نستطيع أن نتجاوز أميركا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ توجان فيصل

لسنا بحاجة لأن نعيد على القارئ البدهيات التي يعرفها عن الدعم المطلق الذي أعطاه الرئيس الأميركي جورج بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وجداره العازل, بل والشرعية التي أعطاها لمجازره. ولكننا قد نذكر بأمرين توطئة لموضوع مقالتنا هذه, وهما أن هذا الدعم ليس بالشيء الجديد, وأنه لا يمكن التخفيف من غلواء هذا الدعم بادعاء أنه لأغراض انتخابية, وقد تعتدل إدارة بوش قليلا إذا انتخبت لدورة ثانية.


نحن من أتاح لأميركا هذا الانفراد الذي ندفع نحن ثمنه الآن حين أصر حكامنا بمن فيهم السلطة الفلسطينية على أن تكون أميركا "الراعي الوحيد" للمباحثات والضامن الوحيد لها
فنظرية تحسن أداء الرئيس في الدورة الثانية (باعتبار أنه لا حق له في الترشح لثالثة) لتمتعه باستقلالية أكبر بعد زوال ضغط لوبيات الانتخابات, وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني, لا تنطبق على بوش, بل تنطبق على الرؤساء ذوي البرامج والرؤية الناضجة إلى حد يجعل أولى العقبات في طريقها إفهامها لجمهور الناخبين الأقل نضوجا منه. فبوش مجرد واجهة, وهو موضع تندر في وسائل الإعلام الأميركية نفسها.

وبالمقابل لا يمكن الاعتماد على فوز المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية جون كيري, كوننا نعرف موقف الجمهوريين, بل إن هيلاري كلينتون, وهي لا تزيد عن كونها حرم الرئيس, تراجعت عن التصريحات المتعاطفة مع معاناة النساء والأطفال التي أطلقتها لدى زيارتها لغزة, وهي ذات العواطف المطلوب من حريم الحكم إغداقها عند زيارة مناطق مقفرة ومنكوبة بسبب سياسات الزوج الحاكم.

وللإنصاف نقول إنه في دعم المرأة الفلسطينية ربما لم تكن هيلاري تؤدي الدور فقط, كونها كانت ناشطة حقوق وامرأة متعصبة قبل أن تتحول إلى الحريم الذي وراء كل رجل عظيم، ولكنها مع ذلك سحبت كل أقوالها حتى قبل أن يزول صدى صوتها.

سحبت لزوم "الدور الحريمي" ولزوم "تمكين المرأة" على السواء، لتتمكن هي من الوصول إلى مقعد سيناتور، فكيف بمقعد الرئاسة؟!

ولمن يلزمه المزيد من التأكيد, نحيله إلى تصريحات واضعي السياسات "الإستراتيجيين" الذين تتوارثهم الإدارات الأميركية الديمقراطية والجمهورية, أو بالأحرى يتوارثونها هم.

فالإستراتيجيات التي يضعونها هي التي تقرر السياسة الأميركية بإضعاف ما يقررها الرئيس. ولا نقول هذا ذما, بل هو من إحدى المزايا التي تمتع بها شعوب الدول الديمقراطية, حيث إجماع أو توافق أهل الخبرة يعلو على رأي شخص واحد، أو في حال عالمنا الثالث, نزواته.

وهو أمر لو فهمناه لبذلنا جهودا أكثر عمقا واتصالا لمراكمة قناعات عند الشارع الأميركي وتنظيماته المختلفة, بدلا من الانتظار على أبواب رؤسائه في مجيئهم ورواحهم, حتى اعتبرونا, على أحسن حال, "أزلام" كل الرؤساء الأميركيين, بحيث لم نعد نحسب عند حساب الأزلام!

هذا هو حال السياسة الأميركية الآن, ولكنه ليس بالضرورة حال العالم, وليس بالضرورة الحال الذي ستبقى عليه السياسة الأميركية لوعرفنا كيف نتحرك.

فالذين يعطون أميركا الثقة بأنها مطلقة اليد في شأننا هم حكامنا, بمن فيهم رجال "السلطة الفلسطينية" التي كانت قبل زمن ليس بطويل منظمة شعبية للتحرير تملك ناصية الدورين السياسي والعسكري, بتخويل شرعي من شعبها وموافقة, ولو تنصلية, من الأنظمة العربية.

بداية إطلاق أنظمتنا ليد أميركا كانت في مؤتمر مدريد، ولا نريد أن نخوض هنا في جذور المؤامرة التي أدت إلى "مدريد", لا لأنها ليست ذات صلة بموضوعنا, ولكن لأن تسوية تلك الحسابات التاريخية يجب أن تكون داخليا، ونحن هنا لا نبحث في تسويات داخلية وإنما في تسوية دولية, دائمة أو مرحلية (حسب رؤية كل منا لما يجب أن يكون وما هو ممكن) للقضية الفلسطينية.


رغم حاجة أوروبا لمهادنة أميركا ليكون لها دور في المنطقة العربية, سياسي أو اقتصادي, فإن درجة تصديها للاحتلال الأميركي للعراق, ولجرائم شارون في فلسطين, يظل متقدما بمراحل على ما تفعله أنظمتنا
هذا ما يجمع على ضرورته كل العرب الآن، شعوبا وحكاما, وتجمع عليه جميع الفصائل الفلسطينية, بما فيها حماس التي يقال إنها ضد التسوية ومصدر العنف, رغم أنها قبلت بكل مكونات تلك التسوية ضمن ما يدعى أنه غاية التسوية, وفي مقدمتها الدولة الفلسطينية.

ولأن معارضة شأن خطير "كمدريد" لا تعني إدارة الظهر له وترك من نجرمهم بجر العالم العربي إلى "مدريد" مطلقي الأيدي فيما يجري هناك, فإننا كنا نصر على وجوب وجود دور آخر لقوى دولية غير أميركا في هذا الذي يجري. وكان الخيار الوحيد المتاح بحجم قادر على التصدي لأميركا هو أوروبا. ولمن يحكم بمحدودية الدور الأوروبي فيما تلا مدريد من تداعيات وصولا إلى احتلال العراق, نقول إن الذنب ذنبنا نحن العرب.

فقد كانت "مدريد" مؤتمر تسوية لكل شؤون المنطقة, وكانت أوروبا معنية حينذاك بلعب دور أكبر كثيرا في لجم مصالح التحالف الأميركي الصهيوني, ليس فقط خدمة لمصالحها في منطقتنا, بل أيضا لمصالحها في العالم كله, وحتى مصالحها في عقر دارها.

ففي حين كانت أوروبا تتهيأ للبروز ككيان موحد, كان يبرز الصراع بينها كقطب دولي ثان يهدد أطماع أميركا بأن تظل القطب الأوحد بعد سقوط المعسكر الشرقي قبل "مدريد" بقليل.

ونحن -وليس سقوط المعسكر الشرقي- من أتاح لأميركا هذا الانفراد الذي ندفع نحن ثمنه الآن أكثر من أي من كان.

السبب أن حكامنا, بمن فيهم السلطة الفلسطينية, أصروا على أن تكون أميركا "الراعي الوحيد" للمباحثات والضامن الوحيد لها, وقبلنا بتسمية روسيا كراع ثان مدعين أنها ما تزال القطب الدولي الثاني, في حين كانت روسيا غير قادرة على رعاية نفسها والوفاء بالتزام ينزل إلى دفع رواتب موظفيها الرسميين.

أصرت أنظمتنا على أن أي دور أوروبي يجب أن يكون "مكملا" للدور الأميركي, بل وتواطأت على إقصاء أوروبا تماما حين قذف بها إلى "المفاوضات المتعددة", التي يفترض أنها تتناول قضايا مفصلية مثل اللاجئين والمياه التي كنا نعلم أن بحثها لن يتم وأنها ستؤجل لحين استخلاص تنازلات في "الثنائية", تمهد لإملاء إرادة إسرائيل لمصير القضايا المحالة "للمتعددة".

وهكذا كان, رغم عشرات المواقف (لمن كان منا في موقع سياسي منتخب, رغم المقاومة الحكومية لنا, نيابيا أو حزبيا أو نقابيا) والمقالات والمحاضرات وحملات الحشد الشعبي ضد تسهيل انفراد "الذئب برعاية الغنم" كما قلنا بالحرف الواحد.

وكان مجيء الرئيس الفرنسي جاك شيراك للحكم في فرنسا فرصة ذهبية, سواء لما يتمتع به الرجل من مزايا سياسية وقيادية لا تسمح لأميركا بابتلاعه, أو للمنافسة التاريخية بين فرنسا وبريطانيا, أو للحكمة التي أظهرها الديغوليون في التعامل مع العرب حين أدركوا أن حالة الوعي السياسي والثوري العربي تحتم بدء صفحة جديدة من العلاقات تتناسب مع متطلبات استقرار وأمن, بل ورفاه المستعمِر السابق, قبل المستعمَر السابق.

وتلك كانت حكمة فرنسية تدركها الآن أوروبا أكثر فأكثر كل يوم, بعد أن تسبب قفز أميركا إلى لعب دور "الإمبراطورية" الذي كان دوما أحد أوجه عقدة النقص الأميركية تجاه العراقة والحضارة الأوروبية.

وإذا كانت الحروب بين الشرق (ومنه العالم العربي) وأوروبا قد جسد طوال عصور ما قبل تطورالمواصلات والاتصالات "صراع حضارات", فإن التضاد الظاهر والمتنامي بين أميركا وأوروبا نتاج "هوة حضارية" بين أوروبا العريقة وأميركا "جديدة النعمة"، حسب التعبير الاجتماعي المرادف.

ولكن كما اضطر النبلاء الأوروبيون المفلسون للتعامل مع حديثي النعمة, اضطرت واعتادت أوروبا التعامل مع أميركا, بسبب الغزو النازي في الحرب العالمية الذي استنزف قوتهم فأتت أميركا كقوة مرجحة للكفة, وليس كمنقذة كما روجت أجهزة الإعلام الأميركي, وفي مقدمتها السينما الأميركية التي كانت مصدر الخبر المصور قبل التلفزيون, فظهر "الحلفاء" من بين الأضداد.

كما أضاعت الأنظمة العربية الفرصة في دور أوروبي في "مدريد" وما تلاها, أضاعته عند غزو العراق, الذي كان يمكن أن يوقف لو وقفت تلك الأنظمة في صف المحور الفرنسي الألماني في أوروبا التي ما كانت ستنقسم هنا لولا أننا طردناها طردا من "مدريد", وأقنعناها في بداية إعادة توزيع الأدوار الدولية أن طريق التعامل معنا يمر عبر أميركا وحدها.

والآن, ورغم حاجة أوروبا لمهادنة أميركا ليكون لها دور في المنطقة العربية, سياسي أو اقتصادي, فإن درجة تصديها للاحتلال الأميركي للعراق ولجرائم شارون في فلسطين يظل متقدما بمراحل على ما تفعله أنظمتنا مما لا يجدي البتة في تغيير أو تعديل الموقف الأميركي, ولا يشجع بل يحبط أي تدخل أوروبي.

أريد أن يشرح لي أي ممن يدبجون المقالات ويسودون صفحات الجرائد ويزحمون شاشات الفضائيات للحديث عن "الجهود الرسمية العربية لإيجاد حلول للقضية الفلسطينية أو العراقية", ماذا يمكن أن ينتج عن زيارات ملوك ورؤساء العرب لأميركا بعد الذي أعلنته الإدارة الأميركية, ويعلنه معها المخططون الإستراتيجيون الباقون رغم تغير الإدارات, من دعم مطلق لسياسات شارون, وإدانة مطلقة للمقاومة الفلسطينية، وحتى للسلطة الفلسطينية لأنها لم تنجح في تجريد شعبها من سلاحه البدائي الذي يواجه به الدبابات والطائرات الحربية؟!


خلع الرئيس العراقي صدام حسين الذي كان من أكثر الأنظمة رسوخا زعزع وضع جميع الحكام العرب ولم تعد القبضة الحديدية دليل حزم بل دليل ذعر
وهل يستحق أو حتى يستلزم (إن كان ما نقرؤه من تصريحات رسمية عربية هو الحقيقة وكل الحقيقة) تأكيد رأس دولة عربي "لمواقفه السابقة المعلنة من طرق تسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي عبر خارطة الطريق" و"أن يكون انسحاب إسرائيل من غزة جزءا من هذه الخارطة" الذي هو تكرار للدعوة إلى العودة للخارطة, ودون تحديد كيف يكون الانسحاب جزءا من الخارطة.

هل يستحق تأكيد هذا أو يستلزم أن يقطع رؤساء دول نصف الكرة الأرضية ذهابا وإيابا مرة بل وأكثر من مرة خلال أسبوعين؟

وهل تجدي زيارة ثانية لبوش لتغيير التزامه لشارون, إن كان لقاء الزائر الذي وصل استحال او اعتبر غير ذي جدوى من الطرفين أو من أي منهما؟

وهل ينفع التوقف في أوروبا, في محطة أو أكثر, ما دام كل ما يقال للنظير الأوروبي هو أننا "لا نستطيع أن نتجاوز الولايات المتحدة", وأن "الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على التعامل مع الفلسطينيين والإسرائيليين"؟!

هل ينفع هذا في حشد دعم أوروبي, أم ينفع لتثبيط عزيمة أوروبا لو فكرت في الدخول بثقلها لإيجاد مخرج؟!

على أي حال, وسائل التحرك الدولي لم تكن يوما قاصرة على الأنظمة, فللشعوب عند العالم الديمقراطي أوزان تفوق ما تود أنظمتها أن توحي به. ولعل أزمة السلطة الرسمية في العالم العربي الناتجة عن مغالاة حليفتهم أميركا وحليفة حليفتهم إسرائيل, قد أعاد ترتيب الأدوار حيث لم تقصد لا أميركا ولا شارون.

فخلع الرئيس العراقي صدام حسين, الذي كان من أكثر الأنظمة رسوخا, سواء اعتمدنا القبضة الحديدية في الحكم أم اعتمدنا الدعم الشعبي العربي معيارا وضمانة للبقاء (فلم يتحرك الشارع العربي خلف أحد بعد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر كما تحرك خلف صدام), زعزع وضع جميع الحكام العرب, ولم تعد القبضة الحديدية دليل حزم بل دليل ذعر، وإضعاف السلطة الفلسطينية نقل القيادة لرافضي التفاوض، واغتيال القيادات سيوزعها بين الشباب بحيث يستحيل حصرهم.

وهكذا أطلقت طاقة شعبية كانت كامنة كالحمم في جوف البركان, واتخذ فعل المعارضة وتطبيق إرادة الشعوب الممنوع سلميا وديمقراطيا شكل المواجهة المسلحة. والمسلحون بدؤوا يفاوضون الدول لسحب جيوشها. وساذج من يصدق قول أوروبا إنها لا تقبل عرض زعيم القاعدة أسامة بن لادن نفسه, حتى وإن لم تعلن ذلك، فلا أحد يضحي بأمنه لأجل دولة تحدت إرادته وتعدت على مصالحه.
ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة