عن الأعطاب الجوهرية التي أصابت صناعة النفط وأطلقت سعر سلة أوبك (OPEC Reference Basket ORB) لكي يحلق متجاوزا حد الخمسين دولارا، مما دعا أوبك للتخلي أثناء اجتماعها في أصفهان بإيران يوم 16 مارس/آذار 2005 عن آلية ضبط الأسعار وتكليف أمانتها العامة ولجانها المتخصصة بدراسة سعر جديد، على أساس تجريبي يومي، جنبا إلى جنب مع السعر الاسترشادي لسلة أوبك وذلك تمهيدا للعرض على اجتماع وزاري مقبل، والأرجح أنه سيناقش خلال الاجتماع المحدد له يوم 19 سبتمبر/أيلول الجاري.

 

فما هو السعر الجديد الذي تبحث عنه أوبك ويمكن أن يضمن توفير استثمارات كافية للبحث عن موارد نفطية تواكب الزيادة المتوقعة في الطلب العالمي على النفط، كما يحقق عائدا مجزيا للشركات، وتعويضا معقولا للدول المصدرة للنفط التي هي دول نامية تعيش على مصدر رئيسي واحد للدخل مآله النضوب النهائي ولا يتجدد مهما طال الزمن؟

 

تقدر الاستثمارات اللازمة لتوسيع طاقة إنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط على مدى ربع القرن المقبل بنحو 500 مليار دولار، وذلك لكي تواكب الزيادة المطردة في الطلب العالمي الذي يتوقع أن يرتفع من نحو 83.7 مليون ب/ي عام 2005 إلى ما يزيد على 120 مليون ب/ي بحلول 2025.

 

غير أن الأسعار المتدنية للنفط -في صورتها الحقيقية– لا تشجع على التوسع في الاستثمار. ومن دلائل ذلك أن اعتمادات الإنفاق الرأسمالي لشركات النفط العالمية لم تعد تجاري في نموها الزيادة التي طرأت على تكلفة العثور على النفط، وهو ما أدى إلى تآكل القدرة الإنتاجية الاحتياطية للنفط Spare productive capacity وعجزها عن مواجهة الزيادة غير المسبوقة في الطلب العالمي للنفط التي بلغت خلال عامي 2003 و2004 نحو 4.5 ملايين ب/ي ويتوقع أن ترتفع خلال العام الحالي بنحو 1.6 مليون ب/ي.

 

وفى تقديرنا أن السعر الذي يحقق الغاية المشتركة، معبرا عنها بعائد مجز لاستثمارات الشركات العالمية للنفط، وتعويض الدول المصدرة للنفط عن نضوبه النهائي، ينبغي أن لا يقل في الوقت الحاضر عن 50 دولارا للبرميل، مع تحريره من الضغوط التي تمارسها الدول المستوردة للنفط وخاصة الدول الصناعية الغربية لإبقائه متدنيا.

 

"
مبدأ الزيادة السنوية لمواجهة التضخم ونمو الطلب على النفط ما زال يصلح أساسا لتدرج السعر حفاظا على قيمته الحقيقية
"
ثلاثة مبادئ
لتقدير التسعير

وفيما يلي نوضح المبادئ التي نستند عليها في تقدير هذا السعر، وهى ثلاثة مبادئ سبق إقرارها في اتفاقات نفطية دولية:

 

1- أقرت اتفاقية طهران التي أبرمت بين أوبك وشركات النفط العالمية في مستهل عام 1971 مبدأ ارتفاع الأسعار بمعدل 2.5% سنويا لمواجهة التضخم، كما أقرت مبدأ زيادة 5 سنتات سنويا كعلاوة خاصة باعتبار النفط ثروة ناضبة يتسارع نضوبها بازدياد الطلب عليها مما يجعلها تستحق هذه العلاوة التي تستمد جذورها من القانون الأميركي الذي كان يمنح شركات النفط إعفاء ضرائبيا عرف باسم "مسموح النضوب" Depletion Allowance لتشجيعها على الاستكشاف.

 

وكانت السنتات الخمسة في اتفاقية طهران تعادل 2.5% من سعر النفط الذي كان يتراوح حول دولارين للبرميل، وبذلك يصبح معدل الزيادة السنوية التي اعتمدتها اتفاقية طهران نحو 5% سنويا.

 

ومع أن اتفاقية طهران لم تعد سارية إلا أن مبدأ الزيادة السنوية لمواجهة التضخم ونمو الطلب على النفط ما زال يصلح أساسا لتدرج السعر حفاظا على قيمته الحقيقية.

 

2- كذلك أقرت اتفاقية جنيف الأولى مبدأ تصحيح سعر النفط تبعا لما يطرأ على قيمة الدولار –الذي يستخدم لتسعير النفط- من تغيرات في مواجهة عدد من العملات الرئيسية. وبمقتضاها زيدت الأسعار بنحو 8.5% اعتبارا من 20 يناير/كانون الثاني 1972 عقب صدور قرار تعويم الدولار يوم 15 أغسطس/آب 1971 وما تبعه من تخفيض قيمته رسميا يوم 17 ديسمبر/كانون الأول 1971.

 

3- لما خفضت قيمة الدولار للمرة الثانية يوم 12 فبراير/ شباط 1973 أبرمت اتفاقية جنيف الثانية في يونيو/حزيران 1973 حيث زيدت بمقتضاها الأسعار بنحو 11.9% مع تصحيحها شهريا تبعا لتقلب العملات.

 

هذه هي المبادئ الثلاثة التي ينبغي اعتمادها لتقدير معدل الزيادة السنوية لتدرج السعر الاسمي للنفط حفاظا على قيمته الحقيقية. وحتى بافتراض أن تغيرات قيمة الدولار بالزيادة أو الانخفاض في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى يلغي بعضها بعضا في المدى الطويل، فإن معدل الزيادة السنوية وفقا لمبدأي طهران لا يقل عن 5% سنويا في المتوسط على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وهذا ما نقبله كحد أدنى لمعدل التدرج السنوي للسعر الاسمي.

 

أما بالنسبة لسنة الأساس التي يتخذ السعر فيها كأساس لبداية التدرج فينبغي أن يراعى في اختيارها منطقية السعر وعدالته بالنسبة لكافة الأطراف، وبخاصة الدول المصدرة للنفط التي هي دول نامية وتعتمد على مصدر واحد للدخل، بل هو مصدر طبيعي ناضب وغير متجدد.

 

وفى تقديرنا أن السعر الذي تم تصحيحه في ظل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وهو 11.65 دولارا للبرميل ساريا من أول 1974، يعتبر سعرا عادلا وتعويضا منطقيا للغبن الذي حاق بالدول المصدرة للنفط على مدى ربع القرن (1947-1973).

 

السعر العادل 50 دولارا

بذلك، ومن مقتضى إعمال المبادئ الثلاثة لتقدير معدل الزيادة السنوية في السعر الاسمي (5%) على مدى السنوات الثلاثين الماضية، فإن السعر الاسمي لبرميل من سلة أوبك  ينبغي أن لا يقل في الوقت الحاضر عن 50 دولارا، على أن يتدرج ارتفاعا خلال المستقبل تبعا لما تكشف عنه تطورات العوامل الثلاثة التي يتحدد بمقتضاها معدل الزيادة السنوية للسعر الاسمي، وهى: معدل التضخم، ومعدل النمو السنوي للطلب على النفط، ثم تغيرات قيمة الدولار في مواجهة العملات الرئيسية التي أقرتها اتفاقيتا جنيف.

 

ومن شأن هذا المستوى، الذي نقترحه تحت الظروف العادية وهو 50 دولارا متدرجا في الارتفاع وفقا للعوامل الثلاثة السابق شرحها، أن يحقق لشركات النفط العالمية عائدا مجزيا يشجعها على التوسع في الاستثمارات وتوسيع الطاقة الإنتاجية لمواكبة النمو السريع في الطلب العالمي على النفط، دون أن يُصدَم المستهلكون بصدمات سعرية مفاجئة.

 

ومن ناحية أخرى فإن هذا السعر يضمن لأصحاب الثروة النفطية الناضبة الحصول على نصيب عادل ومستقر من الريع النفطي الذي تقتنصه خزائن الدول الصناعية في صورة ضرائب تصل إلى أكثر من 70% من السعر للمستهلك النهائي.

 

وعلى تلك الدول إذا رغبت في التخفيف عن مواطنيها أن تعيد النظر في تلك الضرائب بالتخفيض وهو ما تستطيع خزائنها أن تتحمله دون صعوبة.

 

"
تسعير سلعة كالنفط تعتبر ثروة طبيعية ناضبة، لا يخضع لنظرية المنافسة الحرة.. وذلك ترشيدا لاستهلاكها وحفاظا عليها من الإهدار والتوسع في استهلاكها في أغراض غير نبيلة
"

النفط لا يخضع
لقواعد المنافسة

هذه هي المقولة الصحيحة التي ينبغي استخدامها للرد على الذين يرددون أن ارتفاع سعر النفط يهدد الاقتصاد العالمي، وهو ما سوف نعالجه بتفصيل أكبر في مقال مقبل.

 

ويكفى هنا أن نؤكد أن تسعير سلعة كالنفط تعتبر ثروة طبيعية ناضبة، لا يخضع لنظرية المنافسة الحرة كما يطالب بذلك بعض أعضاء الكونغرس الأميركي الذين تقدموا مؤخرا بطلب تعديل التشريع الأميركي بحيث يخضع دول أوبك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي لخروجها على قواعد المنافسة.

 

فالسعر في إطار سوق تخضع للمنافسة الحرة يقترب من تكلفة الإنتاج الحدية، أما في حالة الموارد الطبيعية الناضبة، فإن الأمر يختلف إذ يتضمن السعر فوق كلفة الإنتاج قدرا من الريع الاقتصادي، مستقلا عن التكلفة المباشرة، وذلك لتعويض المنتج عن نضوب الثروة الطبيعية التي لا تتجدد مهما طال الزمن.

 

واعترافا بتلك الطبيعة الخاصة بالنفط وغيره من الثروات الناضبة أقرت المادة 20 من أحكام "غات" GATT ومنظمة التجارة العالمية WTO الترخيص لمنتجيها بفرض قيود على إنتاجها وتصديرها على خلاف القاعدة العامة المعمول بها في تلك الأحكام، وذلك ترشيدا لاستهلاكها وحفاظا عليها من الإهدار والتوسع في استهلاكها في أغراض غير نبيلة Non-noble uses في ظل أسعار متدنية لا تعكس قيمتها الحقيقية.

_________________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة