قبل أن يصبح المخطئون خاطئين   
الأحد 6/7/1435 هـ - الموافق 4/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)
توجان فيصل



استسهال انتهاك حقوق البشر في العالم العربي والإسلامي, بل والتشريع صراحة لانتهاكها, بات مستشريا بصور مخزية في مواجهة عالم غربي أول ما نتشدق باتهامه به هو الكفر والعلمانية, بينما يفر إليه متهِموه طلبا لفيء حقوق الإنسان والحريات عنده.

هذا الاستسهال يُلزمنا -قبل أن نخوض في واحدة من أخطر التشريعات المؤسسة له- أن نقدم لمقالتنا بحقيقة أن التساهل في شأن حقوق العباد لا يستقيم مع زعم أي إنسان أنه مسلم، أو زعم أية دولة أن دينها هو الإسلام, ناهيك عمن يزعمون "شرعيات" دينية خاصة للحكم.

ففي الإسلام التجاوز إن كان "في حق من حقوق الله يسقطه الاستغفار"، أما "حقوق العباد" فهي "ثابتة إلا أن يحله منها", أي أن مغفرة الله ذاته لا تشملها.

ولهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم من فراش مرض الوفاة ويدعو الناس للمسجد ليقول لهم: من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقا إن كان له أو أحلّني منه فلقيت الله وأنا طيب النفس.

مبدأ مقاضاة القضاة من صميم تشريعات الأنظمة الديمقراطية في العالم كله, بما فيه تشريعات الدول العربية كافة باستثناء الأردن حيث أسقِط من قانون أصول المحاكمات الحقوقية الأردني عام 1952

فهل يملك إنسان أن يضع نفسه في مكانة تفوق مكانة الخالق، أو أقلّه الرسول صلى الله عليه وسلم، بإسقاط حق من حقوق الإنسان لديه أو لدى إنسان آخر مهما كانت مكانته وسطوته, أو يشرّع بمنع المطالبة به أو زرع الصعاب في طريقه؟

نقدم بهذا لأن الحديث عن حقوق الإنسان هو حديث في المطلق وليس في النسبي، والحديث هو عن محاسبة القضاة الذين قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: قاضيان في النار وقاض في الجنة.

ومبدأ مقاضاة القضاة من صميم تشريعات الأنظمة الديمقراطية -وحتى شبه الديمقراطية- في العالم كله, بما فيه تشريعات الدول العربية كافة باستثناء الأردن، حيث أسقِط من قانون أصول المحاكمات الحقوقية الأردني عام 1952.

فقبل ذلك كان المطبق في الأردن هو قانون أصول المحاكمات العثماني، الذي نصّ على حالات ومسؤولية القضاة المدنية، في ما أسماه دعوى "الاشتكاء على الحكام". وإسقاط القانون الأردني لحالة حقوقية كهذه مفصّلة في القانونين: العثماني السابق والمصري المقتبس منه القانون الأردني, وعدم إعادته في تعديل لقانوننا على مدى أكثر من ستين عاما, لا يمكن أن يأتي خطأ أو صدفة.

ولهذا، يسجل لقضائنا احتفاظه لعقود بدرجة عالية من النزاهة, إلا أن الانتقاص المستمر من استقلاله وتغييب محاكمة القضاة وقصرها على محاسبة إدارية سرية بينيّة في المجالس القضائية التي باتت السلطة التنفيذية تسيطر عليها, كان محتما أن يغدو السبب الرئيسي لارتهان القضاء لإرادة السلطة التنفيذية ومصالح شخوصها وإفساده.

والحال "المرعب" حرفيا الذي آل إليه قضاؤنا منذ عقود موثق بكم هائل من الأمثلة -ومرارا بالأسماء- في كتاب "استقلال القضاء" للقاضي السابق (قاضي تمييز ورئيس المجلس القضائي)المحامي فاروق الكيلاني. ومجددا بما استجد في كتاب "دفاعا عن الديمقراطية وأحكام الدستور" للمحامي محمد الحموري ومجموعة من كبار المحامين.

والآن حق المتضررين في مقاضاة القضاة بالتعويض المدني بات مطروحا في الأردن في مشروع قانون معدل لقانون استقلال القضاء. ومن قبل كان النصّ على هذا الحق هو أفضل ما تضمنته حزمة تعديلات دستورية قدمتها لجنة ملكية (ليس هنا مجال تحفظنا على بقيتها), ولكن أغلبية نيابية ردّت ذلك التعديل تحديدا.

واللافت أن مجلس الأعيان (المعين كله من قبل الملك بتنسيب من جهات مختلفة) لم يستعمل سلطته كالعادة في فرض التعديل, مما يؤشر إلى ولاء المجلسين لمن أتوا بهما وليس للشعب، بالنسبة للأول والملك بالنسبة للثاني, وأن من أتوا بهما لا يريدون للقضاء أن يُحاسب كي لا يصر على أن يستقل بل أن يبقى مرتهنا لهم.

إيراد حق المواطنين في مقاضاة القضاة في الدستور واجب, ويبقى القانون مترجما لذلك الحق. وهذا القانون هو أول خطوة إصلاحية اتخذتها الحكومة الحالية, كونها سلطت الضوء على بترٍ جرى لذراع رئيسية من أذرع العدالة، أدى لأن تصبح معاقة حتى بين أقرانها العرب وليس بالمعايير الدولية فقط.

وهو ما سيلزم بإعادة وصل وتفعيل اليد المبتورة بعد وعي الشارع تلك الحقيقة, كما الوعي الدستوري قبله. ومعركة القانون ستكشف الكثير عن حال ما يسمى "الإصلاح الرسمي".

وسبق ذلك ببضعة أشهر أن وضعت مجموعة من القضاة -الشباب في الأغلب- مشروع قانون جديد لاستقلال القضاء، وقدموه إلى السلطة التشريعية التي لم تبد قبولها لبحثه. والمشروع جيد في أكثر من شأن, خاصة في شروط تشكيل المجلس القضائي ورئاسته التي تضمن استقلاله ونزاهته إلى حد بعيد، ولكن هناك أوجه قصور به، منها تغييبه الحق في مقاضاة القضاة.

وقد قلت هذا لواضعي المشروع، فكان ردهم أنهم يقبلون بالمحاسبة ولكن بعد نيل استقلالهم. وهذا صحيح بقدر صحة أن إقرار حق المواطن في مقاضاة القضاة سيجعل القضاة المعارضين لمشروع الاستقلال يؤيدونه.

المحاسبة المطروحة للقاضي محصورة في مطالبته بالحق المدني (التعويض) في حال وقع منه في عمله "غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم، أو امتنع عن الإجابة على طلب قدم له أو الفصل في قضية صالحة للحكم"

المحاسبة المطروحة للقاضي محصورة في مطالبته بالحق المدني (التعويض) في حال وقع منه في عمله "غش أو تدليس أو خطأ مهني جسيم، أو امتنع عن الإجابة عن طلب قدم له أو الفصل في قضية صالحة للحكم", وهي ذاتها النصوص المقابلة عربيا.

وهذه جرائم في أي تعريف, ولكن خطرها المضاعف هنا يكمن في أن يرتكبها "القضاة" الذين هم المرجعية النهائية للناس جميعا في شأن حقوقهم. ولكن بعض هؤلاء القضاة أخذتهم "العزة بالإثم" ويرفضون أن يقاضوا بدورهم عما يثبت أنه لا أقل من الموصوف أعلاه، وما يطلبه هؤلاء هو حصانة تفوق حصانة الملك ذاته. فكون أحكام القضاء تصدر باسم الملك أمر بروتوكولي تشريفي ولا يجعل القضاة ملوكا, وحتما لا يجعل الملك وحكومته مسؤولين عن تلك الأحكام إلا أن يؤدي تغييب المحاسبة القانونية والدستورية لمحاسبة سياسية كما جرى مكررا عبر التاريخ.

"ممارسة السلطة" هي التي تلزم بالمحاسبة دستوريا, وليست هنالك ممارسة لسلطة "حكم" تربط ذلك الحكم بالمسؤولية عن حقوق للبشر محددة ومفصلة, كسلطة "القاضي".

ويأتي احتجاج القضاة مع أن المحاسبة التي تتضمنها المادة ليست "جزائية" كما ينبغي في حالات عديدة بالغة الضرر.

ورغم رفض القضاة المعترضين إعلان أسمائهم, جرى تسريب بعض فحوى اعتراضهم المقدم لرئيس المجلس القضائي بطلب سحب الحكومة مشروع القانون من مجلس النواب (غير جائز دستوريا) للصحافة, ومنه اعتبارهم هذا التعديل "إهانة لهم وللقضاء الأردني. والحال أنه لا يجوز إحالة قضاة للمحاكمة إذا تقدم أي مواطن بشكوى ضد قاض, ومجرد إحالته للمحكمة يحمل إساءة لشخص القاضي".

فإذا كان في مجرد المثول أمام محكمة فيه "إساءة وإهانة" فما شعور "مواطن" بريء تمت محاكمته وإدانته وضاع حقة أو قضى فترة سجن طالت أم قصرت؟! أم أن هذا البريء لا اعتبار لكرامته ولحقوقه لدى من غش ودلّس أو أخطا في حقه خطأ فادحا، لكونه "أي مواطن"؟!

هل يستسهل القضاة أن يتحول "أي مواطن" لسجين سابق يحمل هو وأسرته للأبد وزرا هو منه بريء؟! وكيف يقبل القضاة النظاميون -أو يقبل لهم مجلسهم القضائي- المشاركة في "محكمة أمن الدولة" التي لا تأخذ بالبينة (ثابت في قضايا عدة التناقض الصارخ لحكمين لمحكمة أمن الدولة لذات "معتقلي معان) ولا بأصول المحاكمات (نقابة المحامين قاطعت جلسات تلك المحكمة بسببه) بينما هي تحاكم أبرز قيادات البلد وأشرف شبابه الذي لم تلوثه منفعة وعلى مدى عقود لوطنيتهم ونزاهتهم المشهود لها من الشعب بأسره, وحتى بشهادة لاحقة من ذات القضاة ببراءة بعض من أدانوهم، وكون الأحكام الجاهزة أمليت على القضاة (مسجل اعتراف أمامي وأمام محاميين اثنين أحدهما نقيب المحامين الأسبق الوزير بعدها الأستاذ صالح العرموطي).

أليس في هذا إهانة للقضاء ذاته, قبل أن يكون إهانة لهؤلاء وللشعب؟ بل أليس في هذا إهانة للوطن في مواجهة عالم يدين تلك المحكمة ولا يعترف بأحكامها ولو زعمت أن التهمة "إرهاب"؟

هذا بينما القضاة المتهمون بتلك التهم الخطيرة سيحاكمون في محاكم نظامية "يفترض" (ولا ندري إن كان افتراضنا هذا خاطئا في ضوء حديث القضاة عن الإهانة) أنها تحفظ حقوق المتهمين وكرامتهم، ولن يحاكموا جزائيا بل فقط حقوقيا. وتكرر أن مثلَ رؤساء دول ومن في سويتهم حوكموا أمام محاكم في بلادهم واعتبر ذلك دليل "عدالة" لأن قضاءهم عادل, وليس إهانة لمواقع هؤلاء الرؤساء ولأوطانهم.

حجة القضاة في تبرير التهم التي يمكن أن توجه لهم أنهم يخطئون لكونهم ينظرون كما كبيرا من القضايا. وهذه بإمكانهم رفضها لصالح العدالة، والرفض سيلزم بتحويل ما أنفق على إفساد قضاة بعينهم, أو ما ضاع من مال عام نتيجة تطويع للقضاء وهو ليس بقليل (انظروا ما ضاع فقط في التسويات غير الدستورية لأموال هائلة عامة وخاصة نهبت)، لزيادة أعداد القضاة وجذب كبار المحامين للعمل وتحسين ظروف معيشة وعمل القضاة.

فالاستثمار في القضاء وفي القاضي بما يضمن له استقلالية مالية وراحة معيشية -كأن توفر له التفرغ لقضاياه وتطوير علمه ومعرفته دون أي ضغوط معيشية أو سياسية وتحصينه ضد كل محاولة إفساد- هو أهم وأجدى استثمار لأية دولة.

القضاة -وجلهم مظلوم منتقص الحقوق- خير من يعرف أن الحقوق لا تموت وأن أصحابها قد يستقتلون أو يَقتُلون لتحصيلها. المطلوب هو إعادة الحقوق للجميع, والمظلوم لا يمكن أن يكون له مطلب سوى العدالة

والحقيقة أن "الخطأ" هو أقل ما يمكن أن يحاكم عليه قاض, إذا تم الالتزام بالحق الدستوري للمواطن بالتقاضي على درجتين كحد أدنى، فإذا أخطأ القاضي الأصغر سيصحّحه القاضي أو هيئة القضاة الأكبر.

و"ضمانة" تصحيحه إن كان "خطأ" فعلا أن محامي المتضررين سيوضح في لوائح الاستئناف والتمييز أين جرى الخطأ في العبارة الشهيرة: "أخطأت المحكمة الموقرة في...". وحيث تمنع القوانين عمدا حق استئناف أو تمييز حكم ما, يكون القاضي متواطئا على الحال المؤدي للخطأ الجسيم إن لم يضف "حكما قابلا للاستئناف أو التمييز" في ذيل حكمه. ويكون قضاة الاستئناف أو التمييز متواطئين إن لم ينظروا في الحكم رغم ذلك القانون، وحتى إن خلا من تذييل القاضي الأصغر له.

فالقضاة الذين أقسموا على الحفاظ على الدستور لا يحق لهم قبول خرقه بقانون, بل عليهم أن يحكموا بنص القانون السابق إن كان دستوريا أو بنص الدستور. وقد فعل هذا قضاة عدة في الأردن اشتهر منهم القاضي "كناكرية" الذي رفض أن يحكم بقوانين غير دستورية في مختلف درجات القضاء التي تولاها.

ولو رفض القضاة المجازر عندما ارتكبت بحق زملائهم لكان لهم فيهم عون كبير، ولو توحّد القضاء على استقلاله, ولو أصر على نزاهة الانتخابات التشريعية وأدى دوره فيها، كما يفعل قضاء الدول الديمقراطية, ولم يسكت عن جرائمها خاضعا لقوانين انتخاب غير دستورية, لوجد ممثلي الشعب الحقيقيين وراءه يؤمّنون له ما لا يتاح للحكومات من مكانة وتسهيلات. فالقضاء هو ذراع المشرعين "التنفيذية" لقوانينهم.

كل مظلمة لها وسيلة تصحيح، ولا يفيد التعذر بالخطأ لتبرير خطأ أكبر سوى المغالاة في الغوص في الخطأ لدرجة اللاعودة الخطرة على المخطئين لأنها تجعلهم "خاطئين".

والقضاة -وجلهم مظلوم منتقص الحقوق- خير من يعرف أن الحقوق لا تموت، وأن أصحابها قد يستقتلون أو يَقتُلون لتحصيلها. المطلوب هو إعادة الحقوق للجميع, والمظلوم لا يمكن أن يكون له مطلب سوى العدالة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة