الانتخابات العراقية والمشهد السوري   
السبت 1426/1/11 هـ - الموافق 19/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)


أكرم البني

 

- اهتزاز النموذج الشمولي

- تنامي الجرأة

- جدلية تحرير الإنسان وطرد الاحتلال

- تيقظ الهموم الديمقراطية

 

من الطبيعي أن تعتبر سوريا أكثر الساحات تأثراً بما يجري في العراق ثم بطابع الصورة التي سوف ترسم لمستقبله، ليس فقط لأنها الجار الذي يملك أطول حدود معه وليس بسبب وجوه التشابه العديدة بين البلدين، وإنما أيضاً لكونها إحدى نقاط الاستهداف الرئيسية بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

 

ومع أن الزمن القصير الذي مر على الانتخابات العراقية ليس بالوقت الكافي لتلمس آثار هذا الحدث وانعكاساته على سوريا، فإنه يمكن القول إن ثمة جديداً يظهر رويداً رويداً في سوريا يفوق ما أسفر عنه سقوط بغداد وانهيار نظامها السريع والمروع، جديدا لا يزال غير نهائي ومفتوحا على مزيد من  التطورات والاحتمالات.

 

"
ضغوط واشنطن على الحكم في سوريا مرتبطة بحاجتها إلى تحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق
"
اهتزاز النموذج الشمولي

إطاحة صدام حسين هزت بقوة نموذج الحكم الشمولي إن لم نقل أسقطته عملياً في منطقتنا بعد سقوطه المدوي في شرق أوروبا، وطرحت على الملأ نتائج فشل النظام الاستبدادي وإخفاقه في قيادة المجتمع وإنجاز برامجه التنموية، وأبانت ما أفضى إليه تركز الثروة ورأس المال بيد سلطة تحتكر كامل الحياة السياسية ومعظم أوجه النشاط الاجتماعي، من إفساد وتخريب للبنية الوطنية وتدمير لخلايا النمو والتجدد في المجتمع.

 

وبدورها أحدثت الانتخابات العراقية والصورة التي جرت بها تأثيراً إضافياً ومهماً على الحالة السورية سواء كان ذلك بالمزيد من تعقيد الشروط المحيطة بالبلاد أو بتحرير الفكر السياسي من اندفاعاته الأيدولوجية العمياء ومن بعض الاختلاط والتشوهات التي حكمته لسنين طويلة.

 

فنجاح العملية الانتخابية في العراق يعني في أحد وجوهه نجاحاً نسبياً للسياسة الأميركية في المنطقة وتالياً احتمال حضور أوضح -وربما أكثر جدية- لضغوطها على النظام السوري والتي يرجح أن تطال هذه المرة ليس فقط دوره الإقليمي وإنما أيضاً البنية الداخلية وضرورة تغير بعض آليات السيطرة السياسية.

 

 في الأمس القريب أجمع المراقبون على ربط ضغوط واشنطن على الحكم في سوريا بحاجتها إلى تحوير دوره الإقليمي في خدمة مخططاتها بما في ذلك مقايضة صمتها عن سياساته الداخلية وهيمنته على لبنان بتنازلات يقدمها في صيغ تعاون صريح وملموس لضمان أمن العراق واستقراره.

 

لكن بعد الانتخابات العراقية تبدو إدارة البيت الأبيض أكثر تحرراً من هذا العبء مما قد يعكس مزيداً من العزم على ممارسة ضغوطها السياسية والاقتصادية ومزيداً من الجدية في مطالبها بإجراء إصلاحات سياسية، والأهم مزيداً من الحزم لفك ارتباط الوضع اللبناني بسوريا وترجيح احتمال تشددها وإسراعها في تطبيق كامل القرار 1559، دون أن يعني ذلك أن الأمور سوف تفضي إلى قطيعة نهائية وأنها لن تشهد في بعض اللحظات أو المحطات مناورات وعودة سياسة الابتزاز والمقايضة وبناء التفاهمات.

 

موضوعياً يفضي نجاح الانتخابات العراقية إلى تراجع وقع عمليات القتل والتفجير وتأثيرها على مسار التنمية السياسية العراقية، وقد سقط الرهان عملياً على تهديداتها في إفشال هذه الخطوة، لتتراجع تالياً أهمية ورقة التدخل في أمن العراق واستقراره التي عولت عليها دول الجوار لإرباك الخصم الأميركي والبحث عن دور أفضل في المسرح الجديد.

 

وإذا كان من المبكر توقع انحسار العمليات العسكرية أو شدة تواترها فإن ثمة بداية يمكن تلمسها في انكماش كتلة المتعاطفين معها وإن ببطء وبصورة متدرجة، بدليل الاعتدال الذي بدأ يسم خطاب بعض زعامات الطائفة السنية في التعاطي مع نتائج العملية الانتخابية.

 

"
يمكن أن تكتشف في حوارات النخب السورية تنامي حالة من الجرأة في نقد ما يسمى ظاهرة المقاومة العراقية، وتلمس حماسة أقل وأحياناً فتوراً أوضح في الدفاع عن العمليات الانتحارية
"
تنامي الجرأة

أثار زخم اندفاع العراقيين إلى صناديق الاقتراع هموم السوريين الديمقراطية وكشف عمق معاناتهم من غياب الحريات المزمن، وبتّ تسمع أصواتاً ما كانت لتجرؤ بعد سنين طويلة من القمع وقهر الرأي الآخر على كشف مشاعرها ومواقفها الديمقراطية، ناهيكم عن أن نجاح الانتخابات عزز هزيمة العقلية الوصائية وهز بقوة الصورة التي روج لها عن نجاعة نموذج الحكم الأحادي والدولة الأمنية.

 

كل ما سبق يعزز قلق وخشية النخبة الحاكمة في سوريا أن يهدد تقدم عراق ديمقراطي الاستقرار القلق لنظام لا يزال يعتمد أسلوب الاستبداد ويرعاه، ويضعه أمام تحدٍ حقيقي لصياغة أشكال جديدة في بنية وعلاقات الحقل السياسي، الأمر الذي يحاصر محاولات بعضها للإفلات من استحقاق الإصلاح الديمقراطي، كما يضعف الممانعة الشرسة ضد التغيير التي تبديها قوى متنفذة ومنتفعة من بقاء القديم واستمراره.

 

ثمة انعكاس واضح وملموس لنتائج الانتخابات العراقية في الأوساط السياسية والثقافية في سوريا، فالزخم الشعبي الذي وسم هذه الانتخابات حسم نسبياً مسألة إشكالية راهن الكثيرون عليها تتعلق بدور التهديدات الإرهابية واحتمال تصاعد عمليات التفجير والقتل في إفزاع الناخبين وإرغامهم على الاعتكاف في بيوتهم.

 

وتأثراً بما أظهره العراقيون من إصرار والتزام عميقين بهذه النقلة الديمقراطية، يمكن أن تكتشف في حوارات النخب السورية تنامي حال من الجرأة في نقد ما يسمى ظاهرة المقاومة العراقية، وبتّ تلمس حماسة أقل وأحياناً فتوراً أوضح في الدفاع عن العمليات الانتحارية خاصة تلك التي تجري ضد المدنيين والشرطة العراقية.

 

كما أن ثمة أسئلة تثار اليوم ما كانت لتثار سابقاً حول جدوى هذه العمليات وماهية المشروع السياسي الذي يتطلع المقاتلون لبنائه إذا ما نجحوا في طرد الاحتلال، إضافة إلى أن حدود مسؤوليتهم من احتمال اندلاع حرب طائفية وصراعات قومية لا تبقي ولا تذر، قد تدفع المجتمع العراقي الى التشذرم والانقسام وهو ما يسعى إليه أعداء العراق والمتربصون به طمعاً؟!

 

وفي الإطار ذاته أعادت الانتخابات العراقية إلى الواجهة السجالات حول أولوية المسألة الديمقراطية ودورها المفتاحي في إنجاز مختلف المهام التاريخية والوطنية والقومية والتنموية، بل لنقل إنها أربكت بشدة تصورات أيدولوجية عاشت عليها قوى عديدة لسنين طويلة، توسلت بالقضية الوطنية وذريعة الحفاظ على السيادة والاستقلال ودرء الأخطار الخارجية لنبذ الحياة الديمقراطية وتبرير القمع والاستبداد.

 

واللافت للنظر اليوم أنه لم يعد يقنع أحداً تكرار كلمة الاحتلال لتسويغ رفض العملية الديمقراطية، كما أن محاولات تضخيم الفوارق الواهية بين التجربتين الفلسطينية والعراقية لتبرير تأييد الأولى ورفض الثانية بدت هشة ومليئة بالمتناقضات.

 

بل بدا للعيان أن قصد بعض السياسيين والمثقفين من إقحام كلمة احتلال في كل فكرة تتعلق بالوضع العراقي هو التخلص من وطأة الاستحقاق الديمقراطي ولإرغام "الذات" قبل الآخرين على الاقتناع بفكرة أن الوجود الأميركي في العراق هو وحده أساس الداء والبلاء وأن مواجهته يجب أن تكون المهمة الأولى التي لا تقبل التأجيل أو التفكير بغيرها!!

 

"
قبل طرد الاحتلال لابد من البدء بتحرير إرادة الإنسان وبناء مجتمع المواطنة كي تتمكن مختلف تكوينات المجتمع العراقي من تجاوز حساباتها الضيقة ومعالجة أوضاعها المفككة
"
جدلية تحرير الإنسان وطرد الاحتلال

يبدو أن التعبئة الأيدولوجية التي كانت سائدة في سوريا للنظر إلى الوضع العراقي وفق ثنائية ساذجة "وطن واحتلال" انحسرت اليوم تأثراً بنتائج العملية الانتخابية العراقية، ولم يعد يلقى التسليم والاستحسان تصنيف الناس إلى مناهض للاحتلال ومتعاون معه، وصرت تجد أعداداً متزايدة من المثقفين تظهر حالا من التعاطف مع إرادة أكثرية العراقيين أو تؤيد انتخاباتهم. كما لم يعد يوصف كمتخاذل أو خائن حين يناهض أحدهم أساليب الخطف والذبح والتفجيرات العشوائية أو يرفض تهديدات التطرف الأعمى الذي يكفر الديمقراطية ويحلل قتل كل من يسعى إلى صناديق الاقتراع.

 

بل على العكس صارت مسموعة الدعوة الى أولوية أشكال النضال السلمي والمدني لردع الاحتلال وتعرية أغراضه تمهيداً لإخراجه من أرض العراق!!

 

إذا كان من المعروف أن للنخبة السياسية والثقافية السورية حساسية خاصة ضد التدخل الأجنبي وتظهر عداءاً واضحاً للدور الأميركي في المنطقة حتى لو ارتدى عباءة الحرية ونصرة حقوق الإنسان، فإن ثمة قبولا اليوم بأن يجاهر أحد المثقفين بفكرة أو اجتهاد -كانا يعتبران فيما مضى نوعاً من الكفر- عن ضرورة بقاء قوات الاحتلال الأميركي لبعض الوقت حتى يتمكن الشعب العراقي من بناء مؤسسات قادرة على ضبط أمن المجتمع وإدارة الدولة.

 

ويحاول آخر تدعيم هذه الفكرة بالبحث عن أجوبة استناداً إلى شعار طالما استقوت به النخب السورية ورفعته على رؤوس الأشهاد عن أولوية "الحفاظ على وحدة العراق أرضاً وشعبا"، متسائلاً عما إذا كان إخراج قوات الاحتلال اليوم يضمن تطبيق هذا الشعار أم العكس، وما حدود الأمل بعدئذٍ في أن يبقى العراق المستقل موحداً أرضاً وشعباً؟!

 

هل يكفي طرد القوات الأميركية كي تعود مياه العراقيين إلى مجراها أم يفضي الأمر إلى تقسيم فوري للبلاد على قاعدة انعدام الثقة بين مكونات المجتمع العراقي المتعددة، وتالياً ترجيح اللجوء من جديد إلى لغة الحديد والنار وحمامات الدم لإعادة شماله إلى جنوبه وشرقه إلى غربه؟!

 

ويضيف مستفسراً: ألا يجب أن نأخذ في الاعتبار أن العراق المستقل والمنهك قبل قيام دولة قادرة سوف يشجع كل طامع للعب في مصيره والتأثير على مستقبل تطوره، من بعض دول الجوار أو حتى من إسرائيل ودول أجنبية أخرى؟!

 

صار بالإمكان أن تسمع في سوريا بعد الانتخابات العراقية عبارات متنوعة تربط طرد الاحتلال بالبدء في تحرير إرادة الإنسان وبناء مجتمع المواطنة كشرط لا بد منه كي تتمكن التكوينات المتنوعة للمجتمع العراقي من تجاوز حساباتها الضيقة ومعالجة أوضاعها المفككة بتقارب طوعي يذود عن مصالحها المشتركة، ولكي يغدو الحديث عن أهمية العملية الديمقراطية أقوى وأشد وقعاً وضرورة في بناء خطاب صحي وندي مع الأقليات القومية التي تشاركنا العيش على هذه الأرض منذ مئات السنين، والتأكيد بأن حريتها من حريتنا ومستقبلها جزء عضوي من مستقبلنا.

 

"
اليوم وبسبب الانتخابات العراقية يفيق الناس في سوريا من خدر الدعاية والشعارات الأيدولوجية، وشيئاً فشيئاً تختلط أحاسيسهم الديمقراطية بشعور عميق بمرارة الحرمان
"
تيقظ الهموم الديمقراطية

ليس صحيحاً أن الشارع السوري لم يبد اهتماماً بالانتخابات العراقية، بل على العكس، هي من المرات القليلة التي تلحظ فيها متابعة شعبية لافتة وترقبا قلقا لهذه الانتخابات ونتائجها.

 

ورغم ما أثير من ملاحظات حول ما شاب هذه الانتخابات من نواقص ومثالب تلمس بعض المؤشرات التي تدل على بدء تنامي وعي صحي يدعو إلى الثقة بالناس وقدرتهم على تقرير مصائرهم، الأمر الذي وجه صفعة قوية إلى الوعي الزائف عن بشر قصر ودون سن الرشد، ورد على العقلية الوصائية التي دأبت على خلق شعور عام بدونية المواطنين وبأنهم عاجزون عن اتخاذ القرارات السليمة وإدارة شؤونهم العامة دون وكيل على مصالحهم تكفله شخصيات ورموز كاريزمية يرتب لها أن تكون موضع رعب وتهيب كبيرين.

 

اليوم يفيق الناس في سوريا -وإن بتثاقل- من خدر الدعاية والشعارات الأيدولوجية، وشيئاً فشيئاً تختلط أحاسيسهم الديمقراطية بشعور عميق بمرارة الحرمان.

 

لا شك أن مشاهد العراقيين وهم يتقاطرون على صناديق الاقتراع قد أثارت همومهم الديمقراطية وكشفت عمق معاناتهم من غياب الحريات المزمن، وربما يفاجئك أن تسمع أصواتاً هنا وهناك تشيد بجرأة العراقيين الذين تقدموا رغم التهديدات والشروط الأمنية القاسية لممارسة أحد حقوقهم والإصرار على دورهم في تقرير مصير بلادهم.

 

"
هزت الانتخابات العراقية العقلية السياسية العتيقة وخلقت أبعاداً جديدة في المشهد السوري ومساراته السياسية وطرحت على بساط البحث والنقد حزمة من التصورات وآليات العمل ما كان لها أن تطرح
"
وإلى جانب ذلك تلمس حالا من الاستياء للطابع الطائفي والقومي الذي وسم نتائج هذه الانتخابات بفوز كاسح للشيعة والأكراد وانحسار حضور الطائفة السنية بسبب مقاطعة غالبيتها، وأيضاً أن تسمع بعض الآراء التي تذهب إلى تخطيء سلوك الطائفة السنية لكونها عزلت نفسها طاعنة في شرعية الانتخابات وصدقيتها.

 

تتساوق هذه المظاهر مع شيوع حال من الارتباك والاضطراب في مواقف المزاج الشعبي السوري التواق إلى الحرية والمتعاطف بقوة مع الشعب العراقي، لكنه -في الوقت ذاته- لا يزال يعارض قيام الديمقراطية في ظل الاحتلال.

 

لقد هزت الانتخابات العراقية العقلية السياسية العتيقة وخلقت أبعاداً جديدة في المشهد السوري ومساراته السياسية وطرحت على بساط البحث والنقد حزمة من التصورات وآليات العمل ما كان لها أن تطرح قبل ذلك بهذا الوضوح وتلك الجرأة، ولتظهر تالياً حجم الهوة بين النخب السياسية والثقافية وبين هموم المجتمع وتطلعاته التي ربما يحتاج جسرها إلى ما يشبه ثورة في المفاهيم وطرائق التفكير، محورها الثقة بدور الناس الأحرار بوصفهم المحرك الرئيسي لكل تحدٍ وتطور.
________

كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة