تأملات في الخطاب الإصلاحي السعودي   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ جعفر محمد الشايب

تفاعل مشروع الإصلاح في السعودية مع وتيرة التغيرات السياسية الداخلية والخارجية التي مرت بها المملكة بصورة واضحة يمكن رصدها من خلال متابعة الخطاب العام الذي كان يعبر عن طموحات وآمال الإصلاحيين طوال المرحلة الماضية.

وحقق هذا الخطاب توافقا كبيرا وسط النخب الإصلاحية رفع من قيمتها وتأثيرها في القرار السياسي، بل وحشد تأييدا اجتماعيا لمشروعها الإصلاحي وخاصة في المرحلة الأخيرة، مما جعل مطالبها تلتقي مع مبادرات الحكومة في مواقع عديدة. ولكنه من المؤكد أيضا أن هناك إخفاقات مني بها المشروع الإصلاحي وعرضته لحالة من التراجع والضمور المرحلي لأسباب ذاتية وخارجية.

يستعرض هذا المقال مسيرة المشروع الإصلاحي في المملكة عبر استعراض أبرز العرائض والمذكرات التي قدمها الإصلاحيون طوال هذه الفترة وهي: "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله، شركاء في الوطن، والإصلاح الدستوري أولا"، ومعرفة ظروف إعدادها وإعادة قراءة الخطاب السائد فيها، ورصد ردود الفعل عليها من الناحية الرسمية والاجتماعية.


يعتبر اللقاء المباشر مع صانعي القرار في السعودية حالة مألوفة لدى المجتمعات الخليجية بشكل عام والمجتمع السعودي بشكل أخص من أجل تداول الرأي في مختلف القضايا
ورغم محدودية الوسائل المتاحة للتعبير عن الرأي في المملكة بشكل يضمن إيجاد حالة تواصل جماهيري وخلق رأي عام حول قضية معينة عبر الاستفادة من وسائل الإعلام المختلفة، فإن إمكانية التواصل مع صانعي القرار واللقاء المباشر معهم قد تكون من أبرز ما يميز الحالة السياسية في المملكة.

ويعتبر هذا الأسلوب التقليدي والمنمط قبليا حالة مألوفة لدى المجتمعات الخليجية بشكل عام والمجتمع السعودي بشكل أخص، من أجل تداول الرأي في مختلف القضايا ورفع المطالب على اختلاف أهميتها وحساسيتها.

وقد عمل الإصلاحيون السعوديون على تجيير هذا الأسلوب المتبع في المملكة لخدمة مشروعهم عبر إعداد بيانات وعرائض موجهة إلى كبار المسؤولين في القيادة السياسية والعائلة المالكة، والعمل على عقد مجموعة من اللقاءات الثنائية معهم لعرض أفكارهم وتطلعاتهم وسبل تحقيق هذه الإصلاحات.

وثيقة "رؤية لحاضر الوطن ومستقبله" (1/2003):
تم العمل على إعداد الوثيقة في أكتوبر/تشرين الأول 2002 وأرسلت لولي العهد في يناير/كانون الثاني 2003 بعد أن وقع عليها 104 من الشخصيات السياسية والاجتماعية، يمثلون مختلف الشرائح والمناطق وأطياف مكونات المجتمع السعودي.

لخصت الوثيقة مطالب الإصلاحيين الموقعين عليها في خمسة محاور أساسية هي: بناء دولة المؤسسات الدستورية، ومعالجة المشكل الاقتصادي، وتقوية التفاعل بين المجتمع وقيادته، وإطلاق مبادرات إصلاحية، وأخيرا الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني عام.

وشملت هذه المحاور المطالبة بالمساواة بين المواطنين وإلغاء الرقابة والإفراج عن المعتقلين السياسيين وإلغاء منع السفر لأسباب سياسية وإطلاق الحريات العامة وانتخاب مجلس الشورى ومجالس المناطق وإصلاح القضاء وتطوير الخدمات العامة للمواطنين. وفي 22 يناير/كانون الثاني التقى ولي العهد بالموقعين على الوثيقة وتناول معهم القضايا التي طرحوها في بيانهم وأعلن تأييده لهذه المطالب، مؤكدا للجميع مراعاة الظروف التي تمر بها البلاد وإعطاء فسحة من الوقت لتنفيذ هذه المطالب.

هذه الوثيقة اعتبرها الموقعون مرجعية لمشروعهم الإصلاحي وحددوا فيها سقفا لمطالبهم يتناغم مع الجو السياسي العام، ولكن بعض الأطراف الدينية وبالتحديد السلفية أخذت على الوثيقة سيادة الخطاب الليبرالي فيها، منتقدين عدم تقييد الدعوة لإطلاق الحريات وكذلك مشاركة بعض الشخصيات المعروفة "بعلمانيتها".

لقد استطاعت وثيقة الرؤية أن تشكل حاضنا وطنيا لمختلف القوى الإصلاحية والنخب المثقفة التي كانت تفتقد إلى وجود إطار للتعاون والتنسيق بينها. كما أن الموقعين على الوثيقة وجدوا من خلال الأجواء التي وفرتها لهم وتعاطي المسؤولين معها فرصة للتعبير عن ذواتهم والإعلان عن برامج الإصلاح التي كانت بحاجة إلى متنفس لبلورتها ومعالجة جوانبها المختلفة.

وثيقة "شركاء في الوطن" (4/2003):
انبثقت هذه الوثيقة من واقع تفسير وتأطير المواد الإجمالية التي عرضت في الوثيقة السابقة، ووقع عليها 450 شخصية شيعية من مختلف مناطق المملكة بينهم 24 سيدة إضافة إلى علماء دين وأكاديميين ورجال أعمال، وسلمت لولي العهد يوم 30 أبريل/نيسان 2003 في اجتماع حضره 18 من رموز الشيعة في السعودية.

وطرحت الوثيقة تطلعات ومطالب المواطنين الشيعة في السعودية المتعلقة بمساواتهم مع بقية المواطنين ورفع التمييز عنهم وإتاحة الفرص أمامهم في مختلف مرافق الدولة، كما طالبت بتمثيل عادل لهم في الدولة من خلال المشاركة في المناصب العليا ومجلس الوزراء.

أكدت الوثيقة أنها مندرجة ضمن النشاط المطلبي العام وتبنت المطالب الإصلاحية التي سبق أن أعلنت عنها النخب المثقفة في البلاد، كما انطلقت من قاعدة الوحدة الوطنية بحيث لم تحمل في طياتها أية توجهات طائفية أو فئوية، وإنما أبرزت المشكل الطائفي كقضية وطنية ساخنة تنعكس أضرارها على جميع مكونات المجتمع، ومتلمسة هواجس التهديدات الخارجية المتعاظمة ضد وحدة الوطن وسيادته.


استطاعت وثيقة "شركاء في الوطن" تحقيق حالة من التضامن والالتفاف في الداخل الشيعي وحسمت بصورة واضحة موضوع مشروعية المشاركة السياسية والتعاطي مع مؤسسات الدولة
لقد استطاعت وثيقة "شركاء في الوطن" تحقيق حالة من التضامن والالتفاف في الداخل الشيعي وحسمت -بصورة واضحة- موضوع مشروعية المشاركة السياسية والتعاطي مع مؤسسات الدولة، ووطنت المسألة الشيعية ضمن إطارها الداخلي والمحلي بعيدا عن أية مزايدات أو اتهامات لها علاقة بالخارج.

ورغم وضوح أهدافها العامة ومطالبها الوطنية، فإن البعض أخذ على الوثيقة أنها قد تحرف مسيرة المطالب الإصلاحية الوطنية وتحصرها في قضايا فئوية. كما أن أحد رموز السلفيين (الشيخ سفر الحوالي) عبر عن استنكاره لمطالب الشيعة في بيان اتسم بالحدية والعنف وعدم الموضوعية تحت عنوان "الأقلية عندما تتحكم بالأكثرية".

وعلى الصعيد الرسمي لاقت الوثيقة قبولا من مختلف الجهات التي تسلمتها، بل وبدا أن هناك استجابة محدودة لبعض المطالب التي وردت فيها.

وثيقة "الإصلاح الدستوري أولا" (12/2003):
هذه الوثيقة أعدت في الأساس من قبل شخصيات ذات اتجاه إسلامي بهدف تأصيل المطالب الإصلاحية التي سبق أن دعت إليها وثيقة "الرؤية" وجعلها مرجعية لمشروع الإصلاح في المملكة. ووقع على الوثيقة 116 شخصية أغلبها من الاتجاه الإسلامي ومن مختلف مناطق المملكة، وساد فيها الخطاب الديني مؤصلا لمشروعية المطالب الإصلاحية، وأرسلت إلى ولي العهد وبقية المسؤولين يوم 16/12/2003.

وشملت الوثيقة إدانة واضحة للعنف الذي ساد المملكة، معتبرة إياه أحد إفرازات غياب المشاركة الشعبية، ومطالبة بعودة أبسط وسائل المشاركة التي كانت في عهد تأسيس الدولة. وركزت الوثيقة على محاور خمسة رئيسية هي: إقرار الحريات العامة، وانتخاب مجالس برلمانية، والفصل بين السلطات الثلاث، وتعزيز استقلال القضاء، والسماح بحرية تشكيل التجمعات الأهلية والمدنية.

وجاءت في الوثيقة فقرة هي "نداء إلى الشعب" عبارة عن دعوة إلى الشعب للتفاعل مع أطروحة الإصلاح التي تتبناها الوثيقة والمشاركة في المطالبة بها والدفاع عنها.

جاءت ردود الفعل الرسمية غير مرحبة بهذا الطرح وخاصة فيما يتعلق بفكرة "النظام الدستوري"، حيث التقى وزير الداخلية مع أبرز الموقعين على الوثيقة وجرى نقاش مفصل معهم لحثهم على عدم الاستمرار في الدعوة إلى مثل هذا المشروع.

أما على صعيد النخب المثقفة وأطراف الجسم الإصلاحي في المملكة فقد خلق المشروع لديهم حالة من الارتباك الواضح بسبب كون سقف المطالب عاليا، وبسبب طبيعة الخطاب الإسلامي الذي أبرز خشية البعض من التفسيرات المستقبلية لهذه النصوص ومرجعيتها.

* * *

وإضافة إلى هذه الوثائق الثلاث المهمة تواصل النشطاء والإصلاحيون في المملكة في إعداد البيانات والعرائض بمناسبات مختلفة لتعزيز حضورهم في الساحة السياسية ولتفعيل الحالة الاجتماعية.

ومن بين الوثائق التي صدرت وثيقة بعنوان "نداء المثقفين السعوديين إلى الرئيس الأميركي" في مارس/آذار 2003 وفيها إدانة للحرب على العراق، ووثيقة "دفاعا عن الوطن" في يونيو/حزيران 2003 التي احتوت على إعادة المطالبة بالإصلاحات السياسية، ووثيقة "معا على طريق الإصلاح" في مارس/آذار 2004 مؤكدة على ذات المبادئ، إضافة إلى وثيقة "المرأة السعودية" التي طالبت بتعزيز دورها في مختلف المجالات المتاحة.

كما صدر العديد من البيانات خلال هذه الفترة التي شارك فيها المثقفون السعوديون حول أحداث سياسية وثقافية عامة في المنطقة لم يكن لها أي ربط بموضوع الإصلاح ومطالبه.

وأصدرت التيارات السلفية مجموعة من البيانات المختلفة حول قضايا سياسية ودينية هي في الحقيقة ردود فعل على الدعاوى المثارة ضد هذه الاتجاهات من قبل الإعلام الغربي بالتحديد، وخاصة فيما يرتبط بموضوع مناهج التعليم أو الموقف السياسي من الحرب على العراق أو حول موضوع المرأة.

ومن خلال العرض السابق يتضح أن هناك حراكا سياسيا واجتماعيا واسعا في المملكة خلال الفترة المشار إليها، وأن هناك استعدادا للتفاعل معه وتطويره بما يخدم بلورة المشروع الإصلاحي وتوسيع قاعدته الجماهيرية.

ولابد من الإشارة هنا إلى المكاسب التي استطاع المشروع الإصلاحي تحقيقها، خاصة تلك المتعلقة باستجابة الدولة لبعض مطالب الإصلاحيين بصورة أو بأخرى من قبيل الانتخابات البلدية الجزئية، وعقد اللقاء الوطني للحوار الفكري، وبعض الإجراءات التنظيمية للنشاط الاقتصادي والمهني كإقرار قيام بعض الجمعيات المهنية.

ولكن ومع كل ذلك مازال هناك العديد من القضايا العالقة في بنية المشروع الإصلاحي التي تحتاج إلى وقفات عندها، ومن أبرزها:
1- أن المشروع الإصلاحي لم يتمكن من تجاوز نخبويته ويتعاطى بصورة تفاعلية مع المجتمع ليبلور أطروحته بوضوح فيما يرتبط بالحاجات الأساسية واليومية للمجتمع، حيث بقي مقتصرا على الإشارة إلى عناوين كبيرة جامعة قد لا تكون قضايا حقيقية لدى عموم أبناء المجتمع.


يشهد المجتمع السعودي حراكا سياسيا واجتماعيا وتفاعلا مع المشروع الإصلاحي, لكن ما زالت هناك العديد من القضايا العالقة في بنية المشروع الإصلاحي التي تحتاج إلى وقفات
2- أن الإصلاحيين جاؤوا من مشارب واتجاهات مختلفة ومتباينة ولم تتح الفرصة لهم لتجاوز هذه الاختلافات عبر لقاءات مفتوحة وحرة، ولذا فقد بقيت لديهم هواجس ومخاوف متبادلة من أي مشروع قد يحسب لطرف ما أو يمكن تجييره لاتجاه معين، ولذا فيرى الكثيرون أهمية تعميق الحوار الداخلي بين دعاة الإصلاح.

3- الظرف السياسي والأمني أيضا ساهم في لجم حركة الإصلاح وتقليص نشاطها، ذلك أن قراءة المتغيرات والتحولات الداخلية بعد أحداث العنف التي مرت بها المملكة لم تكن دقيقة لدى أغلب الإصلاحيين، مما تسبب في وجود اتجاهات متباينة من هذه التطورات.

4- عجزت الحركة الإصلاحية عن أن تؤسس لها مشاريع عمل مشتركة تهدف إلى بلورة الأطروحات والتمهيد للتعاون بين أطرافها وإشراك قطاعات اجتماعية أوسع ضمن مشروعها الإصلاحي.

5- يفتقد المشروع الإصلاحي إلى برنامج تجذير لثقافة الإصلاح في المجتمع تقوم على التأسيس الفكري والثقافي لمكونات الإصلاح وضرورته وعوائقه، وتستند إلى تأصيل مرجعي شرعي ودراسة لتجارب المجتمعات الأخرى.

6- تنكر المشروع الإصلاحي لتاريخه السابق فلم يتناوله بالدراسة والتحقيق لاستخلاص العبر والدروس. وما عدا ما أشارت إليه وثيقة "الإصلاح الدستوري أولا" من تجربة الدعوة إلى الدولة الدستورية في الخمسينيات، فإن أيا من الوثائق لم تعط هذا الجانب أهمية تذكر.

7- اقتصار نشاط الإصلاحيين على البيانات والعرائض المكتوبة، دون تطويرها لتشمل بقية وسائل منظومة التعبير السلمي عن الرأي، أو تأسيس الأطر والآليات المناسبة التي يمكن تفعيلها في هذا المجال.
_________
كاتب سعودي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة