الفكر المدني في فقه الشريعة   
الخميس 1437/6/8 هـ - الموافق 17/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)
مهنا الحبيل


إن مراجعة مكتبة الفكر الإسلامي المعاصر اليوم في ظل الأحداث الكبرى التي تعيشها منطقة الشرق الإسلامي، وخاصة بعد حروب الثورة المضادة ونقض الربيع العربي، توصل إلى مستوى الصدمة من حيث ضعفها وقلة عطائها، وعجزها في قضايا التجديد الضرورية ضمن لوازم فقه الشريعة الإسلامية وثوابتها الأصلية.


لقد ذكرنا في دراسات سابقة -تعيد التأصيل للفكر الإسلامي المعاصر بحسب منهجية مدرسة أهل السنة التي حوصرت من نهاية السبعينات في شقيّها الفقهي والفكري- أن أحد اللوازم الكبرى لفقه الشريعة والاستخلاف الإنساني متعلق بمساحة المسكوت عنه في أصول الفقه، والمسكوت عنه يمثل تشريعا في ذاته لتحقيق احتياج الخليقة في تنظيم تشريعاتها المدنية والإنسانية المتعددة المتغيرة بالضرورة في أحوال التطور البشري لأوضاع الإنسانية المادية والحياتية والفكرية.

فكان الإشكال الرئيسي أن الفكر الإسلامي -وخاصة بعد حصار المدرسة السنية من منهج الغلو المتشدد، وإشعال الحروب الشرسة بين المدارس الكلامية- تم جرّه عنوة لفقه لا يقوم أصلا على ثوابت شرعية محددة، إنما على نظرات واجتهادات وفق محدودية فقه هذا الإمام المتقدم أو المستنسِخ لفقهه، أو تحت شروط العهد الجبري الذي حاصره.

وقد أُنهكت عقلية التفكير المسلم، بعد أن صُنّف العالم السني كعالم مرتد أو ضال عن الشريعة، أو به زيغ يُفسد عقيدته، بالتوازي مع قلة تُزكّيها قوة النفوذ المالي والأمني والسياسي في أوقات متفاوتة، فتنشر ثقافتها بناء على قوة النفوذ، وليس على صحة الرأي ومدلولات الفكر الرشيد.

إحدى المقدمات المهمة في مفهوم الفكر المدني في فقه الشريعة وحاضر العالم الإسلامي، تتعلق بأهمية رفض العرف القائل بأن أوقات النوازل والنكبات ومحن الجماعات الإسلامية تقتضي الصمت والترضية، وتأجيل البحث عن قواعد التفكير والنقد الثقافي المتخصص

وفي أجواء هذا الاضطراب عاشت الدعوة الإسلامية المعاصرة التي لها إيجابيات وأخطاء، وحوصرت سياسيا بكل شراسة، فتخندقت في إطار التعبئة الدعوية المنحازة للجماعة، وليس للمجتمع المسلم المعاصر وبنائه التجديدي الثقافي.

وقد سعت -بالتالي- إلى استدعاء هذه المؤلفات القديمة، التي تتحدث عن السياسة الشرعية، وفق معطيات تراها تغيّرت كليا، وكانت حينها ضمن مساحة فتوى مرنة وليست أحكاما قطعية.

وزاد الإشكال، أن تُعطى الرؤى الخاصة لهذا العالم أو ذاك وتلاميذه، مكانة إجماع لم ينعقد أحرى أن تقوم به حجة، لأن فلانا أو علانا من طلبة العلم أو المشايخ ادعاه لرأيه أو جماعته.

وقد شهدت هذه المرحلة في ذات الوقت صعود العالم الجديد، الذي دستر النظم والقوانين، ونظّم حياة الأفراد المدنية والثقافية ومساحة الحريات الشخصية، بعد حرب حيّدت الكنيسة عن النظام السياسي، وإن كانت أبقتها ودعمتها بالضرائب والإسناد السياسي والإعلامي في مهامها التبشيرية وخاصة في العالم الجنوبي.

وهنا تتضح مرحلة الفراغ الشرس الذي أحاط بمسيرة الفكر الإسلامي المعاصر، إنها مرحلة حراك حيوي في مساحة الفكر الإنساني ونظمه القانونية وقاعدته الفلسفية، تقابلها مكتبات تعصر التراث عصرا، لتحديد الحكم التقني التفصيلي منها على الحياة المدنية، ثم تنشره لقاعدتها.

فهل هذا التراث سقيم عاجز مرفوض؟ كلا، ليس هذا هو المقصود، بل هو تراث حي ثري مليء بالكنوز وبقوالب الوعي والاجتهاد المتجدد، فتلك هي طبيعة الشريعة التي أرسلها الله، لأن رسالة الإسلام ختمت البعث السماوي إلى الأرض، لكنّه تراث يحتاج إلى أيقونات وعي في ميدان الفكر المدني والدستوري وما يمكن أن يؤسس عليه.

وثانيا ليس من الملزم اليوم تطبيق نظرياته تطبيقا حرفيا، ولا الوقوف عندها، بل إن جزءا رئيسا من قاعدة التشريع، يوجب تمحيص القاعدة القانونية الفكرية لحاضر العالم الإسلامي اليوم، وليس قبل 100 عام فضلا عن قرون خلت، لأن هذا النوع من الفقه من سماته التجديد وليس التقليد.

المقدمة الثانية في مفهوم الفكر المدني في فقه الشريعة وحاضر العالم الإسلامي، هي أهمية رفض العرف القائل بأن أوقات النوازل والنكبات ومحن الجماعات الإسلامية تقتضي الصمت والترضية، وتأجيل البحث عن قواعد التفكير والنقد الثقافي المتخصص، وصناعة خلاصات الوعي الثقافي للمسلم المعاصر الذي يقوده لخوض التجربة السياسية والحياة المدنية بإدراك جديد، تحت ذريعة بغي الخصوم وعدوانيتهم الشرسة، والتأكيد على أن المطلوب هو تجديد ملاعنة أولئك الخصوم، من أنظمة محلية أو دولية أو جماعات فكرية، وليس نقد التجربة السياسية للإسلاميين، أو البحث عن القواعد الفكرية المُعينة على التأسيس الثقافي الجديد.

إن هذا العرف كارثة من كوارث مرحلة الفكر الإسلامي المعاصر، والأدهى منه العودة إلى الثقافة اليمينة الدينية المتطرفة، التي أقحمت على الفكر الإسلامي، وتركيز جولات الصراع حول الاجتهادات الفقهية، وتشريع ملاعنة أي مخالف في الرأي وحصاره، بحجة أنه طليعة للمشروع الغربي، دون أي مستوى منضبط من تحديد ماهية المشروع الغربي، ومستوى دقة إطلاق الوصف "التغريبي" على كل مخالف بناء على ضحالة فقه بعض الدعاة، أو سيطرة نزعات الصراع الشخصي والمظالم التي تلقوها من تيارات فكرية خارج الإسلاميين.

فتُصبح قضيته الشخصية قضية أمة، وقد لا يُلام هو شخصيا، حين تهيمن عليه نزاعاته اليومية، لكن المصيبة الكبرى تتمثل في حجم انغلاق العقل الإسلامي المعاصر عند هذه المعارك، في حين تُغلق على الخصم الغربي الرسمي، كثير من الأبواب عند إدراك قاعدة الوعي الإسلامي، وتراتبية وأولويات التحرير الفقهي والفكري، وفهم أصول الاستنباط فيما يصح فيه الخلاف، بل وما يجب فيه التشريع من ضرورات الفكر المدني للحياة المعاصرة، فيتجنبون معارك ومساحة صراع واسعة.

وهكذا تبنى لديهم قاعدة الدسترة الفكرية المطلوبة للحياة المدنية في الشريعة، ولا تُقبِل التجربة السياسية القادمة إلا وقد وعوا بالفعل ما لهم وما عليهم، وما يجوز فيه الخلاف وما لا يجب فيه تنفيذ التشريع على الفور، وما هو من لوازم البناء المعاصر للدولة الحديثة، وإن لم يرد لدى المتقدمين، لخلاف النشأة والواقع التاريخي للبشرية مسلمين وغيرهم.

صناعة المجتمع المسلم المعاصر الرشيد وقيم التقدم المدني والحداثة الصناعية والمعرفية التي تنسجم مع الهوية الإسلامية بل تتخذها قاعدة تفكير حضاري، هي صناعة تتخلق فيها بيئات تصنع جيل معرفة وتدفع نحو أفق الإصلاح المدني والسياسي

الأمر الثالث هو مقاربة ما يطرحه التجديد الفكري الإسلامي المعاصر وخط النهضة الثقافية مع مشاريع غربية رسمية حقيقية تطرح ما يسمى بإسلام ديمقراطي أو مسلمون ديمقراطيون مقابل وصف كل من هو غيرهم بالمسلمين المتشددين، فهذا المشروع سواء تعلق الأمر بمن يعمل عليه كرئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، أو منظومة التفكير في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين والمؤسسات الفكرية المساندة والمهتمة بالمشروع، هو مجرد بنية تحتية لتسويغ إخضاع الشرق الإسلامي، لمتطلبات المصالح المادية والجيوسياسية للغرب، وضمان عدم تفاقم الأوضاع المحلية وتمدد عواصف العنف إلى حدوده، جراء غياب الحريات السياسية والشراكة الشعبية، والتي أفاد الغرب الرسمي منها حيث تعامل مع أنظمة الاستبداد بحيوية خلال تغييبها.

ولا يوجد لهذه البنية الثقافية للغرب السياسي أي هدف مساعد لتحقيق العدالة والتقدم المدني لحاضرة العالم الإسلامي، وليس المقصود هنا طعن نوايا كل مثقف يستخدم المصطلح ولا رفض تفكيره بالمجمل، ولكنه فرز فكري وسياسي مهم لهذه الالتباسات. إنهما مشروعان مختلفان بل ومتصادمان.

كيف ذلك؟ إن صناعة المجتمع المسلم المعاصر الرشيد وقيم التقدم المدني والحداثة الصناعية والمعرفية التي تنسجم مع الهوية الإسلامية بل تتخذها قاعدة تفكير حضاري، تتخلق فيها بيئات تصنع جيل معرفة وتدفع نحو أفق الإصلاح المدني والسياسي، وبالتالي تحقق توازنا وممانعة أمام حروب الغرب السياسية والعسكرية الاستهلاكية لحاضر العالم الإسلامي.

وأي صناعة مادية أو سياسية تَنتج عن هذه الثقافة، تعزز روح الممانعة الشعبية في أي مجتمع، وتُحيّد كثيرا من صراعات الجدل التي تنهك الحالة الإسلامية والوطن العربي، وبالتالي تعزّز قوة المجتمع الجديد الذي يسعى لميثاق إنساني تقدمي لصالح الشرق الإسلامي وليس لمصالح الغرب الكبرى. ومن هنا تتضح لنا حقيقة موقف الغرب الرسمي المتطرف من التقدم المدني للمسلمين.

إن هذه المقدمات مهمة جدا قبل استعراض آفاق الشريعة، ومراجعة مواطن الثغرات والفراغات في الفكر الإسلامي المعاصر، وحاجيات الشرق الإسلامي المهمة والعاجلة.

وتلك مهمة لا تشغل عن المعركة الثقافية، بل تساهم في إنجاز موسوعتها الضرورية، لتكون دستورا ثقافيا يخدم تجارب النهضة المدنية للمسلمين عند كل منعطف جديد، فتتجنب نخبهم كوارث ساهم فيها خطاب سياسي عاطفي ساذج، ولم تُنقذه منابر الملاعنة بعد أن دخل لمعركة السياسة الصعبة عاريا من سلاح العقل الرشيد. وسنفصل في المقال القادم أصول الاستدلال للفكر المدني المقصود.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة