نورمان بودهوريتز وإستراتيجية بوش والحمل الإسرائيلي   
الاثنين 1429/1/27 هـ - الموافق 4/2/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:03 (مكة المكرمة)، 13:03 (غرينتش)


علاء بيومي

أسد المحافظين الجدد
حروب بودهوريتز
الدفاع عن بوش والحرب العالمية الرابعة
لا وجود لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية
إسهام بوش

مؤتمر أنابوليس وزيارة بوش للمنطقة والهجمة الإسرائيلية الشرسة على قطاع غزة، تحثنا على قراءة كتابات وأفكار نورمان بودهوريتز أحد أهم مؤسسي تيار المحافظين الجدد لما يتميز به من شجاعة في الاعتراف بأفكار سياسية يمينية يصعب العثور عليها في أي مكان أخر خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

أسد المحافظين الجدد
"
رغبة بودهوريتز في الظهور والشهرة والثناء لا تشبع، ومعاركه الفكرية كالمعارك الحربية لا تنتهي إلا بسفك دماء خصومه والقضاء عليهم، ولعل ذلك ما دفع بعض الصحفيين إلى تلقيبه "بأسد المحافظين الجدد"
"
حياة وأفكار نورمان بودهوريتز يرى فيهما البعض تأريخا لتطور تيار المحافظين الجدد فكريا وسياسيا، فالرجل هو ابن لبان يهودي هاجر لأميركا هربا من اضطهاد أوروبا لليهود، وتمكن في الثلاثينات من عمره من رئاسة تحرير مجلة كومنتاري الصادرة عن اللجنة اليهودية الأميركية، وهي إحدى أكبر المنظمات اليهودية الأميركية.

وكان هدف المجلة هو السعي لإيجاد قناة ثقافية يهودية أميركية تربط يهود أميركا فكريا بعضهم البعض وبمثقفي المجتمع الأميركي، ومن ثم تقود عملية اندماج اليهود المهاجرين في مجتمعهم الجدد.

كما لم تخيب كومنتاري الآمال المعقودة عليها وعلى جيله من المثقفين اليهود الأميركيين، فقد تحولت كومنتاري أوائل الستينيات وتحت قيادته إلى منبر يستقطب كبار المفكرين اليساريين بأميركا.

ولكن بمرور الوقت بدأ بودهوريتز يشعر بمشكلة مع اليسار الأميركي الجديد خاصة مع شعوره القوي بالحاجة للدفاع عن إسرائيل بعد حرب عام 1967، وشعوره بخطر صعود اليسار السياسي الأميركي الجديد في الستينيات، وبأن ذلك اليسار الجديد بات معاديا لإسرائيل ولأميركا وقيمها التقليدية إلى حد كبير، وأن محاربة هذا اليسار ضرورة أولية لكي يتمكن بودهوريتز من تحقيق أهدافه السياسية الأخرى.

لذا تحولت كومنتاري ومعها بودهوريتز تدريجيا نحو اليمين، ولم يكن تحولهما صامتا أو خافتا بل كان ثائرا غاضبا كعادة بودهوريتز والذي يتميز في كتاباته بعدم تردده في كيل النقد لخصومه الفكريين لدرجة أقلقت أصدقاءه قبل أعدائه.

حيث يؤكد بودهوريتز في مذكراته على أن طموحه يمثل بالنسبة له شهوة عارمة يصعب التحكم فيه تفوق "الشهوة الجنسية" وفقا لتعبيره، ورغبته في الظهور والشهرة والثناء لا تشبع، وأن معاركه الفكرية كالمعارك الحربية لا تنتهي إلا بسفك دماء خصومه والقضاء عليهم، ولعل ذلك ما دفع بعض الصحفيين بتلقيبه "بأسد المحافظين الجدد".

حروب بودهوريتز
وتقوم حروب بودهوريتز على إستراتيجية فكرية يكررها باستمرار، إستراتيجية تقوم على الشعور بوجود عدو خارجي خطير يهدد الولايات المتحدة ويحتاج لحرب عالمية ضده، لذا يسمى بودهوريتز الحرب الباردة بالحرب العالمية الثالثة.

وينادي في كتاب جديد نشره عام 2007 بأن أميركا تخوض من 11/9 الحرب العالمية الرابعة ضد ما يسميه "الإسلام الفاشي"، وفي الحالتين يرى بودهوريتز أن أعداء أميركا دوليون أصحاب أجندة دولية ورغبة في الدمار العالمي وهزيمة أميركا وإسرائيل.

"
بودهوريتز يشيد بالتغييرات التي أدخلها بوش على سياسة أميركا بداية الحرب العالمية الرابعة التي بدأت في 11 سبتمبر/أيلول، ويطلق على تلك التغييرات في العادة اسم "عقيدة بوش" والتي تقوم على النظر للحرب على الإرهاب على أنها حرب عالمية تستغرق أجيالا
"
كما يرى أن أميركا ليس أمامها بديل سوى حشد كل قواها لمحاربة العدو الخارجي في حرب لا هوادة فيها، فحروب بودهوريتز لا تعترف إلا بالهجوم المستمر لإجبار العدو على التراجع والانهيار في أقرب فرصة.

ويعود تلك الأفكار إلى إيمان الرجل أن القوى العالمية الكبرى تهاونت في مقاومة النازية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين مما ساعد هتلر على شراء مزيد من الوقت لبناء جيشه، وارتكاب ما ارتكبه خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من جرائم.

لذا انتقد بودهوريتز كارتر بسبب مساعيه للحوار مع السوفيات ومهادنته لهم مما سمح بسقوط أفغانستان في يد السوفيات، كما انتقد رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو على مهادنة عرفات والاستمرار في "عملية السلام" التي يعارضها بودهوريتز.

الدفاع عن بوش والحرب العالمية الرابعة
وتشير الكتابات الصحفية إلى أن بودهوريتز لم يلتق بوش إلا مرات قليلة جدا، وهذا يعني أن نفوذ الأول لدى الثاني وعلاقته بإدارته تتخطى العلاقات المباشرة لتصل إلى ما غير ذلك.

فعديد من أهم رموز المحافظين الجدد هم من أصدقاء وتلاميذ وأتباع بودهوريتز، ويكفي هنا الإشارة إلى أن إليوت إبرامز نائب مستشار الأمن القومي الأميركي هو زوج لإحدى بنات بودهوريتز.

ويكن صاحبنا قدرا كبيرا من الاحترام لبوش وسياساته ويدافع عنهما باستمرار، وذلك لأن الأخير كما يرى بودهوريتز أول رئيس أميركي خلال فترة الحرب العالمية الرابعة.

ويحلو للرجل تشبيه بوش بالرئيس الأميركي السابق هاري ترومان الذي حكم أميركا في الفترة من 1945 إلى 1953، ليكون أول رئيس يحكم أميركا في الفترة التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة والتي يطلق عليها بودهوريتز الحرب العالمية الثالثة، كما يشيد بعظمة ترومان لأنه أعد أميركا لخوض الحرب الباردة.

ولكنه يقول إن أميركا لم تنتصر في الحرب الباردة إلا بعد ثلاثة عقود من ولاية ترومان، وإن استعداد الأخير للحرب العالمية الثالثة لا يقارن باستعداد بوش للحرب الرابعة.

وهنا يشيد بودهوريتز بالتغييرات التي أدخلها بوش على سياسة أميركا بداية الحرب الرابعة التي بدأت يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001، ويطلق على تلك التغييرات في العادة اسم (عقيدة بوش) والتي تقوم على النظر للحرب على الإرهاب على أنها حرب عالمية تستغرق أجيالا وتتطلب مواجهة الجماعات الإرهابية والدول المساندة لها بشكل استباقي إجهاضي عسكري أحيانا، والسعي لنشر الديمقراطية عبر العالم كخير وسيلة لهزيمة الدكتاتوريات والتي تمثل السبب الأساسي لصعود الإرهاب كما يرى بودهوريتز.

ويرى بودهوريتز أن أفكار بوش السابقة عبقرية وأنها تمثل نقلة نوعية في السياسة الخارجية الأميركية، وأن بوش لم يكتف بتقليد سابقيه، بل قام بإجراء تعديلات كبيرة على السياسة الخارجية الأميركية سوف يتبعها من يأتي بعده.

ويقول إن التحديات التي يواجهها تطبيق عقيدة بوش عبر العالم خاصة في العراق يجب ألا تقلق مسانديه للأسباب التالية: أولا إن أي سياسة بها تكتيكات وبها إستراتيجية عامة، وإن مساندي بوش قد يختلفون معه في بعض التحركات التكتيكية، ولكن ذلك يجب ألا يدفعهم إلى الخلاف معهم لأنهم لا يدركون إستراتيجيته العامة الشاملة والتي سوف تقود للنجاح في النهاية.

ثانيا: لأن أعداء أميركا عبر العالم وخاصة الدول الدكتاتورية سوف يسعون لإفشال إستراتيجية بوش وسياساته خوفا على مصالحهم، وهو شيء متوقع يجب أن ينتبه له مساندي بوش ولا يقلقهم.

ثالثا: إن أي سياسة معرضة للاختلاف حولها النابع من الاختلاف الطبيعي في وجهات النظر، وإن الخلاف مع بوش في بعض سياساته في العراق مثل سياسة عزل البعثيين بعد غزو البلاد هو خلاف طبيعي نابع من اختلاف وجهات النظر وليس خلافا جوهريا يفترض الصواب أو الخطأ المطلقين.

لا وجود لعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية
"
بودهوريتز يرى أحلام رابين بالسلام كانت واهية، وتخيلات بيريز أوهى منها، والحل يكمن في إسرائيل قوية على حدود آمنة لا تلتزم بحدود عام 1967 الواهية
"
أما أحد أهم أسباب إعجاب بودهوريتز ببوش فهو موقف الأخير من عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، وذلك لأنه بودهوريتز -هو من المعارضين المتشددين لأوسلو- يرى أن لا سلام يمكن تحقيقه بين العرب وإسرائيل خلال هذه الفترة عن طريق المفاوضات.

وذلك لإيمانه بأن المسلمين والعرب يكرهون إسرائيل ولا يريدون بقاءها ويريدون التخلص منها في أقرب فرصة، وأن اتفاقاتهم معها ليست إلا هدنة يشتري بها العرب الوقت والدعم للاستعداد لإزالة إسرائيل، ولتشويه صورة إسرائيل من خلال إرسال الفلسطينيين أطفالهم للموت أمام كاميرات الإعلام، وحمل المصابين لكاميرات التلفزيون لالتقاط الصور لهم.

ويرى بودهوريتز أنه لا يوجد اختلاف بين ياسر عرفات ومحمود عباس أو أحمد قريع، فالأخيران هم من رجال عرفات وساندوا سياساته سنوات، وأن تضليل الإسرائيليين بإقناعهم بالتعايش مع الفلسطينيين في سلام هو بمثابة وضع الحمل مع الأسد، وأن لابد وأن يأتي يوم لينقض فيه الأسد الفلسطيني على الحمل الإسرائيلي الذي لا يريد سوى السلام والبقاء على أرض أجداده.

ويشير بودهوريتز أكثر من مرة في مقالاته إلى ابنته الإسرائيلية والتي تعيش في إسرائيل منذ أكثر من ربع قرن أكثر تشددا منه، وإلى ابنها الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي أكثر تشددا من كليهما، وأن اليهود المتدينين الذي يخدمون في الجيش الأميركي أكثر تشددا منهم جميعا.

ويقول إن أحلام رابين بالسلام كانت واهية، وإن تخيلات بيريز أوهى منها، وإن الحل يكمن في إسرائيل قوية على حدود آمنة لا تلتزم بحدود عام 1967 الواهية.

ويقول بودهوريتز أيضا إنه وجد ضالته في شارون ومن خلفه بوش، لذا دعا الرجل ابنته للثقة في شارون وفي خطته للانسحاب الأحادي من غزة وفي حائط الفصل الذي يبنيه، خاصة وأن بوش من ورائه.

إسهام بوش
ويرى بودهوريتز أن عظمة بوش وتأثيره على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو قدرته على تغيير السياق العام الذي يجري فيه الصراع والمفاوضات، حيث رفض بوش -كما يرى بودهوريتز- أن يحذو حذو سابقيه في المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المسؤولية عن العنف، حيث دأبت إدارة بيل كلينتون على مطالبة الفلسطينيين والإسرائيليين بوقف دوامة العنف ولومهما معا على استمرارها.

ولكن بوش -كما يشيد بودهوريتز– تخلى عن ذلك، وحمل الفلسطينيين مسؤولية وقف العنف وطالبهم بتغيير قيادتهم وتبني قيادة ترفض "العنف والإرهاب" بشكل مطلق قبل بداية المفاوضات.

وبهذا غيّر بوش مسار الصراع العربي الإسرائيلي بوضعه المسؤولية كاملة على الفلسطينيين، ولما طرحت "خارطة الطريق" وفكرة "اللجنة الرباعية" وهي مبادرات يكرهها بودهوريتز لأنها تأتي من وزارة الخارجية الأميركية والأمم المتحدة والتي يرى أنها كيانات معادية لإسرائيل، حرص بوش على ألا تفرض تلك الكيانات سقفا زمنيا معينا على إسرائيل.

"
بودهوريتز يرى أن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكلها الراهن لن تؤدي للسلام والاستقرار بل ستضع الحمل مع الأسد ليس أكثر, فالسلام بين الجانبين  يتوقف على عامل واحد وهو تغير موقف العرب وقلوبهم إيجابيا تجاه إسرائيل
"
هذا إضافة إلى سعي بوش لنشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، وهي مبادرة يساندها بودهوريتز بكل طاقته ويدافع عنها، حيث يرى أن العرب ومسانديهم يروجون لمقولة أسطورية تقول إن إحلال السلام بين العرب والإسرائيليين هو حجر الأساس لبناء السلام والاستقرار ومكافحة العداء لأميركا في الشرق الأوسط.

وهي مقولة يرفضها بودهوريتز والذي يرى أن الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة لأسباب كثيرة على رأسها وجود الدكتاتوريات، وعادة ما يضرب الرجل المثل بحروب المنطقة خلال العقود الأخيرة.

حيث يقول إن الشرق الأوسط شهد منذ تأسيس إسرائيل عددا كبيرا من الحروب، وإن كثيرا من تلك الحروب والصراعات لا يرتبط بإسرائيل، وإن بعضها -مثل الحرب العراقية الإيرانية- أوقع ضحايا أكثر من الذي أوقعتهم جميع حروب العرب مع إسرائيل.

لذا يرى بودهوريتز أن عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بشكلها الراهن لن تؤدي للسلام ولن تؤدي لاستقرار الشرق الأوسط، بل ستضع الحمل مع الأسد ليس أكثر.

ويعتقد أنه لا حل أمام إسرائيل سوى تقوية نفسها لمواجهة كراهية العرب لها والتي يؤكدها إعلانهم "الجهاد" ضدها بشكل متكرر، وأن تستمر إسرائيل في بناء قوتها حتى تحدث المفاجأة التاريخية ويقتنع العرب بإسرائيل.

فالسلام بين العرب وإسرائيل يتوقف -لدى بودهوريتز- على عامل واحد وهو تغير موقف العرب وقلوبهم إيجابيا تجاه إسرائيل.

وفي الخاتمة نؤكد أننا حرصنا على عرض أفكار بودهوريتز بأكبر قدر من الأمانة العلمية بغض النظر على موقفنا منها، أما التعليق فنتركه للقارئ.
ـــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة