عشرية الهزائم الإسرائيلية   
السبت 4/12/1430 هـ - الموافق 21/11/2009 م (آخر تحديث) الساعة 14:41 (مكة المكرمة)، 11:41 (غرينتش)
ماجد الزير


البعد القانوني
العلاقات العامة والإعلام
ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين
العجز عن الحسم العسكري

فقدان زمام المبادرة الأمني
حركة التضامن العالمية
سقوط الهيبة

لم يكن حدثا عابرا تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح تقرير لجنة غولدستون حول الحرب على غزة. فالتصويت الذي أجري في الخامس من الشهر الجاري نوفمبر/تشرين الثاني 2009 بأغلبية 114 صوتا، مقابل 18 وامتناع 44 دولة عن التصويت، يُكمل عشر سنين من الهزائم والانتكاسات الإسرائيلية، في مسلسل الصراع العربي الصهيوني حول فلسطين.

فمؤشرات المنحنى البياني لأحداث العقد الماضي تُنبئ بمستقبل مليء بأحداث في غير صالح الإسرائيليين، وتصبّ في خانة التراجع الواضح لقوة هذا الكيان في السيطرة على مجريات الأمور. ويخالف ذلك صورة القوة التي كانت للكيان إبان قيامه عام 1948، أو عبر العقدين اللذين أعقبا النشأة غير الطبيعية له.

نرى أن العقد الماضي حمل عناوين انتصار للقضية الفلسطينية، مقابل تراجعات إستراتيجية في المشروع الصهيوني واستقراره في المنطقة، وهو ما يمكن رصده كمّا ونوعا. حدث هذا رغم التفوق النوعي في ميزان القوة لصالح العدو الصهيوني في الجانب العسكري والسياسي والاقتصادي. وقناعتنا أن تحقيق النصر للشعب الفلسطيني يأتي ضمن تراكمية من تحقيق توازن في الميزان الإستراتيجي، إلى أن يرجح بالكامل لصالح الشعب الفلسطيني، حتى لحظة استرداد الحقوق كاملة.

البعد القانوني
"
تقرير غولدستون مثل نصرا حقوقيا نوعيا لصالح المظلمة الفلسطينية، والضحايا من الشعب الفلسطيني، ضد الجلاد الإسرائيلي المغتصب, وبالإمكان الاعتداد بذلك، ترسيخا للحقبة القانونية الجديدة من الاجتماع العالمي على إدانة إسرائيل
"
لا غنى عن التوقف عند صدور تقرير غولدستون، المرتبط اسما بالقاضي اليهودي الجنوب أفريقي الذي رأس اللجنة، وتصويت مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لصالحه في الجلسة الثانية المنعقدة للشأن نفسه في جنيف بسويسرا بأغلبية 25 صوتا ضد 6 أصوات، وامتناع 11 عن التصويت، يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول من العام الحالي.

فهذا الحدث يمثل نصرا حقوقيا نوعيا لصالح المظلمة الفلسطينية، والضحايا من الشعب الفلسطيني ضد الجلاد الإسرائيلي المغتصب. وبالإمكان الاعتداد بذلك، ترسيخا للحقبة القانونية الجديدة من الاجتماع العالمي على إدانة إسرائيل وقادتها السياسيين والعسكريين. يعني هذا الإنجاز الحقوقي أن الأغلبية الواضحة من دول العالم أصبحت في وضع لا يمكنها معه أن تتجاوز الفظائع، خاصة بعد الرصد الإعلامي الدقيق واللحظي للجرائم وقت وقوعها.

وعمليا، لم يعد في وسع القادة الصهاينة أن يذهبوا بعيدا في جرائمهم دون وصم ما يقترفونه بأنه خروج عن القانون الدولي، والذي يدخل في دائرة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويقع في المجال الحقوقي ذاته، القرار الذي اعتبر جدار العزل العنصري الذي قسّم الضفة العربية غير شرعي. وذلك عندما أصدرت محكمة العدل الدولية في التاسع من يوليو/تموز 2004 رأيها الاستشاري بشأن الجدار، بناء على طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2003 بشأن شرعية قيام إسرائيل (القوة المحتلة) ببناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

فقد أكدت المحكمة في رأيها الاستشاري آنذاك عدم شرعية بناء الجدار، واعتبرته مخالفاً للقانون الدولي، وطالبت الاحتلال بوقف بنائه وبدفع تعويضات لكلّ المتضرّرين من الفلسطينيين، بما في ذلك القاطنون في القدس الشرقية وما حولها. كما طالبت المحكمة كل دول العالم بعدم تقديم المساعدة للحفاظ على الوضع الناجم عن الجدار، وطالبت الدول الموقعة على اتفاقية جنيف بدعوة الجانب الإسرائيلي لكي يخضع للقانون الدولي الإنساني.

سيتبيّن بالتالي أن السلاح القانوني له أبعاد عدّة مهمة، وأن بالإمكان تحقيق اختراقات على حساب الموقف الصهيوني لو أُحسن توظيفها، وهذا ما حصل بالفعل.

العلاقات العامة والإعلام
إن وفرة الوثائق القانونية المليئة بالحقائق والمعتمدة عالميا تضرب حملة العلاقات العامة الإسرائيلية في مقتل. إنها ببساطة رأس المال الذي اعتمدت عليه حملة العلاقات تلك خلال ستين سنة خلت، تم عبرها حشد العالم الغربي وغيره ضد "الإرهابي الفلسطيني الذي يعتدي على الضحية الإسرائيلي".

ولغاية سنوات قليلة مضت، بل وحتى الآن، يحاول مروجو النظرية الصهيونية و"المشروع الديمقراطي الإسرائيلي"، تسويق الأكاذيب في أوساط الرأي العام الغربي. لكن الذي لم يتوقعوه أن يبادر مصدر محايد ذو مكانة دولية، ومن "أهل البيت"، ليدحض كلّ هذا. حتى إن السفير الإسرائيلي في لندن قد أعرب عن تقديره أن الحرب على غزة أفسدت مجهود ستين سنة من الفعل المستمر لتكريس رأي عام عالمي داعم للدولة العبرية.

يغيِّر هذا من المشهد الإسرائيلي في العالم من موقع الهجوم وتربّع روايتها في الأذهان الغربية، إلى الدفاع المستميت عن موقف متضعضع. وهذا ما عبّر عنه رئيس الكيان الإسرائيلي شمعون بيريز عندما وصف تقرير غولدستون بأنه "نصر كبير للإرهابيين" (المقاومة الفلسطينية). وهنا نرصد تراجعا إستراتيجيا في حقل الإعلام والعلاقات العامة بات يعاني منه المشروع الصهيوني.

لا يمكن تصور كيف خدم التطور التقني على صعيد الإعلام والتواصل، وكيف كان الفضاء المفتوح وانسياب المعلومات ووصول الخبر في سرعة البرق، الرواية الفلسطينية. فهذه الرواية باتت بكل نقائها حاضرة في الذهن العالمي.

"
لا يمكن تصور كيف خدم التطور التقني على صعيد الإعلام والتواصل، وكيف كان الفضاء المفتوح وانسياب المعلومات ووصول الخبر في سرعة البرق، الرواية الفلسطينية التي باتت بكل نقائها حاضرة في الذهن العالمي
"
بل وأكثر من هذا، فإن الإعلام باللغة الإنجليزية الذي يبثّ من الدول العربية، كقناة "الجزيرة" الإنجليزية، قد أوجد مساحة مهمّة تفوّقت على الإعلام الغربي المنحاز للرواية الإسرائيلية في الغالب. وهنا نقول، على سبيل الافتراض المُحال، إنه لو توفرت إبّان نكبة 1948 تغطية إعلامية قريبة، كالتي توفّرت أثناء الحرب على غزة خلال الشتاء الماضي، إذن لكانت أثّرت في تغيير مجريات الأحداث التي أفرزت المأساة الفلسطينية بشكل دراماتيكي. كما أثرت عدسات الكاميرات بالفعل، وفق ما عايشناه، في إحداث ضغط حقيقي على القرار الإسرائيلي بوقف الحرب على غزة دون تحقيق الأهداف المعلنة.

يقع في دائرة الرصد الإعلامي والمرتبط بسمعة الدولة العبرية، كل الأفعال الإسرائيلية اليومية في اضطهاد الفلسطينيين في كل أشكال الحياة، سواء على صعيد المستوطنات أو الجدار أو الزراعة أو المياه أو الترحيل أو هدم البيوت أو نقاط التفتيش، وغير ذلك كثير.

ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين
لم يؤثر البُعد القانوني على الحملة الإعلامية والعلاقات العامة للإسرائيليين فحسب، بل وترك انعكاسات على ديناميكية الحركة في العالم بالنسبة لسياسيي الاحتلال وعسكره، المرتبطين بالفعل الإجرامي ضد الفلسطينيين.

فهم منذ سنوات أضحوا عرضة للاعتقال والمحاكمة. ذلك أن القوانين المحلية في العديد من الدول، ومنها إسبانيا وبريطانيا وبلجكيا، تسمح بالملاحقة القانونية لمن ارتكبوا فعلا إجراميا يمكن تصنيفه على أنه ضد الإنسانية، أو جرائم حرب على أراضي دولة أجنبية.

ففي بريطانيا، مثلا، تم الكشف لأول مرة على لسان المحامي ديفد أوين يوم 19 سبتمبر/أيلول 2002، أن الفعل الذي يقوم به القادة الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني يرقى إلى مستوى ملاحقته ضمن القانون البريطاني.

واستغرب أوين كيف لم تُرفع قضايا ضد المسؤولين الإسرائيليين إلى ذلك التاريخ. جاء ذلك خلال الندوة التي عقدها مركز العودة الفلسطيني، تحت عنوان "من صبرا وشاتيلا إلى جنين.. النتائج الإنسانية والقانونية"، في الذكرى العشرين لوقوع تلك المذبحة المروِّعة. ومن أهمية تلك الندوة أنه قد حاضر فيها، بالإضافة إلى أوين، المحامي البلجيكي مايكل فيرشتراتين، الذي ترافع باسم ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا ضد أرييل شارون أمام المحاكم البلجيكية عام 2002.

وقد التقط بعض ناشطي مؤسسات المجتمع المدني في بريطانيا هذا الكشف القانوني المهم، وتعاونوا مع محامين بريطانيين، فكانت الملاحقة الأولى قبل أربعة أعوام لجنرالات جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومنهم المدعو دورون ألموغ قائد ما تسمى المنطقة الجنوبية بذلك الجيش (تشمل قطاع غزة).

وعلى إثر ذلك، غادر ألموغ بريطانيا على عجل خشية الاعتقال. وتوالت الأحداث الشبيهة، التي كان أحدثها ما جرى مع إيهود باراك خلال سبتمبر/أيلول الماضي، على خلفية دوره وزيرا للحرب خلال العدوان على غزة في الشتاء الماضي. ومن فرط انزعاج الإسرائيليين أنهم بدؤوا الضغط الشديد على الدول الأوروبية المعنية لتغيير قوانينها، وهو بالفعل ما حدث في إسبانيا التي غيّرت القانون على هذه الخلفية.

العجز عن الحسم العسكري
"
برهن الجيش الإسرائيلي في تخوم قطاع غزة على تمام فقدانه القدرة على فرض حسم عسكري, فقد شنّ حربه على القطاع بعد حصار خانق دام سنتين، وحاول خلال عدوانه العسكري إنجاز نصر ميداني ولكن بلا جدوى
"
بدأت الأيام الأول من القرن الحادي والعشرين على وقع العمليات النوعية للمقاومة اللبنانبة، التي كانت تجاهد لتحرير الجنوب اللبناني المحتل منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. وخلال الأشهر الخمسة الأولى وصلت القوات الإسرائيلية إلى حد الإنهاك. ونتج عن ذلك انسحاب مذلّ بقرار من رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك، فاندحرت قواته يوم 25 مايو/أيار 2000 دون قيد أو شرط!

لحق بذلك، يوم 29 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، اندلاع "انتفاضة الأقصى"، التي قلبت الطاولة على واقع فرضه اتفاق أوسلو. فأعلنت الانتفاضة رفض الشعب الفلسطيني لهذا الاتفاق وتبعاته ونتائجه التي رسخها الاحتلال، بينما لم تحرّر الأرض الفلسطينية أو تتحقق السيادة والاستقلال. ولعل الانتفاضة قد وجدت في تجربة لبنانية قريبة تحقيقاً للأهداف الإستراتيجية المنشودة، دون دفع ثمن للعدو.

وسرعان ما تحوّلت الانتفاضة إلى العمل المسلح النوعي في قلب الكيان. وتعاقب إخفاق كافة القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين، بمن فيهم شارون الذي جاء بخطة المائة يوم لإنهاء الانتفاضة. إلى أن اضطر العدو إلى بناء جدار، معلناً عبره عن إخفاقه في السيطرة على عنفوان الشعب المنتفِض والمقاوم.

وخلافا للعقيدة العسكرية الإسرائيلية، في الحفاظ الدائم على مواقع متقدمة مع التلويح بالقوة العدوانية إن لزم، فإنه وللمرة الثانية انسحب الإسرائيليون من جانب واحد ودون قيد أو شرط، عندما غادروا قطاع غزة في صيف 2005. لقد كان هذا نتيجة للعبء شديد الوطأة على كاهل قيادة الاحتلال، والذي كان يشكِّله القطاع بمقاوميه وصواريخهم التي كانت تدكّ المغتصبات الإسرائيلية. وقد اعتبرت فصائل المقاومة الفلسطينية ما حصل نصرا مؤزرا لها، وحدثا له ما بعده من انتصارات.

وقد حاول القادة الإسرائيليون قياس قوتهم واستعادة شيء من الهيبة، فبادروا بتحريك الجيش الإسرائيلي للهجوم على لبنان في صيف 2006، بعد أسر جنديين إسرائيليين من قبل المقاومة اللبنانية. ومرّ شهر كامل دون تحقيق أهداف الحرب الضارية، ميدانيا أو سياسيا، فاستمر مسلسل التراجعات الإسرائيلية عبر إخفاقه الميداني المدوّي.

ثم برهن الجيش الإسرائيلي في تخوم قطاع غزة على تمام فقدانه القدرة على فرض حسم عسكري. فقد شنّ ذلك الجيش حربه على القطاع بعد حصار خانق دام سنتين، وحاول خلال عدوانه العسكري على مدار ثلاثة أسابيع متواصلة، إنجاز نصر ميداني بلا جدوى. جرى ذلك رغم استخدام أكثر من نصف القوة الإسرائيلية بمختلف أشكالها من الجو والبحر والبرّ، إلى أن اضطر جيش الاحتلال إلى إيقاف الحرب دون قيد أو شرط أيضا. وتبقى الصواريخ التي وصلت إلى أربعين كيلومترا في العمق الإستراتيجي الصهيوني في جعبة المقاومة، التي تبدو في جاهزية مستمرة للتصدي لأي عدوان جديد.

فقدان زمام المبادرة الأمني
شهدت الأعوام العشرة الماضية سقوطا لأسطورة الأمن الإسرائيلي المُحكم، والقدرة الإسرائيلية على المباغتة وعلى معرفة الصورة واضحة بأدقّ التفاصيل لكل ما يعرَّف بأنه عدوّ. انتكاستان أبرزتا أن هذا الجانب الأمني الإسرائيلي لا يقل سوءًا في تراجعه عن الجوانب الأخرى.

فقد أخفقت أجهزة المخابرات الإسرائيلية المتمرِّسة في معرفة مصير جندي الاحتلال جلعاد شاليط، الذي أسرته المقاومة الفلسطينية في شهر يونيو/حزيران 2006، وما زالت تحتفظ به لغاية الآن. بل إن قيادة الاحتلال خاضت حربا وحملات عسكرية كان أحد عناوينها استعادة هذا الجندي، لكنها جرّت أذيال الخيبة بإخفاق مهمتها تلك.

"
الجدار العنصري الذي شقّ الضفة الغربية طولا وعرضا، يجسِّد عجزا أمنيا ذريعا لجهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلي (الشين بيت) في معرفة دقائق الأمور لدى خلايا المقاومة الفلسطينية
"
وبالسيناريو نفسه، خاضت القيادة الإسرائيلية حربا لتحرير اثنين من جنودها لدى المقاومة اللبنانية، فوصلت الحرب إلى طريق مسدود، دون تحقيق الهدف. فبقي الجنديان في الأسر. ثم اضطر الجانب الإسرائيلي إلى الإذعان لمبادلة الأسرى. وقد كان لافتا تسجيل تراجع آخر في الموقف الإسرائيلي، عنوانه الموافقة على تحرير أسرى لبنانيين معرّفين إسرائيليا في دائرة المستحيل إطلاق سراحهم. ونعني هنا الأسير المحرر سمير القنطار.

كذلك، يمكن اعتبار جانب من خلفيات إقامة الجدار العنصري الذي شقّ الضفة الغربية طولا وعرضا بمسافة أكثر من 600 كيلومتر وبعرض 30 مترا وبارتفاع 8 أمتار، على أنه يجسِّد كذلك عجزا أمنيا ذريعا لجهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلي (الشين بيت) في معرفة دقائق الأمور لدى خلايا المقاومة الفلسطينية، وفقدانه الأمل في السيطرة عليها.

حركة التضامن العالمية
تفاعلت حركة التضامن العالمية مع فلسطين منذ صيف 2001. جرى ذلك منذ أن عُقد مؤتمر ديربان العالمي لمناهضة العنصرية في جنوب أفريقيا، الذي كان تظاهرة عالمية فاعلة لمنظمات المجتمع المدني، التي خرجت بإعلان يتضمّن وصف الدولة العبرية بالعنصرية. وقد تبلور شكل ما لحركة التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، وتعدى ذلك للبيان الرسمي للدول بالاعتراف بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني. وكان لكاتب هذه السطور شرف المشاركة في المؤتمر.

وتبع ذلك، ومع كثافة الاضطهاد الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، نشوء حركة المقاطعة العالمية الشعبية للكيان الصهيوني، حتى الأكاديمية منها التي تعدّ من المقاطعات الجديدة، والتي اعتبرها القادة الصهاينة مؤذية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التطور لم يكن عفويّا، بل جاء بتصويت من النقابات الجامعية للمعلمين. وتلحق بذلك المقاطعة التجارية للمنتجات الإسرائيلية، خاصة من المغتصبات، وللمحلات التجارية التي توردها كمتاجر "مارك أند سبنسر" في بريطانيا.

وفي سياق حركة التضامن، لا تغيب عن الأذهان سلسلة المظاهرات بمئات الآلاف دعما للقضية، وإدانة للاحتلال الإسرائيلي واعتداءاته، التي عمّت العالم، واندلعت شرارتها الأولى بعد أحداث مخيم جنين في ربيع عام 2002. ونسجِّل أن المبادرة الأولى، التي كانت البادرة الأولى التي اخترقت جدار الصمت بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، كانت اعتصاما أقيم أمام مكتب رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير يوم 30 مارس/آذار 2002، وشارك فيه 2000 متظاهر. لقد أذاب ذلك شيئا من حالة الترقب والحذر في أواسط الداعمين للقضية الفلسطينية حول العالم، حتى إن المظاهرة التي تلتها في منتصف أبريل/نيسان، أي بعد أسبوعين، قد احتشد فيها 50 ألف شخص.

أما على الصعيد الرسمي، فقد أضحت دول مهمّة وكأنها شبه عدوّة للدولة العبرية، الأمر الذي لم تكن تجرؤ كثير منها عليه من قبل. فهذه فنزويلا وتركيا، بما يحملان من ثقل مهم، بلغا مبلغا لافتا للانتباه في إبداء مناهضة للاحتلال الإسرائيلي وممارساته.

كما يبدو هنا حشد من النواب الأوروبيين الذين انتقلوا إلى خانة المدافع عن الشعب الفلسطيني بشراسة. وقد ذهب هؤلاء بعيدا في إظهارهم الدعم للشعب الفلسطيني، بسلسلة قوافل كسر الحصار بحرا وبرا، وذهابهم لمقابلة قادة حماس وبشكل علني في غزة ودمشق. وهذا ما يعدّه الإسرائيليون كسرا لحواجز المحرمات الصهيونية، على كل ما يمتّ للغرب بصلة. بل رتّب هؤلاء لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لقاء متلفزا في البرلمان البريطاني، تحدث فيه عن القضية الفلسطينية وأبعادها ومواقف المقاومة.

سقوط الهيبة
"
الصورة ليست وردية لدى الطرف الفلسطيني, ولكننا نتناول صراعا ممتدا يشهد تحوّلات مهمة, والنصر لا يأتي وليد حدث منبتّ وإنما ضمن ظروف معقدة ومتشابكة تصبّ في خانة من يوظفها توظيفا صحيحا
"
لقد جاءت الأعوام العشرة الماضية بنُذر سوء للصهاينة بصعود خط المقاومة الفلسطيني بشكل مضطرد. وقد استطاع هذا الخط أن يشكل بديلاً للشعب الفلسطيني، مقابل نظيره التفاوضي الذي كان شريك التسوية للإسرائيليين، يحققون به شيئا من الحضور العالمي عبر ظهورهم بمظهر الحريص على السلام.

وقد أفشل الخط المقاوم مخططاً إسرائيليا للحصول على شرعية انتخابية لـ"شركاء السلام". وكان الفضل في ذلك للشعب الفلسطيني، الذي استعصى على التهديد، واختار في صندوق الانتخاب يوم 26 يناير/كانون الثاني 2006 الخط المقاوم، الذي عبّرت عنه حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي.

وقد تجلى هذا الاستعصاء في صمود شعبي أسطوري أبداه الشعب في غزة في مواجهة الجوع والحصار عبر ثلاث سنوات قاسية. ولحق بذلك حرب ضروس، أحرقت غزة وقتلت 1400 من أهلها وجرحت 5000 معظمهم من المدنيين. ومع ذلك لم تلن للشعب عزيمة، ولا أظهر استكانة. وقابل ذلك حالة انعدام وزن، وارتباك لدى الصهاينة، بدت ملحوظة على أكثر من صعيد، وهو ما كشف عنه في أوضح صوره تقرير غولدستون وتفاعلاته.

لا يعني كلّ ما تقدم أن الصورة وردية لدى الطرف الفلسطيني. ولكننا نتناول صراعا ممتدا، يشهد تحوّلات مهمة لصالح الشعب التواقّ للحرية. فالنصر لا يأتي وليد حدث منبتّ عن سياق الصراع، وإنما ضمن ظروف معقدة ومتشابكة تصبّ في خانة من يوظفها توظيفا صحيحا.

ونحن هنا نعتقد جازمين أن العاقبة للشعب الفلسطيني المثابر على استعادة حقوقه. ولهذا فنحن بقدر وعينا للمهام الذاتية وأعبائها الثقال، نحتاج في المقابل إلى إدراك التراجع الإسرائيلي، وتسليط الأضواء على أبعاده. ففي المشهد متغيِّرات جديرة بالملاحظة وكفيلة بأن ترفد الروح المعنوية لشعب واقع تحت الاحتلال والعدوان والحصار، فتعينه في كسب صراع الإرادات الطويل والممتدّ.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة