رسائل أربع لأزمة المخطوفين السبعة   
الأحد 1434/7/24 هـ - الموافق 2/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

نكأت أزمة اختطاف الجنود السبعة جراحا مصرية لم تندمل بعد، أججتها عمليات سابقة مشابهة شملت تصفية واختطاف ضباط وجنود من قوات الجيش والشرطة على السواء ولم تفك طلاسمها حتى اليوم. ويبدو أن الغموض الذي لف عودة المخطوفين سالمين قد أرجأ انحسار الأزمة بعد أن طفقت تنضح برسائل عديدة، تستوقفنا منها في هذا المقام أربع تمس العلاقة بين مؤسسات الدولة كما تطال سبل وآليات إدارتها في زمن الثورة.

الرسالة الأولى
هيمنة المناخ الاستقطابي على أجواء التعاطي مع الأزمة، حيث لم تتحرر ردود أفعال الأطراف المختلفة حيال الأزمة وأساليب تعاملها معها من مثالب الاستقطاب السياسي الحاد، سواء بين الرئيس مرسي وجماعته من جهة وجبهة الإنقاذ الوطني المعارضة من جهة أخرى، أو بين الرئيس مرسي بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة وقائدها العام الفريق أول عبد الفتاح السيسي. الأمر الذي جعل من أزمة المخطوفين حلقة في مسلسل الصراع السياسي الدائر على الساحة المصرية منذ عامين.

المعارضة باشرت مكايدتها السياسية حيال الرئيس والحكومة إذ لم تتورع عن التشكيك في الحادث برمته مدعية أنه مدبر من قبل الرئيس إما لافتعال بطولات أو للإطاحة بالفريق السيسي!

فمنذ بداية الأزمة، باشرت المعارضة مكايدتها السياسية حيال الرئيس والحكومة، إذ لم تتورع عن التشكيك في الحادث برمته مدعية أنه مدبر من قبل الرئيس إما بغرض افتعال بطولات أو للإطاحة بالفريق السيسي.

وحينما عاد الجنود المخطوفون سالمين من دون إراقة دماء، بدأت بعض فصائل المعارضة تتساءل عن ثمن الإفراج عنهم متجاهلين تأثير الحشد العسكري والأمني المكثف، حتى بدت كما لو كانت تتمنى عدم انتهاء الأزمة على هذا النحو حتى لا يسجل الرئيس مرسي نجاحا يزيد من رصيده، أسوة بالشعار الذي رفعه الوفديون ضد عدلي يكن مؤسس حزب الأحرار الدستوريين في العام 1921 وكان مؤداه "بقاء الاحتلال مع سعد زغلول أفضل من الاستقلال على يد عدلي يكن"، وذلك إبان الصراع المحتدم بين الزعيمين الوطنيين على التفاوض مع الإنجليز نيابة عن الشعب بغية استقلال مصر.

وجليا برز افتقاد موقف جبهة الإنقاذ إزاء الأزمة للمسؤولية الوطنية، حينما رفضت دعوة الرئيس مرسي للحوار والتباحث بشأن سبل التعامل مع الأزمة، فرغم أن الرئاسة عقدت عدة اجتماعات خلال أيام الأزمة الستة مع رؤساء الأحزاب ورموز القوي الوطنية، كما رئيس الوزراء ووزراء السياحة والإعلام ومفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر وممثلي الكنائس، لإشراكهم في إدارة الأزمة واطلاعهم على تطورات الموقف وما يتخذ من إجراءات، بررت الجبهة مقاطعتها بما عدته نهجا انتقائيا في التواصل معها من قبل الرئاسة، ولا سيما بعد أن استبعدت وأقصيت عن مناقشة قضايا وقوانين مصيرية ذات آثار بعيدة المدى، مثل قانون الانتخابات وقانون السلطة القضائية، على حد زعمها.

وتحت وطأة التربص الذي يتملكها، اشتمت المعارضة رائحة انقسام في إدارة الدولة المصرية إلى جناحين، أحدهما سياسي يمثله الرئيس مرسي، والآخر عسكري يجسده الفريق أول السيسي. فمنذ اندلاع الأزمة لم تتورع وسائل الإعلام المعارضة عن تسليط الضوء بشكل فج على اختلاف الرجلين بشأن إدارة الأزمة، مبرزة موقفين مغايرين لكل منهما، حيث يطالب الأول بالتريث في العمل العسكري حقنا لدماء المصريين، بينما يصر الثاني على عملية عسكرية تحرر المخطوفين من دون شروط وتعيد للدولة هيبتها.

وربما قرأ معارضون في الاستغاثات التي وجهها الجنود المخطوفون للرئيس كما للفريق، ونداءاتهم الملحة لهما من أجل تحريرهم من خلال الفيديو الذي تم بثه عن المخطوفين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى تأكيدات الرئيس مرسي المتكررة في خطابه صبيحة الإفراج عن المختطفين على وحدة القيادة والتنسيق بين الجيش والرئاسة ونفيه أي انقسام في إدارة الأزمة أو تباين في المواقف، رسائل لا تخلو من تلويح بأن هناك قائدين للبلاد.

وبعد إطلاق سراح المخطوفين، هنأت جماعة الإخوان المسلمين الرئيس مرسي بعودة الجنود وأمعنت في التركيز على كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو ما طوى بين ثناياه إيحاءات بوجود شيء من الحساسية بين الرئيس ووزير الدفاع. وبالتوازي، استمر التحرش الإعلامي بين رئيس حزب الراية السلفي الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل والفريق أول عبد الفتاح السيسي، حيث اعتبر الأول أن الأخير وظف عملية الاختطاف لتعزيز شعبيته ونشر فوات عسكرية كثيفة في سيناء، وهو ادعاء مردود عليه بالطبع في ظل القيود الصارمة التي تفرضها اتفاقية كامب ديفيد على أي وجود عسكري أو تسليحي مصري مكثف وظرفي في الشريطين الحدوديين "ب" و"ج" من شبه الجزيرة.

وبدورهم، هرع معارضو الرئيس يروجون أن اجتراء عناصر جهادية تكفيرية أخرى على القيام بهجمات ضد مواقع أمنية في سيناء إبان الأزمة وبالتزامن مع الحشد الأمني والعسكري المكثف إنما يعود إلى تراخي الرئيس في التعاطي مع خاطفي الجنود السبعة، كيف لا وكان قد أفرج عن عدد كبير من الجهاديين المحكوم عليهم في قضايا سياسية من بينها قضايا إرهاب، وشاع في حينها أن العفو شمل عناصر يشتبه بانضمامها لتنظيم القاعدة، الذي تدعي واشنطن وتل أبيب أنه بدأ يستوطن في سيناء.

ولم يتورع هؤلاء عن اتهام الرئيس مرسي بتوفير غطاء سياسي للجماعات الإرهابية في سيناء عبر إيثار اللين مع خاطفي الجنود، حينما رفض إعطاء القوات المسلحة الضوء الأخضر لتحرير المخطوفين من خلال عملية عسكرية، ومنح الفرصة للجماعات السلفية للتفاوض مع المجموعات الإرهابية. وعزوا موقف الرئيس إلى اتخاذه من الجماعات الجهادية رصيدا إستراتيجيا له في صراعه السياسي مع خصومه، بحيث يستقوي بهم عندما تضيق الدائرة عليه وتهم المعارضة لإسقاطه.

افتقد تناول غالبية وسائل الإعلام للأحداث للمسؤولية الوطنية كما للمهنية والموضوعية، وهو ما أثر سلبا على آليات وجهود إدارة الأزمة

وبدوره، افتقد تناول غالبية وسائل الإعلام للأحداث للمسؤولية الوطنية كما للمهنية والموضوعية، وهو ما أثر سلبا على آليات وجهود إدارة الأزمة. ففي مسعى منها لتوظيف الحدث بغرض النيل من الرئيس وشرعيته وإحداث الوقيعة بينه وبين وزير دفاعه، انبرى الإعلام الموالي للمعارضة يبالغ في تصوير قدرة الخاطفين، كما عمد إلى توظيف الفيديو، الذي تم بثه للجنود المخطوفين على مواقع التواصل الاجتماعي، توخيا منه لزعزعة ثقة الجماهير في مؤسسات الدولة السيادية من رئاسة وجيش وشرطة ومخابرات، بإظهارها كما لو كانت عاجزة عن استعادة المخطوفين وحماية الشعب والذود عن الوطن.

الرسالة الثانية
تتجلى في حالة التخبط والتضارب التي أحاطت بالتصريحات الرسمية بين الجهات السيادية المعنية بالأزمة، إن فيما يخص التفاوض مع المختطفين من عدمه، أو ما يتصل بإعطاء الضوء الأخضر لبدء العملية العسكرية بغية تحرير المختطفين، أو ما يتعلق بالكشف عن الخاطفين ومحاسبتهم.

فبينما سبق لرئاسة الجمهورية أن أعلنت في مستهل الأزمة عن إيفاد أحد مساعدي الرئيس إلى سيناء للتفاوض مع الخاطفين أو شخصيات قريبة منهم، وأكد المتحدث الرسمي باسمها أن شيوخ قبائل سيناء يشاركون في حل أزمة المختطفين ويبذلون جهودا كبيرة ومشكورة في هذا السياق، فوجئ الجميع بنفي المتحدث الرئاسي وغيره من المسؤولين عند انتهاء الأزمة وتنامي انتقادات الكثيرين لتفاوض الدولة مع "الإرهابيين"، قيام الرئاسة بأية مفاوضات أو حتى تفويضها أي شخص للقيام بهذا الأمر سواء من المسؤولين الرسميين أو من بعض رموز وقيادات التيار الإسلامي أو حتى من مشايخ بدو سيناء.

وفيما يتصل بقرار منح الرئيس الإذن للقوات المسلحة بتنفيذ عملية عسكرية لتحرير الرهائن من عدمه، خرجت بعض وسائل الإعلام صباح اليوم السابق لتحرير المخطوفين مؤكدة شروع الجيش في تنفيذ العملية العسكرية مساء نفس اليوم بعد أن حصل وزير الدفاع على إذن من الرئيس مرسي، وهو ما نفاه المتحدث الرسمي باسم الرئاسة. ورغم أن الأمر قد يكون متعمدا في سياق توزيع الأدوار بين الدوائر السيادية ضمن خطة الخداع الإستراتيجي للضغط على الخاطفين، إلا أنه ترك انطباعا لدى البعض بأن هناك تضاربا في المواقف والتصريحات الرسمية بين مؤسسات الدولة إبان إدارة الأزمة.

وفيما يخص كشف الخاطفين ومحاسبتهم، أكد المتحدث باسم القوات المسلحة أن عملية تحرير الجنود كانت هدفا مرحليا بينما هناك مراحل أخرى لتطهير سيناء من الإرهاب ستنفذ تباعا، مشيرا إلى أن هوية الخاطفين معروفة لدى الأجهزة الأمنية بيد أن دواعي استخبارية تستوجب إرجاء الإعلان عنها، في حين أكد مصدر بارز بجهاز "الأمن الوطني" أنه لم يتسن التوصل بعد لهوية الخاطفين، فيما تشير تقارير إلى أنهم مسجلون جنائيا بجرائم اتجار بالمخدرات والسلاح قبل انضمامهم للسلفية الجهادية في العام 2010، وقد سبق اعتقالهم عدة مرات بتهمة الانتماء لتنظيمات إرهابية وتبني أفكار هدامة.

الرسالة الثالثة
تجلت في تكريس انطباعا بغياب دولة القانون واهتزاز هيبة الدولة لم تسفر عودة الجنود المخطوفين عن تبديده، فعلاوة على ما شكله اختطاف الجنود بهذه السهولة من ترسيخ لذلك الانطباع، لعبت عوامل أخرى أدوارا محورية في هذا الصدد، كتعرض مواقع تابعة للشرطة والجيش لهجمات من قبل مجهولين بقذائف الـ"آر. بى. جى"، مرتين متتاليتين بالتزامن مع عملية الاختطاف ورغم الحشود العسكرية والأمنية الهائلة.

وفيما أعلنت الدعوة السلفية وحزب النور إطلاق حملتهما لمحاربة الفكر الجهادي التكفيري في سيناء ووضع خطة متكاملة لتنميتها، أصدرت جماعات سلفية جهادية بسيناء بيانا تؤكد فيه عدم نيتها تسليم أسلحتها التي ادعت أنها موجهة ضد العدو الصهيوني وليس ضد الشعب أو الدولة أو المصريين، كما رفض مشايخ البدو تسليم أسلحتهم الشخصية للسلطات قبل أن تتمكن الأخيرة من تطهير سيناء من الإرهابيين وإعادة الأمن إلى ربوعها.

أعاد مراقبون وناشطون كثر فتح ملف اتفاقية كامب ديفيد وطالبوا الفريق أول السيسي بإبقاء الجيش المصري في سيناء وعدم سحب القوات التي احتشدت لتحرير الجنود المخطوفين حتى لا تتكرر عمليات الخطف

وبينما أكد المتحدث العسكري أن تحرير المخطوفين جاء نتيجة للتعاون بين المخابرات الحربية وشيوخ وقبائل سيناء، بالتوازي مع التحضير للعمل العسكري، أكد المتحدث باسم اتحاد قبائل سيناء أنه لولا تدخل شيوخ القبائل لحل الأزمة لما انتهت إلى هذه النهاية السلمية الناجحة، مشيرا إلى أن أبناء سيناء هم من حددوا أماكن الخاطفين واتصلوا بهم وتوسطوا بينهم وبين السلطات، ولولاهم ما عاد الجنود سالمين.

في غضون ذلك، أعاد مراقبون وناشطون كثر فتح ملف اتفاقية كامب ديفيد وطالبوا الفريق أول عبد الفتاح السيسي، بإبقاء الجيش المصري في سيناء وعدم سحب القوات التي احتشدت لتحرير الجنود المخطوفين حتى لا تتكرر عمليات الخطف ويعم الانفلات الأمني، وإن تطلب الأمر تعديل الملحق الأمني لهذه الاتفاقية المقيتة التي نالت من سيادة الدولة على سيناء.

الرسالة الرابعة
تمثلت في استمرار حصار شبح التدويل لأزمات ومشاكل مصر الثورة، حيث لاحت نذر تدويل أزمة الجنود المخطوفين حينما سرت شائعات عن اجتراء إسرائيل على تقديم عرض بالمساعدة في تحريرهم، بالتزامن مع عرض تقدمت به حركة حماس الفلسطينية لتسوية الأزمة سلميا، وأثناء لقاء عقدته مع عدد من الصحفيين بمقر السفارة الأميركية بالقاهرة إبان الأزمة أعلنت جين هازمان، رئيسة مركز "وودرو ويلسون" وإحدى أبرز المقربين من مراكز صنع السياسات الدفاعية والاستخبارية الأميركية، عن استعداد واشنطن لمساعدة مصر في تحرير المختطفين إذا ما طلبت ذلك، معتبرة أن هزيمة الإرهاب وتنظيم القاعدة في أي مكان يشكل مصلحة عالمية مشتركة.

ورغم أن السلطات المصرية قد أحسنت صنعا برفضها أية عروض من هذا النوع وتأكيدها أن أزمة الجنود المخطوفين شأن مصري خالص بمقدور الدولة المصرية التعامل معه بكفاءة، فإن هذا الموقف الوطني الحاسم قد لا يكون كفيلا وحده بإجهاض المخططات الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى تصوير سيناء للعالم قنبلة موقوتة للإرهاب تهدد أمن المنطقة والعالم، فيما تبدو السلطات المصرية عاجزة وحدها عن نزع فتيلها، الأمر الذي يستوجب دعما خارجيا في هذا المضمار يستتبع بدوره وضع سيناء تحت وصاية أمنية دولية بقيادة أميركية وإسرائيلية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة