أمن الخليج وإشكالية الدور العربي   
الأحد 1/11/1428 هـ - الموافق 11/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)


عبد الجليل زيد المرهون

- مقومات بنيوية وارتباطات وثيقة
- غياب الرؤية وإشكالية التوصيف
- تجربة تاريخية وجلة
- لا دور عربيا اليوم

من الوضع في العراق إلى البرنامج النووي الإيراني، وصولاً إلى مؤشرات الإنفاق العسكري المتنامية وسباق التسلّح غير المنطوق في المنطقة تبدو بيئة الأمن في الخليج على درجة كبيرة من السيولة، حيث يتزايد المؤثرون الأساسيون يوما تلو آخر، ولكن من دون أن تعثر على معطى يحقق لها قدراً من التوازن، أو يُشّكل فيها نموذجا مستقرا للردع.

وفي ظل هذا الوضع الجلي في تعقده بدا أن العرب قد غابوا عن ممارسة دورهم الطبيعي أو المفترض، وأنهم قد دفعوا تالياً ثمن هذا الغياب.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن النظر إلى أمن الخليج خارج سياق الأمن القومي العربي، وما يختزله من تطلعات وتحديات.

"
المقاربات المتداولة على الصعد الرسمية العربية بشأن أمن الخليج ليست هي ذاتها المتداولة لدى الباحثين والخبراء العرب، إذ تتجه التصورات الرسمية لوضعه في إطاره العسكري الكلاسيكي، بينما يتجه الدارسون إلى تأكيد الأبعاد المختلفة لهذا الأمن، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
"
مقومات بنيوية وارتباطات وثيقة
إن معطيات الجغرافيا والتاريخ ووحدة الإطار الثقافي والنمط الكثيف من التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية تجعل أمن الخليج جزءا أصيلا من الأمن القومي العربي، على أنه لا يجوز النظر إلى العلاقة بين الأمنين باعتبارها ذات مرتكزات جامدة وموروثة، ففي ذلك استغراق في التاريخ وقفز على الواقع وحركيته.

بيد أن الحذر في التوصيف لا يلغي بحال من الأحوال حقيقة أن علاقة الخليج بمحيطه العربي هي علاقة انتماء وهوية ووحدة مصير.

ويمثل المعطى الأيديولوجي بُعداً بنيوياً في علاقة الخليج بمحيطه العربي، لأنه حيثما تمثل وحدة الخيار الأيديولوجي أرضا تبنى عليها المصالح والتطلعات المشتركة أو تقارب ذلك، وحيثما يمثل الأمن شرطا لصون هذه المصالح والتطلعات، فإن أمن الخليج يغدو بالضرورة قضية عربية.

على أن وحدة الربط الأيديولوجي تفوق في مداها مسألة الأمن بما هو غياب للخطر أو التهديد، لتلتصق بجوهر الخيارات الاجتماعية والسياسية للدول والأقاليم.

كذلك، يمكن النظر إلى العامل الجغرافي باعتباره بُعداً جوهرياً على مستوى الربط بين أمن الخليج والأمن القومي العربي، لأن مضايق هرمز وباب المندب والسويس ترتبط فيما بينها ارتباطا وثيقا على مستوى الحاسة الإستراتيجية، وأن الأمن القومي المصري يتأثر بالضرورة ببيئة الأمن في الخليج وبحر العرب.

وبدوره، يُمثل النفط بعداً هيكلياً آخر على مستوى علاقة أمن الخليج بالأمن القومي العربي، لأن الاقتصادات العربية هي في مجملها اقتصادات نفطية إما مباشرة أو بالتأثير. وحيث أن النفط العربي يجد ثقله في الخليج فإن أمن هذا النفط هو في التحليل المباشر أمن العرب.

ومن جهته، يجسد المعطى الديموغرافي ركناً أساسياً في علاقة أمن الخليج بالأمن القومي العربي، ففي ظل الندرة السكانية للمنطقة تبدو فرص إنجاز الأمن الإقليمي أمام تحد يصعب التغلب عليه دون الارتكاز الكلي أو الجزئي على العمق البشري العربي.

ولا نقصد بهذا القول تعريب جيوش المنطقة أو عسكرة دولها بقوات عربية، بل ضرورة وجود اتفاقيات للتعاون العسكري بين الخليج ومحيطه العربي، وعلى أن تكون هذه الاتفاقات ذات أهداف وآليات واضحة، على صعد ثنائية وجماعية، وأن تستند إلى أرضية سياسية صلبة، وشعور مشترك بوحدة التطلع والمصير.

غياب الرؤية وإشكالية التوصيف
وعلى الرغم من كل هذا الترابط المصيري، تتبدى أولى معضلات الدور العربي في غياب الرؤية الموحدة أو المجمع عليها لقضية الأمن في الخليج، كما أن أدبيات جامعة الدول العربية لا تُقدم طرحاً محدداً على هذا الصعيد، وأن غياب هذه الرؤية يبقى سمة ملازمة لكثير من أقطار الوطن العربي.

كذلك فإن الأطروحات والمقاربات المتداولة على الصعد الرسمية العربية بشأن أمن الخليج ليست هي ذاتها المتداولة لدى الباحثين والخبراء العرب، فثمة تباين لجهة تعريف الأمن ذاته، حيث تتجه الكثير من التصورات الرسمية لوضعه في إطاره العسكري الكلاسيكي، بينما يتجه الدارسون العرب في المجمل إلى تأكيد الأبعاد المختلفة لهذا الأمن، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وهذا الاختلاف في الرؤية قد استتبعه تباين على مستوى تشخيص التحديات، وما إذا كانت داخلية المنشأ أم خارجيته، كما قاد التباين في التشخيص إلى تباين أكثر وضوحا على مستوى مقاربات الحلول المفترضة.

وعلينا في الوقت نفسه أن نكون صريحين في الإقرار بأن الجهود العربية لبلورة رؤية محددة لقضية الأمن في الخليج لا تزال جهوداً متواضعة.

إنها شبه غائبة على الصعيد الرسمي العربي، ومحدودة على صعيد الباحثين العرب، ولا وجود لها على مستوى المناهج الدراسية في البلاد العربية، بما في ذلك دول الخليج نفسها.

"
أرادت سوريا من إعلان دمشق كسر عزلتها وتعزيز موقفها في معادلة الصراع مع إسرائيل، وفي المقابل هدفت مصر من هذا الإعلان إلى استعادة بعض نفوذها في الخليج، وخاصة في مواجهة الدور الإيراني الذي نظرت إليه بكثير من الارتياب
"
تجربة تاريخية وجلة

وفي العقد الماضي، مثل "إعلان دمشق" إحدى المحاولات المتعثرة للدور العربي في أمن الخليج، فهذا الإعلان، الذي أتى كردة فعل على تحوّلات عاصفة، لم ينبع من أرضية سياسية صلبة، ولم يُوضع في إطار رؤية متكاملة لأمن الخليج، ولم يكن هناك من توافق على آلية عمله. لقد كان استثماراً متعجلاً لحدث لم ينضج ولم تتضح معالمه.

وفي بعض الخلفيات، يُمكن القول إن الرؤية السورية لأمن الخليج قد بَدت غير بعيدة من الرؤية المصرية في شقها الإطاري، أو لنقل فيما يرتبط بالعلاقة بين هذا الأمن والأمن القومي العربي، بيد أن الفرق بين دمشق والقاهرة هو أن المقاربة السورية على هذا الصعيد قد ارتكزت أساسا إلى قضية الصراع العربي الإسرائيلي.

لقد أرادت سوريا من إعلان دمشق كسر عزلتها، وتعزيز موقفها في معادلة الصراع مع إسرائيل، وفي المقابل هدفت مصر من هذا الإعلان إلى استعادة بعض نفوذها في الخليج، وخاصة في مواجهة الدور الإيراني الذي نظرت إليه بكثير من الارتياب.

وبين العام 1991 والعام 2003 تاريخ الغزو الأميركي للعراق لم يكن هناك من تحول جوهري في الرؤيتين المصرية والسورية للدور العربي في أمن الخليج.

بيد أن المسافة بينهما بدت تتسع على مستوى الموقف من السياسة الأميركية، وبدت دمشق في حالة توتر صريح مع واشنطن، في حين بدت القاهرة وكأنها قد فقدت المزيد من قدرتها على ممارسة دور الوسيط بين الطرفين.

وقد أفضى التوتر السوري الأميركي، ضمن أمور أخرى، إلى زيادة الضغوط على علاقات دمشق بكل من القاهرة والعواصم الخليجية.

وما يمكن قوله في التحليل الأخير، هو إن إحدى نتائج حرب الخليج الثانية، وكذلك الغزو الأميركي للعراق قد تمثلت في تراجع الدور العربي في معادلة أمن الخليج.

وإذ لم يُنظر يوماً إلى دمشق باعتبارها صاحبة ثقل في هذه المعادلة، فإن الأمر بدا مختلفاً بالنسبة للقاهرة، التي خسرت دورها التاريخي في هذه المنطقة.

لا دور عربيا اليوم
وفي حقيقة الأمر، ليس ثمة اتفاق داخل المنطقة على تعريف الدور العربي في أمن الخليج، بل ليس هناك من نقاش إقليمي بهذا الخصوص، وكل ما قد نراه من تعاون أمني أو دفاعي إنما يتم على أسس ثنائية، وتحكمه اعتبارات محلية بالدرجة الأولى.

وكما هو حال بيئة الأمن في الداخل الخليجي جسد العراق اعتباراً من العام 2003 نموذجاً لغياب الدور العربي في معادلة أمن الخليج لأن الحضور الإيراني هناك لم يجد خلفياته في معطيات عراقية وحسب، بل عربية أيضاً.

"
ما لم يكن هناك دور عربي ينتقل من البيانات والخطب الإنشائية إلى الفعل المؤثر والواضح المعالم، فإن الأمن القومي العربي سوف يغدو برمته في مهب الريح
"
فالعرب قرروا من تلقاء أنفسهم العزوف عن العراق والبقاء بعيداً عن ساحته. وكانت النتيجة أن إيران باتت بمعيار النفوذ جارة شمالية للخليج، إضافة إلى جواره الشرقي، وبات الخليجيون يتحسبون لميناء البصرة كما لو كان ميناء بندر عباس.

وإذا أخذنا الدور المصري نموذجاً للحضور العربي، يمكن القول إن القاهرة إذا كانت قد تمكنت في تسعينيات القرن الماضي من جعل الداخل الخليجي، أو بعضه، ساحة للتنافس مع طهران، فإن الداخل العراقي بدا اليوم عصيا عليها، بسبب خصامها التاريخي طويل الأمد مع غالبية القوى العراقية الممسكة حالياً بزمام الأمور في بغداد.

ويمكن القول بصفة مجملة إن العلاقات المصرية الإيرانية قد فرضت نفسها على الخطاب المصري المرتبط بأمن الخليج عامة، وذلك منذ ثمانينيات القرن الماضي. قد تعمّق هذا الأمر بعد حرب الخليج الثانية، التي نجحت طهران في استثمارها باتجاه ترميم علاقاتها مع عدد من دول الخليج.

واتجهت مصر نحو تصعيد خطابها حيال إيران بالتزامن مع ولادة إعلان دمشق، ووصل الأمر ذروته في عام 1992 حين سعت القاهرة لاستنفاد التوتر الخليجي مع طهران على خلفية التحركات الإيرانية في جزيرة أبو موسى ذات القيمة الجيوسياسية الفائقة.

وأثارت حدة الخطاب المصري حينها هواجس بعض دول المنطقة، حين خشيّت من أن يصبح الخليج ساحة لتصفية الحسابات المصرية الإيرانية.

بيد أن الوضع اليوم أكثر تعقيداً مما كان عليه في عقد التسعينيات، فالتوترات المصرية الإيرانية أضحت ممتدة من بغداد إلى بيروت، مروراً بغزة ودمشق، دون أن تستثني الداخل الخليجي ذاته، هذا الداخل الذي أضحى أكثر تأثراً بمجريات الحراك الإيراني ومعضلاته، في حين بدت القاهرة وقد ازدادت بُعداً وتوارياً. وتلك إحدى أزمات هذه المنطقة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن مصر تبقى في الظروف كافة معنية بأمن الخليج ومتأثرة به وهي مدعوة للبحث عن مقاربة لا تنهض على ردود الفعل والحسابات الخاصة، بل تستند إلى مصالح العرب العليا، وتمتلك من الواقعية ووضوح الرؤية ما يجعلها قابلة للتجسيد على أرض الواقع، ومن دون مصر وثقلها القومي، لن يكون هناك دور عربي في أمن الخليج.

إن العراق يبدو اليوم المدخل الطبيعي لأي دور عربي في أمن الخليج، ومتى عزف العرب عنه وتركوه وحيداً يواجه مصيره، فإن مستقبل المنطقة برمتها سيغدو في كف عفريت.

وليس في هذا القول شيء من المبالغة، وعلى الجميع تحمل مسؤولياتهم قبل فوات الأوان. وربما قليلون هم الذين يدركون اليوم كم هو قاس ومؤلم هذا الوضع الذي بات فيه الخليجيون جراء النزف العراقي.

إن الهواجس في هذه المنطقة قد بلغت مستويات غير مسبوقة، ولم تفلح في التخفيف منها كل الطمأنات القريبة أو البعيدة، لأن الناس هنا يرون بالعين المجردة كتل النار واللهيب وهي تتدحرج على الطرف الآخر من الحدود، وحيث بات كل شيء خارج نطاق الضبط والسيطرة.

وما لم يكن هناك دور عربي ينتقل من البيانات والخطب الإنشائية إلى الفعل المؤثر والواضح المعالم، فإن الأمن القومي العربي سوف يغدو برمته في مهب الريح.
_________________
كاتب بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة