صعود الإذاعات اليمينية الأميركية   
الاثنين 1426/1/20 هـ - الموافق 28/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)


علاء بيومي

 

- صعود الإذاعات اليمينية وحجم نفوذها
- أسباب سيطرة اليمين

- تأثير الظاهرة على قضايا المسلمين والعرب

 

ظاهرة صعود الإذاعات اليمينية الأميركية لا تلقى الاهتمام الذي تستحقه في وسائل الإعلام ودوائر البحث العربية على الرغم من تأثيرها المتزايد على الرأي العام الأميركي بصفة عامة، وعلى عدد من أهم القضايا المؤثرة على العلاقة بين أميركا والمسلمين والعرب بصفة خاصة.

 

ويسعى هذا المقال لتسليط الضوء على هذه الظاهرة الهامة عبر الحديث عن نفوذها وأسباب صعودها خلال السنوات الأخيرة وتأثيرها على صورة الإسلام وعلى السياسة الخارجية الأميركية وعلى علاقة الشعب الأميركي بمسلمي وعرب أميركا.

 

صعود الإذاعات اليمينية وحجم نفوذها
تشير استطلاعات الرأي العام الأميركي إلى أن نسبة كبيرة من المحافظين الأميركيين (أكثر من 60 %) شعروا باستمرار على مدى العقد الماضي بأن وسائل الإعلام الأميركية الكبرى مثل شبكات التلفزة الرئيسية وغالبية الجرائد الرئيسية -فيما عدا جريدة وول ستريت جورنال- تقع تحت سيطرة اليسار الأميركي وتروج لأجندته ولمرشحيه في الانتخابات بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

وقد دفع هذا الشعور اليمين الأميركي للبحث عن وسائل إعلام أخرى بديلة حيث ارتبط صعود اليمين كقوة سياسية جماهيرية خلال العقدين الماضيين بصعود مواز في تأثير وسائل الإعلام اليمينية التي تعيش فترة رواج ونفوذ خلال الفترة الحالية بعد أن دخلت وسائل إعلام أميركية ذات توجه محافظ واضح كقناة فوكس نيوز التي أطلقت في عام 1996 ومجلات مثل ويكلي ستاندارد ساحة المنافسة مع وسائل الإعلام الأميركية الكبرى.

 

ولكن النجاح الكبير الذي حققه اليمين الأميركي إعلاميا وقع في محيط إعلامي آخر غير متوقع لدى الكثيرين وبشكل أذهل المراقبين وهو مجال الإذاعة.

 

وذلك من خلال ظاهرة تعرف باسم ظاهرة "برامج الراديو الحوارية"، وهي برامج إذاعية غير إخبارية تعتمد على أسلوب الحوار والجدل كأسلوب أساسي لها، ويتولى مسؤولية إدارة الحوار وتوجيهه خلال هذه البرامج مذيعون غالبا ما تسمى البرامج بأسمائهم مثل "رش ليمبو" و"شون هانيتي" و"مايكل سافاج".

 

وعادة ما يتحول هؤلاء المذيعون خلال برامجهم إلى خطباء أيديولوجيين متحمسين يروجون لأفكارهم ولمعتقداتهم اليمينية بشكل واضح ويتخلون عن وظيفتهم المفترضة كإعلاميين موضوعيين يبحثون عن الحقيقية ويحاولون تقديم وجهات النظر المختلفة، لذا تتسم هذه البرامج في كثير من الأحيان بطابع أيديولوجي قوي وبصدامات صاخبة مع الجماهير ومع التيارات الفكرية المعارضة.

 

وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الإذاعات المخصصة بشكل كلي للأخبار وللبرامج الحوارية زاد من 75 محطة إذاعية في عام 1980 إلى 1400 إذاعة في الوقت الراهن، كما يشير استطلاع أجرته مؤسسة جالوب الأميركية لاستطلاعات الرأي العام في عام 2002 إلى أن 22% من الأميركيين يستمعون لبرامج الإذاعات الحوارية يوميا، كما ينصت 10% من الأميركيين إلى هذه البرامج مرة واحدة كل أسبوع، في حين يستمع 29 % من الأميركيين لهذه البرامج على فترات متفرقة.

 

وتعني هذه الإحصائيات التي وردت في دراسة نشرتها مجلة المصلحة العامة (Public Interest) الأميركية في صيف عام 2004 لأستاذ علوم سياسية أميركي يدعى ويليام ماير، أن البرامج الإذاعية الحوارية تصل إلى ثلثي الشعب الأميركي وأن ثلث الشعب الأميركي حريص على متابعة هذه البرامج بانتظام.

 

فيما يتعلق بسيطرة اليمين على هذه البرامج رصد ماير الإحصاءات الخاصة بأكثر البرامج الإذاعية انتشارا، وتوضح هذه الإحصاءات أن أكثر البرامج انتشارا هي برنامج رش ليمبو ويقدر عدد مستمعيه بحوالي 14.5مليون مستمع، يليه برنامج شون هانيتي الذي يستمع إليه 11.75 مليون مستمع، ثم برنامج المذيعة لورا شلاسينجر ويستمع إليها 5.5 مليون مستمع، والثلاثة من المذيعين المعروفين بتوجههم اليميني المحافظ القوي.

 

كما أن 4 من أكثر البرامج الإذاعية انتشارا هي برامج يمينية محافظة و11 من البرامج العشرين الأولى هي برامج يمينية، في حين أن الليبراليين يكادون يكونون شبه غائبين عن قائمة البرامج الإذاعية الحوارية العشرين الأولى التي يصل عدد المستمعين لأكثرها انتشارا إلى 14.5 مليونا ولأقلها انتشارا إلى 1.25 مليون مستمع، وذلك لأن بقية هذه البرامج إما برامج غير سياسية أو برامج ذات توجه سياسي وسطي أو برامج ذات طبيعة تقدمية لا تصب بصورة مباشرة في صالح التيار الأميركي السياسي الليبرالي.

 

فأكثر البرامج الحوارية التقدمية انتشارا هو برنامج المذيع الأميركي المعروف هاورد سترن الذي يحتل المرتبة الرابعة بين البرامج الإذاعية الحوارية الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة حيث يصل إلى 8.5 مليون مستمع، ولكن برنامج هاورد سترن يتبنى مضمونا وأجندة أخلاقية إباحية يصعب على أي تيار سياسي الارتباط بها.

 

"
البرامج الإذاعية الحوارية تصل إلى ثلثي الشعب الأميركي وثلث الشعب الأميركي حريص على متابعة هذه البرامج بانتظام
"

أسباب سيطرة اليمين
فيما يتعلق بأسباب سيطرة اليمين على الإذاعة يرصد المراقبون عددا من التفسيرات الرائجة لهذه الظاهرة في دوائر الإعلام والسياسية الأميركية، حيث يرى البعض أن اليسار الأميركي يفتقد مذيعين من أصحاب الكاريزما والقدرة على اجتذاب الجماهير مثل رش ليمبو وشون هانيتي وغيرهم من مذيعي اليمين المعروفين.

 

ويرى آخرون أن السبب الحقيقي يرتبط بنظرة اليمين الأميركي للعالم وللقضايا السياسية التي عادة ما تركز على المصلحة الوطنية الأميركية بشكل أناني أحيانا كما تركز على قضايا داخلية واضحة ومحددة لدى المواطن الأميركي.

 

كما أن رؤية المحافظين للأمور عادة ما تتميز بالحدة ورفض وجهة نظر الآخر وتفضل النظر للأحداث من زاوية أحادية الجانب إلى حد ما، في حين أن رؤية اليسار الأميركي قائمة على التعددية ورفض فكرة النظر للعالم من خلال لونين فقط هما الأبيض والأسود.

 

فاليسار أكثر رغبة في النظر للأمور والقضايا السياسية من زوايا وبدرجات مختلفة، وهو ما قد يمثل تحديا إعلاميا لأن المستمعين أو العامة غالبا ما يفضلون النظر للأمور بشكل أحادي مبسط، مما يضعف قدرة الليبراليين على اجتذاب المستمع الأميركي العادي.

 

فريق ثالث يرى أن اليمين يسيطر على الإذاعات الأميركية بسبب امتلاك الشركات الكبرى لهذه الإذاعات ولأن الشركات الكبرى مملوكة لأثرياء يمينيين، ويرى ويليام ماير أن هذا التفسير ضعيف لأن فكرة سيطرة اليمين على وسائل الإعلام الأميركية تعجز عن تفسير ترويج غالبية شبكات التلفزيون والجرائد الأميركية الكبرى لأجندات ليبرالية، ويرى ماير أن رأس المال وأصحاب الشركات الكبرى عادة ما يتبعون أذواق الجماهير وتفضيلاتهم وليس العكس.

 

هناك فريق رابع يرى أن اليمين الأميركي يتميز بالوحدة والتجانس العرقي والديني مقارنة باليسار الذي يسعى لتمثيل الأقليات والجماعات الدينية والعرقية والأيديولوجية الجديدة والمختلفة.

 

ويرى هؤلاء أن تعددية اليسار هي أحد أسباب ضعفه لأنها تشتت موارده، إذ أن الأفارقة الأميركيين على سبيل المثال الذين تصوت غالبيتهم بشكل منتظم لمرشحي الحزب الديمقراطي عادة ما يفضلون إنشاء ومشاهدة برامج ومحاطات إذاعية خاصة بهم، لأنهم يشعرون في العادة بأن البرامج الإذاعية الليبرالية اليسارية لا تمثلهم بشكل كاف إذا لم يكن فيها عدد كبير من المنتجين والمقدمين الأفارقة، وعادة ما يعبر اللاتينيون الأميركيون عن مشاعر مشابهة ويفضلون مشاهدة برامج تتحدث بلغتهم القومية.

 

كما يعتقد البعض أن الإعلام اليميني في صعود لأن أميركا بطبيعتها هي بلد محافظ وأن أعداد من يشعرون بالانتماء للأيديولوجية المحافظة بشكل مستمر وقوي هم أكثر من الليبراليين.

 

"
لعبت وسائل الإعلام اليمينية دورا مثيرا للقلق في تأييدها الصاخب للحرب على العراق ولسياسات بوش تجاه العالمين العربي والإسلامي وللتيارات المنادية باعتبار الإسلام عدوا جديدا للولايات المتحدة
"

وعادة ما يستشهد أنصار اليمين الأميركي خلال الشهور الأخيرة بكتاب جديد أصدره مراسلا مجلة ذا إيكونوميست البريطانية في واشنطن وهما إدريان ولدريدج وجون ميكلثويت في صيف العام الماضي بعنوان "أمة اليمين: قوة المحافظين في أميركا" وهو يروج لفكرة أن أميركا مقارنة بأوربا والدول الغربية هي أمة يمينية محافظة.

 

نظرية أخيرة ترى أن اليمين اتجه للسيطرة على الإذاعة لشعوره بسيطرة شبكات التلفزيون والجرائد الأميركية الكبرى على الساحة الإعلامية مما دفعه للبحث عن بديل مختلف.

 

ويرى هؤلاء أن اليسار لا يسيطر على الإذاعات الأميركية لأنه ليس في حاجة إليها، ومن الواضح أن هذه النظرية تتبنى وجهة نظر اليمين تجاه الصراع القائم بينه وبين اليسار على السيطرة على وسائل الإعلام الأميركية كما أنها تقلل من حجم الأزمة التي يشعر بها اليسار الأميركي بسبب خسارته لمعركة السيطرة على البرامج الإذاعية الحوارية متزايدة الأهمية.

 

تأثير الظاهرة على قضايا المسلمين والعرب
بغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء صعود الإذاعات اليمينية ودورها في تشكيل الرأي العام الأميركي ينبغي علينا الانتباه إلى حقيقة هامة وهي أن هذه الظاهرة باتت مؤثرة على قضايا المسلمين والعرب في أميركا على مستويات ثلاثة هامة ومترابطة.

 

المستوى الأول هو مستوى صورة المسلمين والعرب كجماعة وصورة الدين الإسلامي، فخلال السنوات الأربع الأخيرة اعترض مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) -المعني برصد ما تتعرض له صورة الإسلام في وسائل الإعلام الأميركي من تشويه والرد عليها- على محتوى بعض البرامج التي أذاعها ثلاثة من أشهر أربعة مذيعين محافظين وهم شون هانيتي ولورا شلاسينجر ومايكل سافاج.

 

وكان سبب الاعتراض هو تبني هؤلاء لآراء شديدة الإساءة للإسلام والمسلمين بشكل مباشر أو من خلال استضافتهم لبعض القادة الدينيين اليمينيين المتطرفين من أمثال المبشر الأميركي المعروف والمتطرف بات روبرتسون.

 

المستوى الثاني هو مستوى السياسة الخارجية وقد لعبت وسائل الإعلام اليمينية دورا مثيرا للقلق في تأييدها الصاخب للحرب على العراق ولسياسات إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تجاه العالمين العربي والإسلامي وللتيارات المنادية باعتبار الإسلام عدوا جديدا للولايات المتحدة.

 

"
أصحاب الأجندة اليمينية المتدينة أكثر ميلا للمطالبة بالحد من حريات مسلمي أميركا مقارنة بغير المتدينين بنسب واضحة تصل للضعف أحيانا
"

وقد لفت هذا التأييد انتباه بعض المحللين والمراقبين العرب الذين هالهم موقف وكالات الإعلام اليمينية التي تحولت إلى أبواق أيديولوجية غير مبالية بالموضوعية.

 

ولكن للأسف انصب غالبية هذا الاهتمام على شبكة فوكس نيوز اليمينية بشكل أساسي وعلى بعض مجلات اليمين، ولكنه لم يتطرق لمتابعة ودراسة إذاعات اليمين ومحتواها ونفوذها، وذلك لأن الإذاعات بطبيعتها ظاهرة محلية داخلية يشعر بها المقيمون في أميركا أكثر من غيرهم.

 

المستوى الثالث هو دور الإذاعات اليمينية في التأثير على العلاقة بين الشعب الأميركي ومسلمي وعرب أميركا، فالمعروف عن بعض فئات اليمين تأييدها لأجندات معارضة للمهاجرين وللأقليات إلى حد ما، كما أظهر استطلاع أعلنت كير نتائجه في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي أن المحافظين الأميركيين أكثر ميلا بشكل ملحوظ للنظر للإسلام والمسلمين بشكل سلبي مقارنة بالمنتمين للتيار الليبرالي الأميركي.

 

كما أظهر استطلاع أعلنت نتائجه جامعة كورنيل الأميركية في شهر ديسمبر الماضي أن 44% من الأميركيين يعتقدون أن الحد من حريات مسلمي وعرب أميركا هو أمر ضروري، وقد أظهر الاستطلاع نفسه أن أصحاب الأجندة اليمينية المتدينة أكثر ميلا للمطالبة بالحد من الحريات مسلمي أميركا مقارنة بغير المتدنيين بنسب واضحة تصل للضعف أحيانا.

 

وتؤكد هذه الإحصاءات والأفكار على حقيقة هامة وهي ضرورة الوعي بهذه الظاهرة الخطيرة واسعة التأثير والتخطيط لها ولمواجهتها فلم يعد كافيا أن تقتصر معرفتنا بوسائل الإعلام الأميركية على شبكات التلفزيون والجرائد الأميركية الكبرى فقط.
_____________________

كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة