ما بعد الاحتلال التعاقدي   
الأحد 1/1/1433 هـ - الموافق 27/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)
عبد الحسين شعبان

أكّد الرئيس الأميركي باراك أوباما مجدداً وبلغة لا تقبل التأويل أن الولايات المتحدة ستنسحب من العراق في نهاية العام الجاري 2011. قد تكون انتخابات الرئاسة القادمة سبباً في ذلك، وقد تتعلق المسألة بالوضع الداخلي الأميركي، لا سيما بعد الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة، ويذهب بعض آخر إلى ضغط الرأي العام الأميركي والأوروبي.
 
ولكن أياً كان السبب، فالأمر أثار تساؤلات مشروعة: هل الانسحاب يعني عدم الإبقاء على عدد محدود من القوات الأميركية لتأهيل وتدريب القوات العراقية، لا سيما إذا طلبت بغداد ذلك؟ ثم هل سبق لواشنطن أن تخلّت طواعية عن "وجودها العسكري" من تلقاء نفسها دون أن تترك لها أثراً معلوماً، مثل اتفاقية عسكرية أو أمنية تضمن استمرار مصالحها أو غيرها، إلاّ إذا خرجت مهزومة كما حدث لها في فيتنام، التي شكّلت عقدة لها، صاحبتها في حربها واحتلالها للعراق وما بعد ذلك، فلماذا إذاً تخرج من العراق؟ هل بحسن نيّة أم أنها مضطّرة بعد مقاومة عنيفة لها، خسرت معها ما يزيد على أربعة آلاف وأربعمائة قتيل، وما يقارب الـ30 ألف جريح، فضلاً عما يزيد على 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008؟
 
"
هل انسحاب أميركا من العراق بحسن نيّة أم أنها مضطّرة بعد مقاومة عنيفة لها، خسرت معها ما يزيد على 4400 قتيل وما يقارب الـ30 ألف جريح، فضلاً عما يزيد على 3 تريليونات دولار حتى نهاية العام 2008؟
"
وأظنّ أن وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس كان واضحاً حين خاطب المسؤولين العراقيين خلال زيارة مفاجئة له إلى بغداد في شهر أبريل/نيسان 2011، وبمناسبة الذكرى الثامنة لغزو العراق قائلاً "انتبهوا الوقت ينفد في واشنطن"، إذ إن من المفروض أن تنسحب القوات الأميركية من العراق في نهاية العام الجاري 2011 بموجب الاتفاقية العراقية الأميركية المبرمة العام 2008. ولكن هل سيتم تنظيم بقاء عدد محدود من القوات الأميركية عبر صيغة جديدة أم عبر بروتوكولات بين وزارات عراقية ونظيراتها الأميركية دون الحاجة إلى عرضها على البرلمان أو طلب الموافقة عليها، بزعم أنها "اتفاقيات" تنفيذية؟

وبعدها هل سيحتفظ الجنود الأميركيون بالحصانة القانونية في العراق كما حصل في الاتفاقية السابقة؟ وهل سيستمر العراق في شراء الأسلحة والمعدّات الأميركية، كما فعل في الفترة الماضية، الأمر الذي استوجب التدريب والتأهيل كما جرى تبريره؟ وماذا عن عدد أفراد الشركات الأمنية الذي لا توجد إحصائية رسمية عنه، لا سيما وأن لديهم تعاقدات خاصة مع القوات الأميركية تضمن حصولهم على الحصانة أو تمكّنهم من الزوغان من تبعات القوانين العراقية؟
 
ثم ماذا عن تعويض العراقيين الذين تضرّروا بسبب الاحتلال، فهل سيسدل الستار على المطالبة بحقوقهم المادية والمعنوية من جانب الحكومة العراقية، كما حصل في الاتفاقية السابقة، على الرغم من أن حقهم كأفراد أو حتى جهات حقوقية أو معنوية يمكنهم إقامة الدعوى على المرتكبين الأميركان بسبب ما لحق بهم من غبن وأضرار جرّاء الاحتلال؟ وأخيراً هل إن القوات العراقية مؤهلة حالياً لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية لتستعيض عن دعم واشنطن وقواتها العسكرية في العراق؟
 
وإذا كانت أجوبة هذه الأسئلة واضحة أميركياً، فإنها غير ذلك عراقياً، بل إن الأمر لا يزال مصدر خلاف بين القوى والفاعليات السياسية المشاركة بالحكومة، فبعضهم يريد إلقاء تبعات تقدير ذلك على رئيس الوزراء، وبعضهم الآخر لا يزال ينتظر "أكل الثوم بفم الغير"، أما الجهات الأكثر تعبيراً عن مواقفها الواضحة فهي حكومة إقليم كردستان التي رحّبت لأكثر من مرّة ولأكثر من مسؤول، لا سيما في تصريحات لرئيس الإقليم مسعود البارزاني عن رغبتها، بل وحاجتها إلى وجود قوات أميركية لفضّ النزاعات بين القوى السياسية، لا سيما بخصوص ما تسميه "المناطق المتنازع عليها"، ولا سيما المادة 140 من الدستور بشأن كركوك، وغيرها، وتعتبر الوجود الأميركي ضمانة للعملية السياسية.
 
ومن الجهة الأخرى فإن جماعة السيد مقتدى الصدر حتى الآن ترفض التمديد للقوات الأميركية وتدعو لمغادرتها العراق، وإن كانت قد خفّضت من نبرة التنديد بها أو التهديد بمهاجمتها في حال بقائها، واستمرت غالبية القوى المشاركة تقول شيئاً وتقصد شيئاً آخر، فهي ضد الوجود الأميركي علنياً ولكنها معه، بل بعضها متشبث به تحت الطاولة وفي اللقاءات الخاصة.
 
وأخيراً وليس آخراً ظلّت السرية والكتمان يغلّفان الموقف الرسمي العراقي، مثلما حصل إبان إبرام اتفاقية العام 2008، التي نظّمت "الاحتلال العسكري" بتحويله إلى "احتلال تعاقدي" في إطار قواعد قانونية، وشملت هذه السرّية كل شيء، ابتداءً من تشكيلة الوفد المفاوض ومكان انعقاد الاجتماع وجدول العمل ومشروع نص الاتفاقية، ومع أن السرّية سمة ملازمة للسياسة الرسمية، سواء في ظل النظام السابق أو في ظل النظام الحالي، فإن السرية الحالية في ظل تفكيك الدولة وإعادة بنائها وفقاً لشروط المحتل، جعلت منها عامل هدم وتشكيك، حيث اعتبر الحصول أو الاطلاع على نصوص مشاريع قوانين أو معاهدات أو اتفاقيات دولية مقترحة بمثابة "اختراق أمني"، وبالتالي يجب فرض شكل من التعتيم عليها، كما حصل بخصوص نصوص الدستور وقانون النفط والغاز والاتفاقية العراقية الأميركية، في حين أن السرّية القديمة طبعت جميع القضايا من أصغر الأشياء وأتفهها إلى أكبرها وأخطرها.
 
فحتى غزو الكويت العام 1990 مثلاً لم يطلّع عليه أكثر من ثلاثة (3) أشخاص يمثّلون المثلث الحاكم آنذاك، كما ظلّت ميزانية العراق منذ العام 1976، لا سيما بعض مفرداتها الأساسية، وخصوصاً التي تتعلق بالتسليح والأمور العسكرية سرّية ولم يطّلع عليها أحد أو يناقشها حتى أعضاء قيادة حزب البعث الحاكم نفسه.
 
إن أي عمل يُمارس في الخفاء بعيداً عن أنظار الناس يثير الكثير من الشكوك حوله، لا سيما أن الإكثار في الحديث عن الشفافية والعلانية، وهي منطلقات صحيحة تصبح محطّ امتحان وتساؤل، خصوصاً حين تتم الممارسة بضدها، الأمر الذي يبعث على الريبة والشك، لا سيما انعكاس ذلك على الوضع السياسي والأمني. وهو ما يتطلّب كشفه للرأي العام لمناقشته وإبداء الرأي بشأنه، وعلى الرغم من أن الاتفاقية السابقة كان يفترض عرضها على الشعب للاستفتاء، لكن الموضوع جرى ابتلاعه والسكوت عنه وكأن شيئاً لم يكن ولم يتذكره أحد من الأطراف المشاركة.
"
وقّعت الحكومة العراقية على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة على الرغم من بعض الممانعات الرسمية أو شبه الرسمية، إلاّ أنها لم يكن لديها "بديل" أو "خيار" عن الاتفاقية
"
لقد وقّعت الحكومة العراقية على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة على الرغم من بعض الممانعات الرسمية أو شبه الرسمية، إلاّ أنها -ولا سيما أركانها الأساسية- لم يكن لديها "بديل" أو "خيار" عن الاتفاقية، وإنما كانت تريد استثمار الوقت والمناورة لتحسين بعض هوامش أو شروط التفاوض، وقد يكون للظهور بمظهر الممانع أو الرافض أو المضطر، وهو ما تحاول القوى السياسية سلوكه اليوم باستثناء جماعة السيد الصدر المعارضة للوجود العسكري الأميركي في العراق والكتلة الكردية الممثلة للإقليم المؤيدة لاستمرار هذا الوجود.
 
وقد برّرت الأطراف السياسية المؤيدة سرّاً أو علناً للوجود العسكري الأميركي صيغة التعاقد بين بغداد وواشنطن بالقول إن الاتفاقية ستُخرج العراق من مظلّة الفصل السابع ووصاية الأمم المتحدة، وتارة أخرى خرجت علينا بتبرير حول إمكانية إطلاق الأموال العراقية المجمّدة في البنوك الأميركية، وثالثة انتقدت الأطراف الرافضة كما فعل رئيس الوزراء نوري المالكي عندما قال إنهم عارضوا قبل أن يطّلعوا على نصوصها وصيغتها النهائية، ورابعة بتبرير انسجام هذه الاتفاقية مع مبادئ السيادة وضمان مصالح البلاد!
 
وإذا كان التعارض العراقي واضحاً عشية التوقيع على اتفاقية العام 2008 فإنه لم يكن كذلك لدى الولايات المتحدة وكما جاء على لسان رئيس هيئة أركانها في حينها مايكل مول، فقد حذّرت الحكومة العراقية من عدم توقيعها على الاتفاقية الذي سيؤدي إلى عواقب كارثية، حيث ستضطر الولايات المتحدة إلى سحب قواتها، مما سيعرّض الوضع العراقي لانهيار متوقع تتحمل مسؤوليته والنتائج التي ستترتب عليه الحكومة العراقية.
 
وأياً كان الأخذ والرد والشدّ والحلّ وهو ما يتكرر حالياً، فإن واشنطن استطاعت فرض الاتفاقية السابقة باللين أو بالقوة، واضطرت الحكومة العراقية للموافقة عليها باختيارها أو باضطرارها، سواء جرى تعديل بعض نصوصها شكلياً أم لم يجر، وبالمقابل فقد كان عدم توقيع الاتفاقية يعني بالنسبة لواشنطن اضطرارها لسحب قواتها من العراق، الأمر الذي سيعني انهيار إستراتيجيتها في المنطقة ككل، لكن توقيع الاتفاقية ضمن لها، بقاء قواتها بمسوّغ قانوني لسنوات ثلاث تنتهي في 31 ديسمبر/كانون الأول العام 2011، وبدأت عملية انسحابها على مراحل ويفترض أن تنتهي في نهاية العام الجاري.
 
وحسب القانون الدولي فإن إبرام أية اتفاقية أو معاهدة دولية يمثّل في حقيقة الأمر أحد مظاهر ممارسة السيادة، والدولة الكاملة السيادة هي الشخص القانوني المؤهل في المجتمع الدولي الذي يملك الصلاحية الكاملة في إبرام المعاهدات والاتفاقيات مع غيره من أشخاص القانون الدولي الآخرين من دول ومنظمات.
 
وانطلاقاً مما تقدم فإنه يجب أن تكون للدولة السيادة التامة ليتسنّى لها إبرام الاتفاقيات والمعاهدات، أما بالنسبة للدول ناقصة السيادة كالدول المحمية أو الدول التابعة والخاضعة لنظام الوصاية أو الواقعة تحت الاحتلال، فإن صلاحيتها لإبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية تتوقف على مدى الاختصاصات الممنوحة لها في هذا المجال بموجب اتفاقية الحماية أو التبعية أو نظام الوصاية أو أي نظام أو قرار دولي أخر يمكن أن تخضع له.
 
إلاّ أن عملية إبرام المعاهدة والاتفاقية الدولية في ظل ظروف الاحتلال يطرح ما يُطلق عليه في القانون الدولي مصطلح "المعاهدات المتكافئة" و"المعاهدات غير المتكافئة"، وهذا النوع الأخير من الاتفاقيات ينطوي على انعدام المساواة في المراكز التعاقدية بين أطراف المعاهدة، مما يؤدي إلى اختلال الامتيازات والالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدات، ففي هذه المعاهدات يفرض طرف قوي شروطاً معينة على طرف ضعيف بالالتجاء إلى الضغط والإكراه والتدليس أحياناً وبشتى الوسائل، ونتيجة ذاك ينعدم التناسب بالحقوق والالتزامات بين أطراف المعاهدة خلافاً للمبادئ العامة لعقد المعاهدات الدولية التي تتوجب قدراً معقولاً من المساواة في الحقوق والالتزامات بين الأطراف المتعاقدة.
 
"
عملية إبرام المعاهدة والاتفاقية الدولية في ظل ظروف الاحتلال يطرح ما يُطلق عليه في القانون الدولي مصطلح "المعاهدات المتكافئة" و"المعاهدات غير المتكافئة"، وهذا النوع الأخير من الاتفاقيات ينطوي على انعدام المساواة في المراكز التعاقدية
"
وعند الحديث عن الاتفاقية الأمنية الجديدة أو توقيع بروتوكولات أو تنظيم العلاقة بين بغداد وواشنطن، فإنها لا تخرج عن الحيثيات التي سبقتها، خصوصاً أن توازن القوى لا زال مختلاً بين طرفيها، فأحدهما محتل وقوي ويستطيع فرض إرادته وهو الولايات المتحدة، والآخر محتلة أراضيه وضعيف ولا يملك أوراقاً كثيرة للعب أو للضغط بها، فوحدته الوطنية مفككة والانقسام والتشظي المذهبي والإثني يهدّد كيانية الدولة، والإرهاب والفساد مستشريان على نحو لا مثيل له، والمليشيات والصحوات تتصرفان بمعزل عن الدولة وأحياناً بالضد منها، وهيبة هذه الأخيرة ما تزال مصدر شك وتصدّع!
 
إن هذه اللوحة المعتمة فرضت في السابق على الحكومة العراقية "مرغمة" القبول بشروط الولايات المتحدة، سواء تحت باب "الواقعية السياسية"، كما حاول بعضهم أن يبرر ذلك، أو لرغبة بعض القوى من البقاء في دست الحكم، أو للحفاظ على بعض الامتيازات، أو الزعم أن انسحاب الأمريكان سيؤدي إلى انهيار البلاد التي قد تنزلق لحرب أهلية، وهو ما يذهب إليه بعضهم اليوم أيضاً.
 
ولكن أياً كانت التبريرات والذرائع فإن الحكومة العراقية إذا ما أرادت واشنطن الإبقاء على عدد من قواتها أو قواعدها فإنها ستضطر إلى التوقيع على اتفاقية جديدة أو بروتوكولات جديدة تلبّي الغرض ذاته بعد انتهاء مفعول الاتفاقية المذكورة في نهاية العام 2011.
 
خصوصاً وأن الظروف التي أجبرتها أو "أقنعتها" على التوقيع على الاتفاقية السابقة، لا تزال موجودة، لا سيما بعد تدهور علاقات القوى السياسية مع بعضها البعض، وهو ما أفرزته انتخابات مارس/آذار العام 2010 مع بقاء شواغر في الوزارات الأمنية، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية حتى الآن، وحصول بعض الاختراقات في الوضع الأمني، وارتفاع منسوب العمليات الإرهابية وعمليات كاتم الصوت مؤخراً، خصوصاً باستهداف الأكاديميين والعلماء.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة