حمامة السلام.. هل تحلق في سماء أفغانستان؟   
الخميس 1428/9/23 هـ - الموافق 4/10/2007 م (آخر تحديث) الساعة 9:59 (مكة المكرمة)، 6:59 (غرينتش)


مطيع الله تائب

الحوار.. إستراتيجية أم تكتيك؟
الحوار طريق شائك
فرص وتوقعات

حمل شهر سبتمبر/أيلول لهذا العام بعض المفاجآت في المشهد السياسي الأفغاني، ففي التاسع من هذا الشهر تساءل الرئيس الأفغاني كرزاي بعفويته الدائمة عن عنوان طالبان، كي يرسل إليها دعوة للحوار.

وجاء الرد سريعا بعد يومين ومختلفا عن المرات السابقة على لسان ناطق طالبان الرسمي قاري يوسف أحمدي، الذي رحب بفكرة الحوار وأكد أن الحركة موجودة بين الشعب ومستعدة للحوار مع حكومة كابل في أي وقت دون شروط مسبقة.

غير أنه عاد بعد يومين من تصريحه المفاجئ فأضاف بندا تعجيزيا هو رحيل القوات الأجنبية من أفغانستان قبل البدء في أي حوار.

ومن الجديد كذلك في المشهد السياسي الأفغاني هذه المرة إعلان الأمم المتحدة لدعم الحوار مع طالبان لأن الأزمة الأفغانية ليس لها حل عسكري، وذلك على لسان توم كوينكز المندوب الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى أفغانستان يوم 22 سبتمبر/أيلول الجاري.

لقد أرسلت هذه التصريحات الصادرة من كابل ومن طالبان ومن الأمم المتحدة إشارات إلى إمكانية بدء حوار بين الطرفين وفتح مسار سياسي لحل الأزمة الأفغانية التي باتت أكثر دموية من أي وقت مضى.

 وهذا الأمر جعل التوقعات تتأرجح بين عدة خيارات في ضوء ما تشهده السياسات الأميركية في المنطقة من اضطراب خصوصا في المستنقع العراقي والملف الإيراني والوضع الأمني في باكستان مؤخرا.

الحوار.. إستراتيجية أم تكتيك؟
"
مع عودة طالبان على وقع التفجيرات والعمليات الانتحارية شبه اليومية، بدأت الدعوات إلى الحوار تطلق بجدية مرة وعلى استحياء مرات أخرى، من الحكومة الأفغانية وأطراف أخرى متورطة في الأزمة الأفغانية
"
كانت الصورة مختلفة قبل ست سنوات، حينما كان الزعماء في كل من واشنطن وكابل يتحدثون عن زوال طالبان بلا رجعة في أعقاب سقوط نظامها، وسط ابتسامات منقوشة بنشوة الانتصار.

لكن اليوم وقد رجعت طالبان على وقع التفجيرات والعمليات الانتحارية شبه اليومية، بدأت الدعوات تطلق إلى الحوار بجدية مرة وعلى استحياء مرات أخرى، من الحكومة الأفغانية وأطراف أخرى متورطة في الأزمة الأفغانية من قريب أو بعيد.

وإذا نظرنا إلى الأرقام الواردة في التقارير الرسمية والدولية عن حجم العنف في أفغانستان طيلة السنوات الماضية نجد تزايدا مخيفا في حجم الضحايا وعدد العمليات وتنوعها وتوسع رقعة العنف الذي يضرب حاليا معظم مناطق الجنوب والشرق وبعض المناطق الأخرى في الغرب والشمال والوسط الأفغاني بما فيها العاصمة كابل.

وتشهد المناطق التي يعيش بها البشتون في الجنوب والشرق وحتى بعض الجيوب في الشمال تحركات عسكرية مختلفة بداية من السيطرة الكاملة على بعض المديريات مثلما هو الحال في ولاية هلمند، ومرورا بسيطرة جزئية على بعض المناطق مثلما هو الحال في معظم الولايات الجنوبية، وانتهاء بحضور عسكري خاطف مثلما هو الحال في معظم ولايات الشرق الأفغاني.

وقد طورت طالبان وبقية المجموعات المعارضة المسلحة أساليبها القتالية وأسلحتها مما جعل السيطرة عليها أمرا صعبا، فمن الهجمات المباشرة بأعداد كبيرة من المقاتلين إلى التفجيرات عن بعد إلى العمليات الانتحارية إلى الاغتيالات وعمليات الخطف.

وكلها أساليب تستخدمها طالبان في قتالها ضد القوات الحكومية وقوات الناتو، مستفيدة من تجارب المقاومة العراقية التي يتم تمريرها عبر حلفائها في القاعدة.

فالحكومة الأفغانية تواجه خطرا أمنيا حقيقيا في الجنوب والشرق، ويبدو واضحا أن القوات الدولية بقيادة الناتو والولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على السيطرة على العنف المتزايد هناك، بل أصبحت هذه القوات سببا من أسباب العنف بقصفها غير الدقيق لأهدافها الذي يسقط الكثير من الضحايا المدنيين، وبالتالي يوسع الهوة الواقعة بين المواطن العادي وبين الحكومة والقوات الدولية التي فشلت في توفير الأمن والرفاهية والديمقراطية، وهي وعود مل الشعب الأفغاني من سماعها.

نواقيس الخطر هذه المرة يقرعها الغرب المتورط في أفغانستان، حيث يتحدث ساسته ومراقبوه عن فشل ذريع للناتو في أفغانستان إذا لم يتحرك الحلف بالطريقة المناسبة للسيطرة على الانفلات الأمني والمقاومة المسلحة المتزايدة في أفغانستان عبر ما يسمى بـ"كسب القلوب والعقول".

وبذلك يمكن تفسير التوجه الغربي للحديث عن حل سلمي واستبعاد الحل العسكري من هذا المنطلق، وهو ما لم يخفه الأمين العام لحلف الناتو هوب شيفر الذي استبعد الحل العسكري في أفغانستان في يناير/كانون الثاني 2007 خلال زيارته للعاصمة الباكستانية إسلام آباد، وربما لا تشكل تصريحات وزير الدفاع البريطاني ديس براون يوم 25 سبتمبر/أيلول الحالي عن ضرورة الحوار مع طالبان آخر حدث في هذه السلسلة.

وما يدعم هذا التوجه هو التورط الأميركي البريطاني في المستنقع العراقي، فبالتالي يصبح الحديث عن مكسب في الملف الأفغاني محاولة لذر الرماد في عيون المنتقدين، كما أن تهدئة الوضع في الجبهة الأفغانية تعطي فرصة أكبر للولايات المتحدة وبريطانيا لاحتواء إيران.

"
التوجه الغربي للحديث عن حل سلمي واستبعاد الحل العسكري في أفغانستان محاولة لذر الرماد في عيون المنتقدين، كما أن تهدئة الوضع في الجبهة الأفغانية تعطي فرصة أكبر للولايات المتحدة وبريطانيا لاحتواء إيران
"
لكن بالنسبة لحكومة الرئيس كرزاي فالحديث عن الحوار مع طالبان أو بقية قادة المعارضة المسلحة من أمثال رئيس الوزراء السابق حكمتيار يعكس حالة من الخلافات بين كرزاي وحلفاء الأمس المتمثلين اليوم في الجبهة القومية التي يرأسها الرئيس السابق برهان الدين رباني وتضم شخصيات وتيارات سياسية مختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وفي ضوء الخلافات المتفاقمة بين البرلمان والحكومة، يصبح الحوار مع طالبان ورقة ضغط بيد الرئيس كرزاي يخيف بها غرماءه السياسيين في البرلمان وخارجه.

فالحوار مع طالبان أو مع حكمتيار رغم كونه قضية مطروحة في أجندة الرئيس كرزاي منذ فترة طويلة فإنه أخذ منعطفا جديدا بعد "جيركا الأمن الإقليمي" وهو مجلس قومي عقد في كابل أوائل أغسطس/آب الماضي وضم أكثر من 700 من الشخصيات العامة وزعماء القبائل من أفغانستان وباكستان وحضره الرئيسان الأفغاني والباكستاني، وتبنى المجلس في بيانه الختامي قضية الحوار مع طالبان وخصص لذلك مجلسا مصغرا.

وفي الجانب الآخر يمكننا قراءة الإشارات الخضراء المتقطعة من طالبان إلى الاستعداد للجلوس على طاولة المفاوضات، على أنها ترتبط بعدة أمور أهمها الحفاظ على مكاسب الأرض وتثبيت الموقف السياسي وانتزاع اعتراف سياسي رسمي ودولي بأنها طرف في نزاع مشروع، خصوصا أنها ترى أن حكومة كرزاي نظرا لحساباتها الداخلية وفشلها الأمني والإداري، وكذلك الناتو خوفا من الفشل العسكري، والولايات المتحدة رغبة في احتواء إيران، قد ترحب بالحوار.

وإلى جانب ذلك هناك سبب آخر خارجي يمكننا في ضوئه قراءة الإشارات الخضراء التي صدرت عن طالبان إلى قبول مبدأ الحوار، وهو ما تشهده باكستان من اضطراب أمني ومواجهات أمنية واسعة النطاق في منطقة القبائل بين المسلحين القبليين ممن يسمون أنفسهم طالبان باكستان وبين الجيش الباكستاني وانهيار الهدنة التي استمرت قرابة 10 أشهر فقط بين الطرفين.

وتتخوف طالبان من أن المواجهات المسلحة في باكستان قد تدفع إسلام آباد إلى القيام بنوع من المقايضة مع كابل وواشنطن وبالتالي تفقد الحركة الدعم الباكستاني العلني والخفي الحالي الذي يلعب دورا كبيرا في عودتها المدوية هذه المرة.

ومع وضع بعض هذه الأجزاء من اللوحة الأفغانية بجانب بعض، يمكننا رؤية الأمور بوضوح أكثر حيث بات الحل السلمي أحد الخيارات المطروحة بالنسبة للحكومة وللناتو ولطالبان لأكثر من غرض.

الحوار طريق شائك
رغم الترحيب الذي قد تجده أي بادرة حوار بين حكومة كرزاي وطالبان في أوساط رسمية أو شعبية فإن الأمر في الواقع لا يبدو سهلا، وقد يكون مسار الحل السلمي طويلا تتخلله صعوبات جمة أهمها الشروط التي يتحدث عنها الطرفان من حين لآخر.

وبالنسبة لحكومة كرزاي والناتو تتركز شروطهما وجهودهما على فصل مسار طالبان عن القاعدة وهو ما يتم ذكره عند استعداد كابل للحوار مع من لا يتعامل مع الإرهابيين في إشارة إلى القاعدة، كما ورد في تصريح كرزاي الأخير في نيويورك يوم 22 سبتمبر/أيلول الحالي عن فصل هذين المسارين.

"
إذا تجاوزت كابل تحديات الحوار مع طالبان فإن التحدي الأكبر يظل هو إصرار طالبان على خروج القوات الأجنبية قبل بدء أي حوار مع كابل، ما لم يكن ذلك مناورة سياسية
"
الحكومة من طرفها ومنذ أربع سنوات أعدت قائمة تتكون من 150 شخصية طالبانية أسمتهم بمن لهم علاقات مع القاعدة وتلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وطالبت باكستان بتسليمهم. وما عدا هذه القائمة فتحت الحكومة باب العفو العام والمصالحة مع طالبان.

ورغم كل هذا ينقل الإعلام أحيانا تصريحات رسمية من كابل تتحدث عن استعدادها للحوار مع قادة طالبان بمن فيهم الملا عمر.

وليس من المستبعد أن تكون كابل وحلفاؤها الأميركيون والناتو يريدون تحقيق نوع من المصالحة الوطنية مع طالبان في الجنوب والشرق لكن بعد إزالة الشخصيات المتشددة التي تحتفظ بعلاقات مع القاعدة من أمثال القائد العسكري العام لطالبان داد الله. وربما كان متوقعا أن مقتل داد الله في مايو/أيار الماضي قد يتيح الفرصة لتحريك المياه الراكدة باتجاه الحوار.

ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسة باستهداف القادة الأساسيين في المجلس الجهادي الذي يقود مقاومة طالبان العسكرية وبالتالي التعامل مع ما يعرف بطالبان المعتدلين، وهو ما تقوم به الحكومة عبر مجلس مصالحة وطنية يرأسه صبغة الله مجددي رئيس مجلس الشيوخ الأفغاني، حيث يسعى هذا المجلس لإقناع معارضين مسلحين بالتخلي عن السلاح مقابل تلبية بعض مطالبهم، غير أن عمله لا يعتبر ناجحا حتى الآن.

ويمكن أن ندرج مغزى دعوة الأمم المتحدة إلى استغلال علاقاتها مع قادة وزعماء قبليين في بدء حوار مع طالبان، في نفس الاتجاه.

هناك مشكلة أخرى تعاني منها الحكومة في تحريك المسار السلمي تتمثل في معارضة جهات أخرى داخل النظام السياسي الأفغاني لذلك، إذ ترى تلك الجهات أن الحوار مع طالبان قد يتم على حساب المكاسب التي حققتها أفغانستان في مرحلة ما بعد طالبان من حريات وتعددية سياسية وبرلمان ودستور، وترى في إشراك طالبان في الحكم خطوة إلى الوراء.

وفي حالة تجاوز الحكومة هذه التحديات سيواجهها التحدي الأكبر وهو إصرار طالبان على خروج القوات الأجنبية قبل بدء أي حوار مع كابل، وهو أمر يبدو تعجيزيا، لأن هذه القوات تعتبر الدعامة الأساسية لبقاء الحكومة واقفة أمام الضغوط العسكرية لطالبان في الجنوب والشرق.

كما أن طالبان ما زالت تصر على تطبيق الشريعة بالطريقة التي تفهمها وهو ما قد يتصادم مع الدستور والحريات التي يكفلها الدستور الأفغاني الجديد.

وتبقى أسئلة أخرى كثيرة تطرح نفسها في حالة تحرك قطار المفاوضات بين الطرفين, هل يتم إشراك طالبان في الحكم على المستوى المحلي والمركزي؟ وهل يتم ذلك عبر تشكيل حزب سياسي أم بهيكلية طالبان الحالية؟ وكيف يتم تمثيلها في البرلمان؟ ولا شك أن المفاوضات في حال بدئها سوف تبحث عن أجوبة لهذه الأسئلة وتفاصيل أخرى كثيرة تتعلق بمستقبل أفغانستان.

فرص وتوقعات
المفاوضات مع طالبان لها سوابق وهذا ما يجعل بعض المحللين يتوقعون نجاح المسار السلمي، فهناك تجربة الاتفاق المؤقت بين القوات البريطانية وطالبان بمديرية موسى قلعه بولاية هلمند العام الماضي الذي خرج الطرفان بموجبه من المنطقة وتم تسليمها إلى زعماء قبليين وأعيان المنطقة، وكذلك تجربة المفاوضات التي أجرتها طالبان مع الوفد الكوري الجنوبي الشهر الماضي أثناء أزمة الرهائن الكوريين.

هذه السوابق إيجابية في ملف الحوار مع طالبان بشكل عام، وفي ضوئها يمكن لهذا المشروع أن يرى النور رغم الصعوبات الموجودة. وفي هذه الحالة يمكن تفسير الشروط التعجيزية بأنها مناورة سياسية لكسب المزيد من النقاط فوق طاولة المفاوضات.

"
بين تأييد الحوار مع طالبان ورفضه يبدو أن فرص السلام ما زالت محدودة في أفغانستان، ولابد لأي مشروع سلام أن يضم جميع الأطراف الأفغانية ولا يترك مجالا لنشوب صراع آخر
"
وعلى نفس الخط التفاؤلي لا يستبعد كثيرون أن التصريحات الغربية وحتى التي جاءت على لسان كرزاي هي تمهيد لإزالة الستار عن مفاوضات سرية تكون قد جرت أساسا بوساطة باكستانية وإنجليزية وأنها لم تأت من فراغ.

وإزاء هذا الموقف المتفائل من المفاوضات مع طالبان، هناك آراء أخرى تذهب إلى عدم جدوى التفاوض مع الحركة في وجود القيادة الحالية التي تتسم بالتشدد وتقاتل عن اقتناع بمبادئها التي لا تقبل التفاوض والحوار.

ويرى هذا الرأي أن الحل يكمن في تقوية النظام ومؤسساته الأمنية ومكافحة الفساد وتقديم خدمات للشعب لاحتواء مشكلة طالبان بدل التفاوض معها والاعتراف بها بعد كل هذه السنين من وصفها بالإرهاب والتخلف ونقض حقوق الإنسان.

وبين التوجهين المؤيد للحوار والرافض له يبدو أن فرص السلام ما زالت محدودة في أفغانستان، ولابد لأي مشروع سلام من أن يضم جميع الأطراف الأفغانية ولا يترك مجالا لنشوب صراع آخر.

وهذا أمر يتطلب الكثير من العمل المشترك داخل أروقة النظام وأطرافه السياسية، وداخل الناتو واللاعبين الإقليميين في المعترك الأفغاني لتجنب الحلول العسكرية التي تعني المزيد من الدماء والكثير من الدمار والعديد من الآلام لهذا الشعب الذي يدفع فاتورة حروب الآخرين منذ ثلاثة عقود.
ـــــــــــــ
كاتب أفغاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة