داعش.. نتيجة متأخرة لحدث متقدم   
السبت 1435/10/14 هـ - الموافق 9/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)
ربيع الحافظ


وقع المحذور وأعلنت داعش دولة الخلافة. الناس بين رافض وغير متفائل، والعلماء بينوا حكم الإسلام بخطوة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) وحذروا من عواقبها.

كان دخول داعش مدينة الموصل قد قوبل بحفاوة الأهالي الذين انعدمت خياراتهم تحت قبضة جيش حكومي طائفي أذاقهم ألوان الذل على مدى 11 عاما، وزاد في الارتياح اختفاء حواجز التفتيش وتوقف مسلسل الاغتيالات اليومي والخطف، وأحست المدينة أنها تتنفس الهواء للمرة الأولى منذ عام 2003.

ما زالت الأجواء العامة بعد شهرين من سيطرة داعش تعيش هدوءا حذرا، ولا يتوقع كثير من الناس أن يصمد التعايش السلمي الهش القائم بين داعش والأطراف الأخرى أمام تصرفات داعش التي لا تحوز على رضا الموصليين.

هذه كلها يوميات حدث، ويبقى التساؤل: كيف يفضي مرور الوقت في حياة المجتمعات إلى نشوء مدارس منفلتة عن الإطار الفكري الذي استتب عليه حال الأمة، وينفتح الطريق أمام عصبة من الشباب للتصدي إلى كبرى الفتاوى الشرعية انتهاء بإعلان الخلافة؟

التطرف كالاعتدال، ظواهر اجتماعية تستفزها تغيرات عميقة وثابتة تجتاح المجتمع ويقتضي نضجها ثم ظهورها على السطح حيزا من الزمن تنضج خلاله اشتقاقات فكرية وطرائق تعبوية لا يألفها المجتمع في الظروف العادية قبل أن تتحقق للظاهرة قاعدة جماهيرية
لابد قبل الإجابة عن هذا التساؤل من تثبيت حقيقة وهي أن التطرف -كالاعتدال- ظواهر اجتماعية لا تنتمي إلى صنف ردات الفعل الآنية، تستفزها تغيرات عميقة وثابتة تجتاح المجتمع ويقتضي نضجها ثم ظهورها على السطح حيزا من الزمن تنضج خلاله اشتقاقات فكرية وطرائق تعبوية ما، لا يألفها المجتمع في الظروف العادية قبل أن تتحقق للظاهرة قاعدة جماهيرية. هذا الشرط الاجتماعي ضروري لحصر المساحة الزمنية والجغرافية لعملية البحث عن الإجابة.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وجد في قاموس صراع التوازنات الدولية ما كان يعرف بـ "المسألة الشرقية" وهو العنوان الذي خاضت أوروبا تحته معركتها مع النظام الإقليمي في الشرق الإسلامي ممثلا بالخلافة العثمانية. وكأي منتصر كان أول ما شرع به الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى هو تفكيك دعائم الطرف المنكسر، والتأكد من نزع آليات إمكانية عودته من جديد. وما قام به المحتل الأميركي مع نظام الحكم في العراق في عام 2003 من حل للجيش والشرطة وإقصاء أطقم التعليم في الجامعات وأطلق عليه "اجتثاث البعث" هو أقرب مثال في الذاكرة الحية على ذلك.

ما كشف عنه جون فيلبي (كبير جواسيس الإمبراطورية البريطانية) في أعقاب الحرب العالمية الأولى يضع تعريفا لشخصية الطرف الذي انتظرته عملية التفكيك.

يقول فيلبي "هناك قطعة جغرافية فسيفسائية التركيب اسمها الوطن العربي، أهلها تأثروا بالغرب على الصعيد القومي ولكن قوميتهم العربية ظهرت في عالم مسلم، وسقطت الخلافة في الباب العالي لكن آثارها مازالت قائمة، واعتقد الناس أن المسألة الشرقية قد انتهت بمولد معاهدة سايكس بيكو، ثم اتضح خطأ اعتقادهم حيث بقي المسلم السني الذي كان يمثل القدس أو بيروت أو دمشق أو بغداد في مجلس المبعوثان (النواب) هو الذي يمثل الزعامة العربية بعد زوال العهد العثماني ومولد الدول العربية المستقلة، وهكذا لم تسقط المؤسسة التي كانت امتدادا للإمبراطورية العثمانية بل بقيت بعد سقوطها تتصدر القيادات العربية في كل عاصمة عربية، وبقيت العائلات العربية السنية التي كانت تمثل بلادها لدى الباب العالي هي التي تتزعم وتقود بلادها بعد زوال الأتراك".

مضى نصف قرن قبل أن تبدأ المؤسسة السنية بالانهيار أمام ضغوط الفرق والملل والطوائف والمذاهب فيصبح وداعها وداعا للمسألة الشرقية نفسها، ولم تغب هذه الحقيقة عن أذهان العالم الخارجي، فقد أدركتها إسرائيل في عام 1948، وأدركتها أميركا وإيران كما أدركتها فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي، واتفق الجميع على ضرورة "سحق" الشارع السني أو تقليم أظفاره وخلق زعامات "غير سنية" من "أقليات دينية" معروفة قادرة على أن تتحداه وتنتصر عليه.

كان الشارع السني (عربا وأكرادا وتركمانا) بمؤسسته الدينية هو دعامة النظام الإقليمي في الشرق الإسلامي، لكن اجتثاث أهل السنة على شاكلة اجتثاث البعث في 2003 لم يكن خيارا واقعيا، فقد كانوا العمود الفقري الثقافي والإداري والعسكري للنظام الإقليمي الزائل، ومن دونهم يتعذر بناء وإدارة الدولة التي ينشدها المحتل، وكان لزاما هدم الحائط العثماني وإعادة استخدام "لبناته" في بناء صرح لا يشبه الأصل.

كان من معالم إعادة البناء تأميم المؤسسة الدينية وجعلها دائرة ملحقة بالنظام السياسي الجديد فيما بات يعرف بوزارات الأوقاف، وأقفلت المدارس الدينية الأهلية التي كانت تقوم عليها البيوتات السنية الميسورة والتي كانت تغذي المجتمع بالعلماء والدعاة والمصلحين، وتحوّل العالم والخطيب إلى موظف يعكس واقعه المعاشي ازدراء الدولة بما يمثله ومن ثم إلى موقع اجتماعي يعزف الشاب عنه. في المقابل غض النظر عن المؤسسات الدينية للأقليات التي منحت استقلالا ماليا وإداريا.

بعد قرابة نصف قرن على نشوء الدولة القُطرية الحديثة (نهايات النصف الأول من القرن الماضي) كانت المجتمعات العربية قد تمكنت من قطع شوط مهم على طريق ترميم هويتها واستعادة حواسها البصرية والسمعية والشمية، والالتئام التدريجي مع قيمها ومن ثم صياغة رؤى سياسية يفترض أن عملية التفكيك حسمت أمرها.

لو أن قطع أحجية الصورة المقطعة جمعت فإن الصورة الكاملة الناجمة ستظهر بجلاء أن الأنظمة السياسية هي من صنع داعش وأخواتها من قبلها عندما أهانت المؤسسة الدينية وأذهبت هيبتها في أعين الجماهير فتعطل دورها الجماهيري

في النصف الثاني من القرن الماضي (في ثلثه الأخير على وجه التحديد) عمّت المجتمعات العربية ما عرف بالصحوة الإسلامية التي أوجدت وعيا ثقافيا دينيا وجماهيريا ساخطا من موقف الأنظمة السياسية من مسلسل انتكاسات سياسية وعسكرية وهجمات ثقافية ضربت المجتمعات وهددت هويتها ووجودها، فلجأت الأنظمة إلى تجيير المؤسسة الدينية المؤممة لقرارها السياسي، وكانت النتيجة هي ظهور طبقة من "العلماء" وصمها الناس بالنفاق عهد إليها "تشغيل" المؤسسة الدينية وعملية صناعة الفتوى بمواصفات رسمية.

أوجدت هذه المرحلة فرزا عميقا بين هذا الصنف من العلماء، وبين صنف آخر نأى بنفسه بالكامل عن المشهد ليمنع من قبل الجهات الأمنية من دور الإرشاد على نحو فردي ما سبب إخلالا ملحوظا في دور الإرشاد الاجتماعي العام.

الصورة الثلاثية الأبعاد التي رسمها فيلبي حول تفكيك المنظومة الإستراتيجية للمجتمعات السنية وتطويقها ببدائل طائفية آخذة بالتحقق اليوم على نحو مضطرد باعث على القلق. ما يبعث على مزيد من القلق هو تورط الأنظمة السياسية التي تحس بالضعف في تحالفات مع أقليات طائفية في صراعها الطويل مع مجتمع لم ينتخبها ولا تحترمه.

ما يحدث في المجتمعات العربية هو إخلال في النمط التقليدي الذي تدار فيه هذه المجتمعات الذي تمثل فيه المؤسسة الدينية المرشد الاجتماعي الذي ينزل الناس عند أحكامه في النوازل، ويسود شعور جماهيري أن تهميش المؤسسة الدينية هو فصل متمم لفصول في المسألة الشرقية.

لو أن قطع أحجية الصورة المقطعة جمعت فإن الصورة الكاملة الناجمة ستظهر بجلاء أن الأنظمة السياسية هي من صنع داعش وأخواتها من قبلها عندما أهانت المؤسسة الدينية وأذهبت هيبتها في أعين الجماهير فتعطل دورها الجماهيري، ليتقدم صبية بعضهم صادق وآخر مغرر به وثالث انتهازي لملء دور شاغر أمام أزمات جسام تهدد الأمة في هويتها ووجودها، فانتقلت دار الفتوى من الحواضر (مكانها الطبيعي) إلى قمم الجبال، وما إن دب الضعف في الأنظمة حتى نزل "الشيوخ" من الجبال فحكموا الحواضر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة