المخدرات القطب الخفي في حروب إمبراطورية "الكاوبوي"   
الخميس 1428/3/17 هـ - الموافق 5/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 21:40 (مكة المكرمة)، 18:40 (غرينتش)


عبد الله الحسن

- الإمبراطورية.. والمخدرات
- وقائع العلاقة
- فضائح وأرقام
- حروب المخدرات

ثمة قطب خفي في تسويغ حروب إمبراطورية "الكاوبوي" تقف على نفس المنصة أو المستوى من حيث الأهمية مع النفط، هي المخدرات، وتزيد عليه في الوظيفة القيمية والفلسفية السلبية المتمثلة في تدمير العامل الأساس في رزمة عوامل القوة والنهوض لدى الشعوب.

هذا القطب يدمر رأس المال البشري من خلال توفير المناخات المؤاتية ويترجم مقولات الفلسفات العدمية واقعا، تلك الفلسفات التي تحدثت عن "موت الإله"، كما هو حال فلسفة "نيتشه" ثم "موت الإنسان" كما هو الحال مع الفلسفة البنيوية، وما بعد البنيوية والتفكيكية، وتيار ما بعد الحداثة على العموم الذي يقوض كل المرجعيات الإنسانية الكبرى السماوية والوضعية، ويحول الإنسان إلى كائن هلامي متحلل من أي مرجعية أخلاقية أو فكرية، وبالتالي يصبح الإنسان ذئب الإنسان الآخر، كما يقول الفيلسوف توماس هوبز.

"
الولايات المتحدة تنظر إلى تجارة المخدرات كغنيمة تدر أرباحاً وفيرة لا تدانيها أرباح أي سلعة أخرى حتى النفط
"
الإمبراطورية.. والمخدرات

في الوقت الذي تتعاطى فيه المجتمعات الإنسانية مع المخدرات كآفة وجائحة مدمرة للإنسان والمجتمع والصحة والقيم والاقتصاد الفردي والوطني، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى المخدرات أو بالأحرى إلى تجارة المخدرات كغنيمة تدر أرباحاً وفيرة لا تدانيها أرباح أي سلعة أخرى حتى النفط.

ولا يغرننا ما تبديه الولايات المتحدة من سلوك معاكس، وعزم على شن الحروب على زراعة وتجارة المخدرات، حتى إن تجارة المخدرات باتت عاملا مهما في رسم وتوجيه السياسة الداخلية والخارجية الأميركية.

ويذهب البعض في تشبيه علاقة الولايات المتحدة بتجارة المخدرات إلى استحضار العلاقة بين القرصان الأكبر والقراصنة الصغار، إذ يقوم الأول بالاستيلاء على أسلاب القراصنة الصغار، وتلك تقاليد متأصلة في السلوك الأميركي، فمورغان مثلا، وهو أحد أقطاب الرأسمالية الأميركية، هو رأس أو مؤسس أسرة اعتمدت ثروتها في الأصل على جد من كبار القراصنة خبأ كنزه في إحدى جزر البحر الكاريبي ثم ترك لأسرته خريطة تدل على موقعه.

وعندما تمكن الورثة من فك الرموز أصبح الكنز في العصر الحديث، أهم أصول واحد من أكبر البنوك الأميركية.

هذه الحقائق جعلت الرئيس الأميركي في أوائل القرن العشرين، ثيودور روزفلت يطلق على هؤلاء البنائين الكبار وصف "البارونات اللصوص".

لكن ما يكسب هذه العلاقة مشروعية في الوقت الراهن، وفق المنظور الأميركي، هو التحول في اقتصاد العالم من اقتصاد العمل والإنتاج إلى اقتصاد الكازينو القائم على المضاربات المالية، بفعل السياسات النيوليبرالية، حيث تقدر الأموال الموظفة في مجال المضاربات بحسب بعض الإحصاءات بثلاثة تريليونات دولار، بينما المبالغ الموظفة في القطاع الإنتاجي بالكاد تصل إلى سدس هذا الرقم، أي نصف تريليون دولار.

علاوة على ذلك يمكن أن نضيف إنتاج وتعميم الفساد الذي من خلاله تقوم السلطة الإمبراطورية بنشر ستار من الدخان على العالم، يتيح ممارسة الحكم.

ولا ننسى في هذا السياق خطة هنري كيسنجر المسماة (NSSM200) التي لخصها بالقول: "إن معدلات النمو السكاني في الدول النامية الغنية بالمصادر الخام الإستراتيجية، تشكل مبعث قلق للأمن القومي الأميركي، ويجب أن تحظى بالأولوية القصوى في اهتمامات الولايات المتحدة".

وقد ارتكزت هذه الخطة على تقرير عمل لجنة جون دي روكفلر الرئاسية حول "السكان والمستقبل الأميركي" عام 1972 التي دعت صراحة إلى تجميد تام للنمو السكاني في العالم، وهي عبارة تعني في الواقع برامج لإبادة جماعية منظمة، ولا شك أن المخدرات من أهم أدوات تلك الإبادة.

وقائع العلاقة
منذ أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم كانت علاقة المخابرات المركزية الأميركية CIA بالمخدرات تمتد من تحالفات مع مهربين مجرمين للهيروين، إلى إجراء أبحاث على العناصر الكيمياوية المميتة أو المغيرة للعقل وتطبيقاتها.

وقد أماطت اللثام عن ذلك عام 1988 الصحفية الأميركية إلين شانون من خلال مقابلات أجرتها مع عشرات من عملاء وكالة مكافحة المخدرات وثقتها في كتاب بعنوان "المتهورون"، أكدت فيه أن العملاء أبلغوها أن مهربي المخدرات من جنوبي شرق آسيا ووكالة الاستخبارات المركزية "حلفاء طبيعيون".

كما كتبت "إن عملاء مكافحة المخدرات الذين كانوا يقومون بالخدمة في جنوب شرق آسيا في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين ذكروا أنهم اكتشفوا مرارا أنهم كانوا يقتفون أثر مهربي المخدرات الذين كانت أسماؤهم مدرجة ضمن كشوف رواتب CIA".

وفي أثناء حرب أفغانستان ضد الوجود السوفياتي، والدعم الأميركي للمجاهدين، أبلغ عضو المجلس الإستراتيجي لإساءة استعمال المخدرات في البيت الأبيض ديفد موستو، الحكومة الأميركية بأن قرار تسليح المجاهدين سيكون له أثر عكسي.

وقال "أخبرت المجلس أننا ندخل أفغانستان لدعم زراعة الأفيون، ألا ينبغي أن نتحاشى ما فعلناه في لاوس؟ ألا ينبغي أن نحاول دفع المال للزراع، إن هم قضوا على إنتاجهم من الأفيون؟ وكان السكوت هو الرد!".

من المعروف أن الإنتاج الأفغاني من الهيروين تضاعف ثلاث مرات في الفترة ما بين 1979 و1982 وبحلول عام 1981 كان منتجو الهيروين الأفغان قد استولوا على 60% من سوق الهيروين في غرب أوروبا والولايات المتحدة.

"
علاقة المخابرات المركزية الأميركية بالمخدرات تمتد من تحالفات مع مهربين مجرمين للهيروين، إلى إجراء أبحاث على العناصر الكيمياوية المميتة أو المغيرة للعقل وتطبيقاتها
"
تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة، وخلال عملية الإنزال الأميركي في جزيرة صقلية عام 1942، تعاونت مع عصابات المافيا على اختلاف أسرها في تنفيذ عملية الإنزال تلك، مقابل صفقة مقايضة جرت بين الطرفين تضمنت الآتي:

1- أن تحصل عصابات المافيا مقدماً على 25 مليون دولار

2- أن تكون للمافيا (حقوق حماية) بعد تحرير إيطاليا، لا تقتصر على مجرد التغاضي عن نشاط هذه العصابات في أميركا وحدها، وإنما تضمن فوق ذلك وزيادة عليه مشاركة فاعلة في النشاط الإيطالي.

3- أن تتشاور الجهات الأميركية المعنية مع زعماء عائلات المافيا في ترتيب "علاقة عمل" مع أجهزة الأمن الأميركية، تكفل كذلك تغطية نشاط عصاباتها في الولايات المتحدة ذاتها، بما في ذلك أن يكف مكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) عن الوقيعة بين عائلاتها وتحريض بعضها على بعض

وبموجب هذه الصفقة زودت عصابات المافيا الصقلية قوات الغزو الأميركي بخرائط وجداول المد والجزر ومواقع وأرصفة الموانئ والمعلومات الاستخبارية والطبوغرافية ذات الصلة بذلك.

وقد بلغ عدد الملفات التي قدمتها المافيا خمسة آلاف ملف أرسلت نسخ منها إلى مخططي الغزو في واشنطن.

وأثناء عملية الغزو قام أفراد المافيا بتأمين مدارج الهبوط للطائرات، كما قادوا قوات الغزو عبر الشعاب والممرات، وأرشدوهم إلى مواقع القوات الإيطالية.

وقد تواصل هذا التعاون بعد ذلك، ففي عام 1948 كانت المافيا الصقلية قد أبدت في طموحاتها السياسية نزعة انفصالية، لكن CIA نصحت بالتخلي عن هذه النزعة، مقابل أن تتمتع المافيا بترخيص مستقل في عملياتها لكن تحت حكومة متفاهمة في روما.

وشمل التحالف أيضاً مكافحة الشيوعية، وفي هذا الصدد يقول مايلز كوبلاند "إنه لولا المافيا لكان الشيوعيون يسيطرون الآن على إيطاليا، حيث كان للتنظيم الإجرامي دور في غاية الأهمية في قتل منظمي العمال وترهيب العملية السياسية".

فضائح وأرقام
في ضوء ما تقدم لا نجد غرابة في أن يغض الرئيس السابق بيل كلينتون الطرف عن عملية تهريب كمية من مخدر الكوكايين، مصدرها كولومبيا، تبلغ قيمتها (750) مليون دولار، جرى تهريبها إلى ولاية أركنسو، حينما كان حاكماً لها.

وهناك ما يشير إلى أن حملته الانتخابية حصلت في مقابل السكوت عن تلك العملية على ملايين عدة (غير محددة بالضبط) من الدولارات، وضعت تحت تصرف كلينتون نفسه.

ومعروف أن عائلة الرئيس جون كينيدي جمعت ثروتها الطائلة من عمليات المضاربة والتهريب، والتعامل خفية مع عصابات المافيا، واستدعاء ذكر عائلة كينيدي يعود إلى كونه المثل الذي احتذاه كلينتون.

تجدر الإشارة -وهنا المفارقة العجيبة في سلوك كلينتون- إلى أنه في الذكرى 50 لإنشاء CIA حين حدد الخطوط العريضة لرؤيته الخاصة بمستقبلها، وضع الأولوية الثالثة لرؤيته "حماية المواطنين الأميركيين من التهديدات الجديدة المتعدية للقومية مثل تجارة المخدرات والإرهابيين والمجرمين المنظمين وأسلحة الدمار الشامل".

وليس هذا فحسب، بل إن الإدارة الأميركية برمتها وكذلك القوة المصرفية المتنفذة في كبار بنوكها، متورطتان في الصفقات المالية الهائلة التي وصلت في الثمانينيات إلى تريليون ونصف تريليون دولار ناجمة عن تجارة المخدرات.

وقد أشار تقرير بثته شبكة ABC التلفزيونية الأميركية عام 1983 إلى أن أصابع الاتهام وجهت لأكثر من 250 مصرفاً أميركياً بالتورط في نشاط غسل أموال المخدرات.

وقد برزت من بين هذه المصارف أسماء بنوك عملاقة، وطبقاً لشهادة كبير المحاسبين والمشرف على عمليات غسل الأموال لدى عصابة ميدلين للمخدرات المدعو رامون ميليان رودريغيز، أمام لجنة فرعية في الكونغرس عام 1988، فإن "البنوك الأميركية كانت على علم بمصدر الأموال وبحقيقة مع من كانت تتعامل".

وفي عام 2000 ارتفع حجم الصفقات المالية الناجمة عن تجارة المخدرات إلى ثلاثة تريليونات دولار.

"
حروب المخدرات هي الابن الشرعي للقانون الأميركي؛ قانون المصلحة الذي يقضي بأن كل ما هو نافع لأصحابه قانوني بالضرورة
"
حروب المخدرات

ما تقدم يفسر حرب احتلال أهم بلدين في زراعة وتجارة المخدرات، باناما عام 1989، وأفغانستان عام 2001، حيث جرى الاحتلال لخدمة بارونات المال من تجار المخدرات الأميركان.

فالجنرال إيمانويل نورييغا حاكم بنما السابق المتهم أميركياً بالاتجار في المخدرات الذي اعتقلته القوات الأميركية بهذه التهمة لدى احتلال باناما يوم 20-12-1989، وحكم عليه بالسجن لمدة 45 سنة، معروف بارتباطه بـCIA، حيث كان المسؤول عنه في إحدى الفترات جورج بوش الأب.

ومما لا شك فيه أن احتلال باناما واعتقال نورييغا يعود إلى خروجه على تعاليم أسياده، ومحاولة إجراء صفقات لحسابه بلغت 45 ألف شحنة مخدرات.

وكان الصحفي الأميركي الشهير سيمور هيرش قد أماط اللثام عن قصة ارتباط نورييغا باتحاد المخدرات الكولومبية الذي دام 20 سنة، وقد نشر القصة في عدد نيويورك تايمز الصادر في 12-6-1986، بينما كان نورييغا في واشنطن لتسلم وسام الشرف من مجلس دفاع الدول الأميركية.

الجدير بالذكر هو أن استخبارات الدفاع الأميركية جندت نورييغا للعمل معها 1959، بينما بدأ العمل مع CIA عام 1967.

أما بالنسبة لأفغانستان فإن إحدى الشخصيات العربية القريبة من زعيم طالبان الملا محمد عمر تقول إنه لدى اتخاذ الملا قراره بمكافحة وتحريم زراعة الأفيون في آب عام 2000، أدركنا أن الحرب مع أميركا واقعة لا محالة.

وقال إنه نقل هذا التقدير للملا عمر، وقد أوضحت هذه الشخصية الأمر بالقول إن بارونات المال الأميركيين لن يقبلوا بفقدان هذه الموارد.

لذلك ما إن سقطت أفغانستان تحت الاحتلال الأميركي حتى عادت زراعة وتجارة الأفيون إلى الازدهار، وتضاعفت عما كانت عليه قبله.

لحروب المخدرات الأميركية سابقة في التاريخ الاستعماري، فعلى سبيل المثال تسبب قرار الإمبراطور الصيني تاو كوانغ عام 1839 بإغلاق ميناء كانتون أمام سفن الأفيون البريطاني، في إشعال نار حرب الأفيون في الفترة ما بين 1839-1840، وكذلك عام 1856.

وفي تلك الحملات الدموية أجبر البريطانيون الصين على فتح موانئها وأسواقها لتجارة الأفيون، وقد استمرت الحكومة البريطانية في إغراق الصين بالأفيون حتى العقدين الأولين من القرن العشرين.

لذلك جعل هوشي منه من معارضة الأفيون ملمحا أساسيا من ملامح حملته لتحرير فيتنام من الفرنسيين، حيث قال "إن الفرنسيين يفرضون الأفيون على الناس في فيتنام كوسيلة للضبط الاجتماعي" لأن "الشعب المخدر أقل احتمالا لأن يهب ويتحرر من الطاغية".

مما لا شك فيه أن حروب المخدرات هي الابن الشرعي للقانون الأميركي، قانون المصلحة الذي يقضي بأن كل ما هو نافع لأصحابه قانوني بالضرورة، وعليه تصبح القوة كاتب النصوص وفق تعبير الأستاذ محمد حسنين هيكل، وبالتالي يصبح الواقع الذي تفرضه هذه القوة هو الحقيقة والحق في آن معا.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة