فرص نجاح المصالحة الفلسطينية   
الجمعة 25/6/1435 هـ - الموافق 25/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)
عامر راشد


وطأة الفشل المزمن
تفاؤل وتشاؤم
عقبات على الطريق

يطرح اتفاق المصالحة الأخير الذي وقع عليه وفد منظمة التحرير الفلسطينية ووفد قيادة حركة "حماس" في قطاع غزة، العديد من الأسئلة العملية الشائكة، رغم محاولة الطرفين إضفاء أجواء حميمة على المباحثات، وإشاعة التفاؤل بنتائجها من خلال التأكيد على أن الاتفاق الجديد أنهى حالة الانقسام، ويشكل منصة لإعادة الوحدة الوطنية، وتمتينها، ووضع الضوابط التي تكفل ثباتها واستمرارها.

بعد يومين من المباحثات في مدينة غزة، خرج وفد منظمة التحرير برئاسة عزام الأحمد، ووفد قيادة حركة حماس برئاسة إسماعيل هنية، باتفاق مصالحة هو الأسرع في متوالية الحوارات التي أجريت منذ عام 1999، وتواصلت بشكل متقطع ومتعرج دون أن تفضي إلى نتائج عملية على الأرض.


نقاط الاتفاق كافية لإطلاق مصالحة جدية، غير أن تجارب اتفاقيات المصالحة الداخلية الفلسطينية، على امتداد سنوات طويلة، تؤكد أن الشيطان يكمن في التفاصيل عند الشروع في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه

يتضمن الاتفاق ثلاث نقاط رئيسية: تشكيل حكومة توافق وطني من المستقلين برئاسة محمود عباس، وإعلانها خلال الفترة القانونية المحددة بخمسة أسابيع، استنادا إلى "اتفاق القاهرة" و"إعلان الدوحة"، وقيامها بالتزاماتها كافة. وإجراء انتخابات المجلسين التشريعي والوطني تزامنا مع انتخابات رئاسة السلطة بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة على الأقل. وعقد لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية لممارسة مهامها المنصوص عليها بالاتفاقيات، في غضون خمسة أسابيع من تاريخه، وتأكيد دورية وتواصل اجتماعاتها بعد ذلك.

نظريا، إن النقاط الثلاث المشار إليها، فضلا عن النقاط الأخرى في الاتفاق الأخير والمستمدة كلها من اتفاقيات سابقة، كافية لإطلاق عملية مصالحة جدية، غير أن تجارب جهود واتفاقيات المصالحة الداخلية الفلسطينية، على امتداد سنوات طويلة، تؤكد أن الشيطان كمنَ في التفاصيل عند الشروع في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بارتداد حركتي "فتح" و"حماس" عن النصوص عبر تفسيرات وقراءات خاصة من موقع التمسك بالمصالح الفئوية والدفاع عنها، والغزل على منوال "المحاصصة" وتقاسم مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير.

وذلك بالتراجع عن الاتفاقيات الوطنية الشاملة نحو اتفاقات ثنائية بين قطبي الانقسام، مما افقد حوارات المصالحة مصداقيتها وبدَّد نتائجها، وجعل منها عمليا مجرد هبات ساخنة يتم اللجوء إليها بين الحين والآخر بهدف توظيفها تكتيكيا، تعقبها هبات باردة، وغالبا ما كان يتم نفخ الروح فيها مؤقتا بالتزامن مع فشل جديد تتعرض له المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، أو اشتداد الحصار والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة.

ولم يخرج الاتفاق الأخير عن السياق السابق، حيث تواجه العملية التفاوضية مأزقا حادا دفع بالرئيس محمود عباس إلى العودة للتهديد بحل السلطة الفلسطينية، و"تسليم مفاتيحها لبنيامين نتنياهو". وبدورها تعاني "حماس" من تبعات حصار سياسي ومالي غير مسبوق، تثقله العلاقات المتردية مع القاهرة بعد الثلاثين من يونيو/حزيران 2013.

وطأة الفشل المزمن
تحفل تجارب الحوارات السابقة بالعديد من الأمثلة على أن التيار المتنفذ في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لجأ إلى طاولة الحوار الوطني الفلسطيني للمناورة في الوقت المستقطع بين مراحل العملية التفاوضية مع الحكومات الإسرائيلية.

ووقع هذا في نهاية المرحلة الانتقالية عام 1999، ومراوحة المفاوضات في مربع الحل الانتقالي، حينها باشر الرئيس الراحل ياسر عرفات حوارا في القاهرة مع الفصائل والقوى الفلسطينية، لكن الحوار اصطدم بمراهنات عرفات على وعود إدارة كلينتون بتحريك العملية السياسية، وبذهابه إلى مفاوضات "كامب ديفيد 2" في يوليو/تموز عام 2000.

وأمام استعصاء المفاوضات مرَّة أخرى، كُثفت الحوارات الوطنية الفلسطينية عام 2002، وتمخض عنها وثيقة أغسطس/آب 2002 التي حبست في أرشيف رئاسة السلطة الفلسطينية.

وللهروب من وطأة الضغوط الإسرائيلية والأميركية على رئاسة السلطة الفلسطينية لإحداث تعديلات على هيكلية السلطة وبنيتها السياسية، عادت القيادة المتنفذة إلى طاولة الحوار، وقبلت بتفعيل وثيقة أغسطس/آب، ووقعت عليها مع إدخال بعض التعديلات في مارس/آذار 2003، وباتت الوثيقة المعدلة تعرف بـ"اتفاق رام الله".

لكنها عادت وتملصت من الاتفاق بعد ظهور إشارات عن إدارة بوش الابن، فهمت منها القيادة المتنفذة أن واشنطن جاهزة لمقايضة احتلال العراق بتنازلات في المسار التفاوضي الفلسطيني- الإسرائيلي، تصب في مصلحة الفلسطينيين.

وفي مطلع عام 2004 عندما علقت خطة "خريطة الطريق الدولية" بالشروط الإسرائيلية الـ14، عادت السلطة الفلسطينية برئاسة عرفات إلى طاولة الحوار برعاية مصرية، وانتهت جولات الحوار بتوقيع السلطة برئاسة عباس على "إعلان القاهرة" في 17 مارس/آذار 2005، وكان مصيره كمصير "وثيقة غزة" و"اتفاق رام الله".

ومع وصول حركة "حماس" إلى سدة رئاسة المجلس التشريعي ومجلس وزراء السلطة الفلسطينية إثر الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، وجدت رئاسة السلطة الفلسطينية نفسها محشورة في قرار العودة إلى طاولة الحوار، والتوقيع على "وثيقة الوفاق الوطني" في 27 يونيو/حزيران 2006، التي تم نقضها بالارتداد إلى "المحاصصة" الثنائية بين حركتي "فتح" و"حماس" في "اتفاق مكة المكرمة"، في الثامن من فبراير/شباط 2007، والذي تحولت الخلافات على تطبيقه بين الحركتين إلى تفجر اقتتال دموي بينهما في قطاع غزة بعد ثلاثة أشهر من توقيعه، نتجت عنه سيطرة "حماس" على القطاع، وتفكك بنية السلطة الفلسطينية، ودخول الأزمة الداخلية الفلسطينية في طور غير مسبوق في حدة الانقسام السياسي والكياني.

تحفل تجارب الحوارات السابقة بالعديد من الأمثلة على أن التيار المتنفذ في منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية لجأ إلى طاولة الحوار للمناورة في الوقت المستقطع بين مراحل العملية التفاوضية مع الحكومات الإسرائيلية

رغم ذلك، لم تتوقف محاولات تحقيق مصالحة بين الجانبين، ففي أبريل/نيسان 2008 وقعت حركتا "فتح" و"حماس" على إعلان مشترك في صنعاء، لفظ أنفاسه بعد أقل من 24 ساعة من التوقيع عليه.

ومن ثم وقعتا على تفاهم في القاهرة عام 2009، وعلى اتفاق آخر في القاهرة، في مايو/آيار 2011. وأصدر عباس ومشعل "إعلان الدوحة للمصالحة" في فبراير/شباط 2012، وعادا وأكدا عليه في تفاهم جرى بينهما في القاهرة في مارس/آذار 2013. إلا أن كل الاتفاقيات والإعلانات والتفاهمات اصطدمت بجدار الفشل للعديد من الأسباب.

تفاؤل وتشاؤم
إن ما سبق يدفع إلى اتخاذ موقف "متشائل"، إذ إن الاتفاق الأخير ستعترضه مطبات لا يجب التقليل من شأنها، بالنظر إلى النواقص العملية التي شابته، وبالاستناد إلى التجارب المريرة.

وهنا يمكن طرح العديد من المسائل التي تحتاج إلى معالجة شفافة قبل الحديث عن نجاح الاتفاق الجديد أو فشله، ومن تلك المسائل:

- الأساس الذي ستبنى عليه حكومة "التكنوقراط" وبرنامجها، وكيفية التعاطي مع موضوع التنسيق الأمني بين إسرائيل والأجهزة الأمنية التابعة للحكومة، وتوفير سبل صمود الحكومة في وجه الضغوط الأميركية والإسرائيلية.

- آليات توحيد مؤسسات السلطة الفلسطينية في قطاع غزة والضفة، وخاصة الأجهزة الأمنية، ومعالجة ذيول سبع سنوات من الانقسام الكياني والمؤسسي. وإغلاق ملف الاعتقال السياسي في قطاع غزة والضفة الفلسطينية، ووضع عقيدة جديدة للأجهزة الأمنية في إطار إستراتيجية فلسطينية موحدة للسلطة ومنظمة التحرير.

- أولوية إعادة بناء العلاقة بين مؤسسات ودوائر منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في الوطن وبلدان اللجوء. وإيجاد أرضية متوافق عليها وطنيا تمكن من انضواء حركة "حماس" وحركة "الجهاد الإسلامي" في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وهذه مسألة معقدة على خلفية اعتراضات الحركتين على برنامج المنظمة، وكيفية إعادة بناء مؤسساتها وأطرها على ضوء توسيع صفوفها.

- الموقف من المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، والاتفاقيات السابقة الموقعة بين الطرفين، والمرجعية الوطنية للفريق الفلسطيني المفاوض في أي مفاوضات قادمة، والمبادئ التي يجب أن تستند إليها المفاوضات.

- تأمين مظلة حماية داعمة للمصالحة الفلسطينية، قادرة على صد الضغوط الإسرائيلية والأميركية الهادفة إلى إفشال جهود المصالحة. وليس من السهل توفير مثل هذه الرافعة في ظل واقع الانقسام العربي الحاد، وتراجع الاهتمام الرسمي العربي بالقضية الفلسطينية.

ولعل هذا ما يفسر كون الاتفاق الأخير هو الأول من نوعه الذي يتم التوصل إليه دون رعاية أو حاضنة عربية، بصرف النظر عن أنه يستند إلى "إعلان الدوحة" والاتفاقيات السابقة واللاحقة الأخرى.

لكن من اللافت هنا أن سماح السلطات المصرية للقيادي في حركة "حماس" موسى أبو مرزوق بدخول قطاع غزة، للمشاركة في المباحثات مع وفد منظمة التحرير، يؤكد أن القاهرة رغم خلافاتها الواسعة والمحتدمة مع "حماس" حريصة على التواصل مع ملف المصالحة الداخلية الفلسطينية.

يشار إلى أن الحكومة الإسرائيلية علقت مشاركتها في الجولة الأخيرة من المفاوضات مع فريق رئاسة السلطة، وسبق لها أن ندَّدت بشدة على لسان رئيسها بنيامين نتنياهو بأي اتفاق مصالحة بين "فتح" و"حماس"، بالقول إن المصالحة "ضربة قاضية للسلام وجائزة كبيرة للإرهاب"، وأن "إقامة حكومة وحدة بمشاركة "حماس" ستؤدي إلى قطع العلاقات بين إسرائيل والسلطة، والتجميد التام لتحويل أموال الضرائب التي تجبيها إسرائيل عن البضائع الفلسطينية".

وبدورها، ما زالت الولايات المتحدة الأميركية عند موقفها الذي يطالب قيادة السلطة الفلسطينية بألا تُشكل حكومة توافق فلسطيني إلا إذا قبلت "حماس" بشروط الرباعية الدولية التي تدعو إلى (الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، واحترام الاتفاقيات السابقة التي وقعت عليها السلطة الفلسطينية، ونبذ المقاومة المسلحة).

عقبات على الطريق
إن مجموعة المسائل التي تمت الإشارة إليها لا يمكن تجاهل أي منها، بخصوص الخطوات العملية لتنفيذ اتفاق المصالحة الأخير، وما هو مختلف عليه ليس مجرد قضايا عالقة، بل جوهر البرنامج الوطني الفلسطيني.
 الاتفاق الأخير هو الأول من نوعه الذي يتم التوصل إليه دون رعاية أو حاضنة عربية، بصرف النظر عن كونه يستند إلى "إعلان الدوحة" والاتفاقيات السابقة واللاحقة الأخرى

وما تم حله في الجولات السابقة من الحوار -بما تم التشديد عليه في الجولة التي عقدت الأسبوع الجاري- مجرد خطوط عامة، حيث ما زال الخلاف ينصب على برنامج حكومة السلطة ودورها ووظيفتها، والموقف المبدئي بشأن تسوية سياسية للصراع، وكذلك تجاه المفاوضات والاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، ومشروعية المقاومة، والبدائل المتاحة على ضوء انسداد أفق المفاوضات، وبرنامج منظمة التحرير الفلسطينية وآليات بنائها وتفعيلها، والولاية الجغرافية للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ووظيفة الأجهزة الأمنية ودورها وعقيدتها، وتحريم الاعتقال السياسي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين في السجون الفلسطينية.

ولعل ذلك سيفرض حوارا فلسطينيا مكثفا في الأسابيع والشهور القادمة لإعطاء إجابات عن كل هذه المسائل، بما يحقق شرط بلورة توافق وطني.

وهو ما يعني بقاء العديد من الأسئلة مفتوحة حول مستقبل اتفاق المصالحة الأخير، وحظوظه في أن يشق طريقه للتنفيذ، بينما ليس مرئيا كيف ستذلل العقبات التي ستواجهه. ومرة ثانية كما علمتنا التجارب السابقة، الشيطان يكمن في التفاصيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة