القاطِرة القَطَرية بين عهْدين   
الأربعاء 18/8/1434 هـ - الموافق 26/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)
محمد بن المختار الشنقيطي

زارني صحفي بريطاني منذ بضعة أشهر في المدينة التعليمية بالدوحة -وهي إحدى المعالم الحضارية الجديدة في قطر- وطلب حديثا حول سياسات قطر وأهدافها الإستراتيجية. كان حوارا طويلا، لكنه بدأ بداية مستفزة، حيث سألني ضيفي بطريقة فيها شيء من نبرة التعالِي الإمبراطوري، فقال ما معناه: "ما الذي تريده هذه الدولة الصغيرة من التدخل في شؤون إقليمية ودولية أكبر من حجمها، وما هو سر نجاحها وتأثيرها البالغ"؟

أحسستُ بجرح الكبرياء، لأن صحفيا دانماركيا وصحفية ألمانية سألاني السؤال ذاته من قبلُ، وكأنما يردد هؤلاء على مسامع الدول العربية تلك النصيحة الهجائية التي هجا بها شاعر عربي قديم خصمه فقال:
دع المكارم لا ترحلْ لبُغيتها / واقعُدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسي

فقررتُ الإجابة على السؤال المستفز باستفزاز مماثل: فقلتُ: "لدى قطر أهداف عديدة، أقلُّها تغيير هذا الكون الذي نعيش فيه" وفهم صاحبي الجواب، وتبسَّم بخُبْث، ثم خفض من سقف لهجته المتعالية فيما تلا من حوار.

شرحتُ لضيفي البريطاني أن نجاح قطر يرجع -في اعتقادي الشخصي- إلى عوامل أربعة:

الدبلوماسية القطرية الفعالة عرفها اللبنانيون والسودانيون في أزمتهم، وعرفها الفلسطينيون تحت الاحتلال، وعرفها التونسيون والمصريون والليبيون واليمنيون في ثوراتهم المظفرة. ويعرف السوريون اليوم قيمتها

- أولها الاستخدام الفعال لعناصر القوى الناعمة التي تملكها، وهي المال والإعلام والدبلوماسية. ولا يجحد منصف أن قطَر حققت بحسن استخدام هذه العناصر الثلاثة ما لم تحققه أي دولة أخرى في الماضي القريب. فكل العالم يعرف اليوم قناة الجزيرة وأثرها، وكل مثقف عربي يدرك كيف حققت هذه القناة للعرب استقلال الوعي والضمير من سطوة إعلام غربي ظل العرب أسرى لديه مدة أكثر من نصف قرن، ومنه إذاعة بي بي سي، وصوت أميركا، وإذاعة فرنسا الدولية.

أما الدبلوماسية القطرية الفعالة فقد عرفها اللبنانيون والسودانيون في أزمتهم، وعرفها الفلسطينيون تحت الاحتلال، وعرفها التونسيون والمصريون والليبيون واليمنيون في ثوراتهم المظفرة. ويعرف السوريون اليوم قيمتها وهم يخوضون ملحمة الحرية الحمراء. وأما المال القطري فقد تم توظيفه بفاعلية في البناء الداخلي القياسي، وفي مدِّ الدبلوماسية القطرية بأدوات الفعل المؤثر.

- والثاني أن قيادة قطر رجَّحت الأفعال على الأقوال في ما تنجزه، فلم يصحب جهدَها الإقليمي والدولي دعاية فجة للقائد، ولا صخب كبير حول الزعيم.. كما رأينا في تجارب زعماء أديولوجيين ساد لديهم الشعار على الفعل، والدعاية على الفاعلية. فرغم أن قطر تملك أعظم ذراع إعلامي ناطق باللسان العربي، ولديها حضور دولي في الإعلام الناطق بالإنجليزية، فإن هذا الإعلام انخرط في خدمة القضايا العربية الكبرى، وبناء وعي ووجدان الإنسان بشكل عام. وقلما تناول الشأنَ القطري إلا كما يغطي شؤون الدول الأخرى، وهو في ذلك لا يخرج عن صرامته المهنية.

فمع الشيخ حمد بن خليفة رأينا لأول مرة بين قادة العرب المعاصرين من جعل الفعل سابقا للقول، والإنجاز مقدَّما على الشعار، ومصالح الشعوب راجحة على عبادة الحكام. وقد استطاعت قناة الجزيرة بنسختيها العربية والإنجليزية -رغم ندرة حديثهما عن قطر وقيادتها- انتزاع مساحة للعرب والمسلمين في الوعي العالمي، حتى اضطر منافسوها الألدَّاء إلى الاعتراف لها بالسبق والفضل، واعترف لها البعض باقتحام بيوتهم على مضض، وهم من كانوا يحسبون الضمير العالمي حقلا مفتوحا للتشكيل على أيديهم دون منازع.

ولعل العديد منا لا يزال يذْكر عبارات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون التي اعترفت فيها يوم 2 مارس/آذار 2011 أن متابعي قناة الجزيرة في الولايات المتحدة في ازدياد مطّرد، وبأن القناة "شئنا أم أبينا" قد فاقت الإعلام الأميركي، وبدأت تضع بصمتها على العقول والضمائر داخل الولايات المتحدة.

- والثالث أن قطر وضعت إستراتيجيتها في انسجام مع العالم، وبذلك تفادت القيادة القطرية مأزق الاصطدام بالقوى العالمية المؤثرة، وهو مأزق وقع فيه حكام عرب ثوريون من قبل، فجعلوا شعوبهم تدفع ثمنا فادحا دون ضرورة، بسبب الديماغوجية وانعدام الحس العملي لديهم، في ظل اختلال كبير في ميزان القوى لصالح الأعداء.

برهن الشيخ حمد بن خليفة على ذوق إستراتيجي مرهَف وحس عملي عميق، فلم يورط بلاده في مهاترات لا تترتب عليها ثمرة عملية، لكنه لم يتزحزح عن مواقفه المبدئية في نصرة الشعوب العربية

وقد انطلقت قطر في سياستها من رؤية إنسانية رحبة، وكأنما التزمت القيادة القطرية بفلسفة الرئيس والفيلسوف البوسني علي عزت بيغوفيتش الذي كتب مرة: "إنك لا تستطيع تغيير العالم برفضه، وإنما بقبوله".

وربما تكون تركيا من بين القوى الإقليمية المسلمة هي التي تشبه قطر في هذا المضمار، حيث حافظ كلا البلدين على الانسجام مع العالم، ولم ير في نهضته الداخلية أو دوره الإقليمي نقيضا لعلاقاته الخارجية، ولا في انتمائه الشرقي نقيضا لتحالفاته الغربية. وقد نالت قطر الشيخ حمد -كما نالت تركيا أردوغان- الكثير من الأذى من ألسنة السوء التي اعتبرت هذا التوازن خضوعا للقوى الدولية الطامعة، وجهلت -أو تجاهلت- عنصريْ التوازن المبدِع والحس العملي المتحكميْن في هذه المعادلة.

- ورابعها الموقف المُوازن بين المبدئية والواقعية. فرغم أن قطر توغلت في ملفات كبيرة وشائكة، رآها من لا طموح لهم أكبرَ من حجمها الجغرافي والسكاني، ورغم أنها التزمت بموقف مبدئي إلى جانب الشعوب العربية الثائرة، وإلى جانب الشعب الفلسطيني المحتل، فإن حس الواقعية ظل حاضرا دائما لدى القيادة القطرية. وقد برهن الشيخ حمد بن خليفة على ذوق إستراتيجي مرهَف وحس عملي عميق، فلم يورط بلاده في مهاترات لا تترتب عليها ثمرة عملية، لكنه لم يتزحزح عن مواقفه المبدئية في نصرة الشعوب العربية.

فكان كالمحارب السائر بين الألغام، يحسب لكل خطوة حسابها، وينزع الألغام ببراعة، دون أن يتراجع أو يكلَّ، أو يعرّض بلاده لخطر معيق لتقدُّمها الجَسور، وليس من ريب أن هذا التوازن بين المبدئية والواقعية، والجمع بين الرؤية الإستراتيجية والبراعة التكتيكية، هما لبُّ النجاح القطري خلال الأعوام الثمانية عشر الماضية.

تنهَّد ضيفي البريطاني ثم سألني -وكرر السؤال- عن الصلة الأيديولوجية التي تربط الشيخ حمد بن خليفة بقوى إسلامية وعروبية في المنطقة. وأجبتُه بأن مفتاح الفهم لفلسفة الشيخ حمد بن خليفة ليس الأيديولوجيا، بل الإستراتيجية.

فهو رجل آمن بتدعيم عناصر القوة في الأمة العربية، وعمل بجد وتجرد في سبيل ذلك، سواء كانت عناصر القوة تلك معنوية أم مادية. وقد تكون بعض القوى الإسلامية والعروبية والليبرالية داخلة ضمن عناصر القوة في الأمة طبقا لرؤية الشيخ حمد، لكن المنظور الذي ينظر به إليها ليس منظورا أيديولوجيا ساذجا، كما تصور بعض من يغمزون في دور قطر ورسالتها، بل هو منظور إستراتيجي مبدئي صلب.

ومن هنا وقوف قطر مع حزب الله اللبناني لما كان رأس الحربة ضد الغزو الإسرائيلي عام 2006، ووقوفها ضده اليوم لما تحول ظهيرا لجزار دمشق. فالسر في نجاح سياسة قطر الخارجية خلال الثمانية عشر عاما المنصرمة هو توجيه بوصلتها مع اتجاه الشعوب العربية، والدوران معها حيث دارت.

وهنا أترك حديث الماضي مع ضيفي البريطاني، لألقي نظرة على الحاضر والمستقبل. إن فهم المدلول العميق لتخلي الشيخ حمد بن خليفة عن الكرسي وهو في قمة العطاء غير ممكن إلا بوضعه في سياق الزمان والمكان.

ربما تكون البصمة التي سيضعها الأمير الجديد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني هي السير قدُماً في إنجاز وعد والده بمجلس شورى منتخَب، وبناء نموذج دستوري قطري، يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الحكام والمحكومين في الممالك العربية

لقد فقدَ أربعة من قادة العرب كراسيهم في العامين المنصرمين: ما بين قتيل مُجندَل، وجريح محترق، وأسير مقيَّد، وهارب جبان. وهكذا تعددتْ مصارع الحكام في أيامنا: هروبا وسَجْنا وحرْقا وقتلا. لكن أمرا واحدا لم يعرفه الحاكم في بلداننا العربية الحديثة، وهو الاستقالة الطوعية بكرامة، إذا استثنينا حالة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان.

وها هو الشيخ حمد يترك السلطة طوعا، وهو عزيز النفس، موفور الجانب، محبوب من شعب قطر، ومن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج. وتلك كلمة حق تعيَّن قولها اليوم في حق رجل لم يسألها قط من الأقلام العربية الوافرة العدد، المقيمة على أرض قطر، والناطقة من منابرها الإعلامية.

كما ترك الشيخ حمد السلطة وهو أصغر حكام الخليج سناَّ، فقدَّم درسا بليغاً لقادة تقدَّم بهم العمُر، ووَهَنَ منهم العظم، واشتعل الرأس شيبا. ولم يفكروا قط بمدِّ دولهم بدماء جديدة، ولو ضمْن السياق العرفي السائد في بلدانهم. لكن القيادة القطرية أخذت زمام المبادرة وبنتْ سابقة في انتقال السلطة لم تعهدها الممالك العربية.

على أن سياق الربيع العربي يتطلب الكثير، وهو أمر تدركه القيادة القطرية المواكبة لحركة التاريخ العربي اليوم. وربما تكون البصمة التي سيضعها الأمير الجديد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني على تاريخ بلاده وتاريخ العرب هي السير قدُماً في إنجاز وعد والده بمجلس شورى منتخَب، وبناء نموذج دستوري قطري، يفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الحكام والمحكومين في الممالك العربية عموما، وفي منطقة الخليج خصوصا.

إن الصراع بين الحاكم والمحكوم في دول الخليج العربية لا يزال صراع حدود، ولم يتحول بعد إلى صراع وجود كما هو الحال في الجمهوريات العسكرية العربية. وهذا مما يمنح نفَساَ وفرصة للحاكم والمحكوم في دول الخليج للتواضع على صيغة تحقق للشعوب شيئا من حقها في حكم نفسها بنفسها، وتحقق للأسر الحاكمة الحفاظ على كرامتها ومجدها التاريخي.

لكن الأمر يتوقف على مستوى وعي الحكام بعمق التحول التاريخي الجارف، واستعدادهم لاستباق الأحداث، والالتقاء بشعوبهم في منتصف الطريق -كما فعل ملك المغرب- قبل أن يتحول صراع الحدود إلى صراع وجود، وهو أمر لا يخدم الحاكم ولا المحكوم في هذه المجتمعات الرخوة، التي تقع في القلب من التجاذبات الإقليمية والدولية.

ورغم حاجة قطر إلى البقاء منسجمة مع سياقها الخليجي، ورغم بعدها عن التوتر بين الحاكم والمحكوم، إلا أن السياسة القطرية التي اعتادت أن تكون اختيارا لا اضطرارا، وفعلا لا انفعالا، تستطيع أن تحول قطر إلى نموذج للإصلاح السياسي السلمي في المنطقة، فتُسهم في تجنيب شعوب الخليج دفع الثمن الفادح الذي دفعته شعوب عربية أخرى.

ومهما يكن من أمر، فإن الصديق والعدو يتفقان اليوم على أن الشيخ حمد بن خليفة كان من أعظم صُنَّاع التاريخ في عصرنا. فقد تحولت قطر تحت قيادته إلى دولة مزدهرة، ثم إلى قاطرة مشحونة بالقوة والفتوة والأمل، تسحب العالم العربي الراكد إلى مسرح التاريخ من جديد، وكل الأمل أن تستمر القاطرة القطرية متجهة وجهة الشعوب العربية، حاملة آمال وآلام الجسد العربي الواحد.

فالشعب السوري ينتظر خاتمة مشرفة لملحمته الدامية من أجل الحرية والكرامة، وشعوب أخرى عديدة تضع عينيها على قطر، وتأمل فيها الخير الكثير.

لقد امتلك الشيخ حمد بن خليفة وجدان الشعوب العربية، لا بالشعارات الجوفاء التي تعقِبها خيبات الأمل الكبرى، كما حدث مع حكام أيديولوجيين من قبل، بل بالنظر الإستراتيجي، والعمل المُنجَز الذي حرَّر الوعي العربي بإعلامه، وضمَّد الجراح العربية بدبلوماسيته، ودفع بالتنمية في قطر وفي العالم العربي باستثماراته. وبذلك وضع الشيخ حمد بَصْمته على تاريخ العرب المعاصر، وترك أثراً لن يمَّحي. وصدق المتنبي إذ قال:
ولا تحسبنَّ المجدَ زِقًّا وقـينةً / فما المجد إلا السيف والفتْكة البِكرُ
وتركك في الدنيا دوياَّ كأنمـا / تداولَ سمْعَ المرء أنملُه العَشْـرُ

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة