انتخابات فتح.. صعود الشباب وسؤال البرنامج   
الخميس 1426/11/14 هـ - الموافق 15/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:11 (مكة المكرمة)، 10:11 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

لم تكن نتائج الانتخابات الداخلية التي أجرتها حركة فتح خلال الأسابيع الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة مفاجئة لمن يتابعون الحراك الداخلي في أوساط الحركة منذ عودة قيادتها من الخارج في العام 1994 إثر اتفاق أوسلو ونشوء ما عرف بالسلطة الوطنية الفلسطينية على قطاع غزة ثم على مناطق في الضفة الغربية.

كانت المؤشرات العامة تقول إن قدراً لا بأس به من الغضب لايزال يتوفر في أوساط حركة فتح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من جراء احتكار القادمين من الخارج (كانوا يوصفون بجماعة تونس) لمختلف المفاصل الداخلية في السلطة والحركة في آن معا.

"
حسم مسألة الترشح للانتخابات سيبقى بيد القيادة العليا للسلطة وحركة فتح، وبالطبع تبعا لاعتبارات كثيرة تتعلق بتوزيع المناطق ومعها قانون الانتخاب
"
ومن تابع أخبار السلطة وصراعاتها خلال النصف الثاني من التسعينيات لا بد أنه سمع وعاين الكثير من الجدل حول المناصب والمكاسب ووقائع الفساد الكثيرة التي كانت الصحف الإسرائيلية تتسلى بها بين حين وآخر، كما يستخدمها هذا الطرف ضد ذاك.

أما الشارع فقد كان مصابا بقدر كبير من الإحباط من تلك الممارسات، ووصل به السخط حداً لا يوصف في كثير من الأحيان، قبل أن تأتي قمة كامب ديفد ومن بعدها انتفاضة الأقصى لتغير الأولويات في الشارع الفلسطيني.

ظل هذا الحال قائما طوال النصف الثاني من التسعينيات كما أشرنا، وحين اندلعت انتفاضة الأقصى واندمج الشارع الفلسطيني فيها على نحو غير مسبوق، تصدر الشبان في الحركة مسيرة التضحية والمقاومة، وكانت لهم بطولات وإنجازات مشهودة، لاسيما عناصر كتائب شهداء الأقصى التي شكلت الذراع العسكرية للحركة، ومعها أذرع أخرى أقل أهمية أبرزها لجان المقاومة الشعبية.

يشار هنا إلى أن العاملين في ميدان الفعل المقاوم في فتح لم يكونوا سوى قلة من أبناء الحركة، بينما بقي الآخرون في سياق المتفرجين، ومع أن الكوادر التنفيذية في كتائب الأقصى ولجان المقاومة الشعبية كانت من الأجيال الشابة، فإن الكثير من القادة الفاعلين كانوا من العناصر القادمة من الخارج من الجيل الثاني في الحركة.

وقد استشهد العديد منهم عن طريق الاغتيال، بينما اعتقل فريق آخر، وتبقى ثمة ضرورة للإشارة إلى أن كثيرا من هؤلاء كانوا من أصحاب التوجهات الإسلامية، كما في لجان المقاومة الشعبية، وكذلك في كتائب الأقصى ذاتها.

الآن تأتي الانتخابات الداخلية لتمنح هذا الجيل الذي تصدر مسار المقاومة وضعا طليعيا، لاسيما مروان البرغوثي الذي يقضي عقوبة بخمسة مؤبدات في سجون الاحتلال، إلى جانب آخرين من المناضلين المطاردين والمعتقلين في السجون، الأمر الذي بدا طبيعيا إلى حد كبير، ليس فقط تبعا لذلك الانحياز الفطري من قبل الجيل الشاب إلى من قدموا وضحوا، بل أيضا تبعا لإدراك هذا الجيل لأهمية أن يكون وجوه الحركة من المعروفين بعطائهم النضالي في ساحة شعبية تعشق الأبطال والمجاهدين وتقدمهم على السياسيين.

اللهم إلا إذا توفر من يجمعون بين العمل المسلح والعمل السياسي كما في حالة مروان البرغوثي، أو من يوفرون أشكالا من الدعم السياسي الواضح للمقاومة كما في حالة نائب المجلس التشريعي الفلسطيني حسام خضر وزميله حاتم عبد القادر في مدينة نابلس.

نتذكر هنا أن الانتخابات الداخلية في حركة فتح إنما تمت من أجل الترشيح للانتخابات التشريعية التي ستجري في 25 من شهر يناير/ كانون ثاني القادم، أي أن من فازوا فيها هم الذين سيمثلون الحركة في معركة انتخابية طرفها الآخر حركة مقاومة لها سجل ناصع في ميدان الجهاد والشهداء والأبطال والأسرى، هي حركة حماس.

يشار هنا أيضا إلى أن حسم مسألة الترشح للانتخابات سيبقى بيد القيادة العليا للسلطة وحركة فتح، وبالطبع تبعا لاعتبارات كثيرة تتعلق بتوزيع المناطق، ومعها قانون الانتخاب الذي يقوم على منح نصف مقاعد المجلس التشريعي وهي 132 للقائمة النسبية، أي للحركة بشكل مباشر، فيما ينتخب الباقون وفق نظام الدائرة الانتخابية. وتتدخل الاعتبارات العشائرية بشكل واضح في الترشيح، لاسيما في الضفة الغربية.

"
الانتخابات لم تكن نزيهة بالكامل فقد لعب المال والنفوذ السياسي والعشائري دوراً كبيراً فيها، كما استفاد البعض من قدرته على الحشد والتدليس في حركة لم تعرف الانتخابات الداخلية من قبل
"
وفي القائمة النسبية ستطرح كل حركة أو فصيل قائمة من المرشحين على الطريقة الإسرائيلية "البرايمرز" تتشكل من 66 مرشحا يختارون تباعا وبالترتيب حسب حصة الفصيل من الأصوات والمقاعد، ما يعني أن الأرقام التي تلي الرقم المتوقع لحصة الفصيل لن تكون مهمة، بل هي مجرد تكملة للعدد فقط لا غير.

ثمة أسئلة وملاحظات كثيرة تستحق أن تطرح في سياق نتائج الانتخابات التي نحن بصددها، أعني الانتخابات التمهيدية، ذلك أن سقوط العديد من رموز الحرس القديم لم يكن إلا في الحالات التي تتعلق برموز لا يملكون الثقل العشائري، كما لا يملكون الكثير من السلطة والثروة، كما هو حال صخر حبش عضو اللجنة المركزية في الحركة وأحد القادة التاريخيين في فتح على سبيل المثال.

لكن الآخرين ممن يملكون ذلك كله أو بعضه قد حقوا نتائج لا يستحقونها بحال من الأحوال، وهي تشير بدورها إلى حجم التدليس والتزوير الذي انطوت عليه الانتخابات.

نتذكر هنا أن حركة فتح تضم جحافل من المتفرغين في الأجهزة الأمنية وفي الوزارات والقطاعات التابعة للسلطة، ما يعني أن كثيرا من هؤلاء سيصوتون لمن يملك المال والنفوذ، وهو تماما ما يفسر الفوز الكبير لأناس لهم سجلهم في ميدان الفساد على شاكلة محمد دحلان وبعض أصحابه في غزة وجبريل الرجوب في الضفة الغربية.

أما الأبعاد العشائرية فقد لعبت دورها أيضا، إذ فاز من خلالها أناس اشتهروا بالوقوف ضد ياسر عرفات وضد المقاومة، كما هو حال نبيل عمرو في الخليل، وآخرون من الحرس القديم كم هو حال رفيق النتشة في الخليل أيضا.

في العموم يمكن القول إن الانتخابات لم تكن نزيهة بالكامل فقد لعب المال والنفوذ السياسي والعشائري دورا كبيرا فيها، فيما استفاد البعض من قدرته على الحشد والتدليس في حركة لم تعرف الانتخابات الداخلية من قبل.

وقد تحدث كثير من الساخطين في الحركة عن تجاوزات بلا حصر وقعت في ميدان الترشيح والانتخاب، كما جرى الاعتداء على بعض نقاط التصويت وألغيت بعض الانتخابات بالقوة هنا وهناك، مع ضرورة الإشارة إلى أن قدرا من الصحة والمنطقية قد توفر في نتائج رموز من أمثال مروان البرغوثي والمقربين منه في الضفة الغربية، ومعه آخرون من قادة كتائب شهداء الأقصى.

ثمة ملاحظة تتعلق بالجيل الشاب الثالث في حركة فتح، وهو جيل يمكن القول إنه رفع صوته مطالبا بحصته من الكعكة، مع العلم أن هذا الجيل ما زال يرى في بعض رموز الجيل الثاني، لاسيما من الداخل، ممثلين عنه، كما هو حال البرغوثي وحسام خضر وآخرين.

"
ما جرى في دوائر فتح إنما يعبر عن مطلب الجيل الثاني والثالث من كوادر الداخل بالاشتراك في المغنم بعد الاشتراك في المغرم
"
ومنطق هؤلاء هو أن انتفاضة الأقصى قد توقفت عمليا، وآن لمن شاركوا فيها بقوة، ودفعوا أثمانا باهظة أن يشاركوا في المغنم، مع أن الغالبية من خيرة المناضلين قد ذهبوا إلى المقابر شهداء أو إلى السجون أسرى، إذ تحظى حركة فتح بالنسبة الأعلى من المعتقلين إلى جانب حركة حماس التي ربما زاد عدد معتقليها عن عدد معتقلي فتح بعد موجة الاعتقالات الأخيرة.

لقد رفع هؤلاء أصواتهم مطالبين بحصة من الكعكة، لاسيما بعد أن تحولت غزة عمليا إلى ما يشبه دولة، وستشهد تحولاتها التالية الكثير من المكاسب والمناصب، أعني ما يسمونها مرحلة إعادة الإعمار، وحيث تمثل الأراضي التي كانت عليها المستوطنات 40% من أراضي القطاع هي أهمها على الإطلاق.

أما الضفة الغربية فستعود خلال المرحلة القادمة إلى سيرتها الأولى كما كانت عليه قبل انتفاضة الأقصى، والنتيجة أن ما جرى في دوائر فتح إنما يعبر في شقه الآخر، إضافة إلى نوايا ترشيح مناضلين ذوي سمعة طيبة، عن مطلب الجيل الثاني والثالث من كوادر الداخل بالاشتراك في المغنم بعد الاشتراك في المغرم.

لعل الملاحظة الأهم بالنسبة للجمهور الفلسطيني الذي يراقب ما يجري، ولا ينخرط بالضرورة في هذا التنظيم أو ذاك، وإن كان له موقفه المناصر أو الداعم، هي تلك المتعلقة بالمسار برمته، أي سؤال البرنامج الذي سيطرحه هذا الجيل الشاب.

هل هو برنامج مختلف، أم أنه ذات البرنامج الذي تطرحه الحركة وتحدده قيادة السلطة، وهو عمليا برنامج الماضي، وليس فيه من مواجهة الحاضر شيء كثير، اللهم سوى استمرار التفاوض بصرف النظر عن النتيجة كما يذهب لسان الحال بالنسبة لكثير من قادة السلطة؟.

هل لدى حركة فتح برنامجا عمليا لمواجهة برنامج شارون، أم أن ما يجري هو فقط من أجل مواجهة حماس انتخابياً ليس إلا؟.

إنه سؤال بالغ الأهمية، فما يجري على الأرض يستحق المواجهة، وأقله طرح برنامج عملي على الناس، لكن واقع الحال هو أنه لا أحد في الحركة، لا من الحرس القديم ولا الجديد، قد فعل شيئا كهذا، اللهم غير المراهنة على مسيرة التفاوض.

بل حتى الانتفاضة السلمية التي طالما أوجع هؤلاء بها رؤوس الشعب الفلسطيني لا تجد لها صدى على أرض الواقع.

إننا إزاء واقع يقول إن عناصر المقاومة وداعميها هم الذين قد يتصدرون الصفوف، لكنهم لا يفعلون ذلك على أساس من الإيمان ببرنامج المقاومة، وإلا لالتقى برنامجهم مع برنامج حركة حماس والجهاد مثلما التقى خلال انتفاضة الأقصى.

بل إنهم يساهمون في تحقيق فوز يوفر غالبية مريحة تدعم مسار التفاوض القائم الذي كان رموزه من المناهضين لبرنامج المقاومة في انتفاضة الأقصى، مثلما هو حال الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومحمد دحلان.

ثمة ملاحظة مهمة تطرح نفسها هنا تتعلق بمسألة الثوابت في وعي الجيل الشاب في حركة فتح، إذ ثمة محظور كبير يطرحه بعض المراقبين على هذا الصعيد، يتعلق بالمصطلح المذكور، ذلك أن جيلا بدأت الثوابت عنده بكامل فلسطين ثم تراجعت لتصبح 22% منها سيكون من الصعب عليه التراجع أكثر من ذلك بكثير.

"
من حق الفلسطينيين أن يضعوا أيديهم على قلوبهم خشية أن تتحول الصراعات الفلسطينية إلى صراعات داخلية ضمن إطار السلطة وحركة فتح، إضافة إلى صراع آخر مع حركة حماس بهدف تحجيمها سياسيا
"

وهو جيل لا بد سيختلف عن آخر لا يعرف إلا أن مصطلح الثوابت هو الأراضي المحتلة عام 67، مما يعني إمكانية أن يقدم بعض التنازلات الإضافية من أجل تمرير التسوية، لاسيما وأن كثيرا من عناصره لا يعرفون لهم مرجعية عربية كما هو حال الحرس القديم الذي يعرف حدود التنازل بالنسبة للمحيط العربي، بصرف النظر عن تحولات ضعفه وتراجعه مقابل تقدمه في بعض الأحيان.

خلاصة القول هي أن ما جرى لم يكن مريحا بحال، ومن حق الفلسطينيين أن يضعوا أيديهم على قلوبهم خشية أن تتحول الصراعات الفلسطينية إلى صراعات داخلية ضمن إطار السلطة وحركة فتح، إضافة إلى صراع آخر مع حركة حماس بهدف تحجيمها سياسيا من جهة، ومن أجل الحيلولة دون تخريبها للمسار القائم والقادم من جهة أخرى.

ويحدث ذلك بينما الاحتلال يرتب للإجهاز على القضية برمتها من خلال مشروع الدولة المؤقتة على مساحة قد لا تتجاوز 8% من أرض فلسطين التاريخية.

كان بودنا أن تقدم حركة فتح، خاصة أجيالها التي انحازت إلى المقاومة برنامجا واضحا يريح الجماهير الفلسطينية، لاسيما في الضفة الغربية، التي يخشى أهلها من أن تتحول غزة إلى دولة جوار لا أكثر ولا أقل، في حين تبقى القدس أسيرة الاحتلال، ومعها أكثر من نصف الضفة، مع أن ما سيعود إلى حظيرة السلطة سيبقى من دون سيادة أيضا بحسب برنامج شارون.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة