بعد شهر من العدوان بعض النقاط على بعض الحروف   
الأحد 1427/7/19 هـ - الموافق 13/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 20:13 (مكة المكرمة)، 17:13 (غرينتش)


نوال السباعي

مر شهر على عملية العدوان الهمجي الوحشي الذي تشنه دولة الكيان الإسرائيلي على لبنان, لم يكن أحد يتوقع أن تستمر هذه المعركة شهراً وهي تنذر بأن تتمخض عن معارك متطاولة في المنطقة.

المنطقة العربية تمور بغليان فكري وسياسي وعقدي, والأنظمة الحاكمة فيها باتت مِنسأة متآكلة تنذر بسقوط مدَوٍ لولا أنه لا بدائل في الساحة، والعالم يتفرج متحالف بصمته تارة وبمنع وصول الحقائق إلى شعوب الأرض تارة أخرى.

والنتائج السياسية والعسكرية والجغرافية بل والتاريخية التي ستترتب على ما يحصل اليوم في لبنان ستكون مدوية على كل الصعد, وخاصة فيما يتعلق بوضع الولايات المتحدة الأميركية وموقعها في الإمساك حتى الساعة بما تظنه كل خيوط اللعبة.

إسرائيل ومن ورائها "وليّة أمرها حالياً" الولايات المتحدة الأميركية كانت تظن أن قوتها الباطشة وقدرتها على التدمير والسحق والذبح سوف تمكنها من ردع المجاهدين في الجنوب اللبناني خلال أيام.

"
أسر الجنديين لم يأت من منطلق مخطط "شيعي جهنمي" ولكنه أتى من ضرورة إستراتيجية فرضتها المذبحة القائمة في غزة والقطاع على الشعب الفلسطيني الأعزل الذي تسومه إسرائيل سوء العذاب بتواطؤ مكشوف مباشر أو غير مباشر مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية
"
وقد تصورت أنها بتنفيذ مشروعها الإجرامي الذي كانت قد أعدت له بدقة متناهية وخلال وقت ليس بالقصير سترغمهم على الاستسلام وتسليم الجنديين الأسيرين.

أما الذين أشاعوا أن الجيش الإسرائيلي كان قد تفاجأ بقدرة هؤلاء المقاومين على الصمود, فقد كانوا يروجون لمقولة كاذبة وما ذلك إلا لمآرب في نفوسهم تتبدى مع الأيام لكل مراقب، فجيش إسرائيل "الذي لا يهزم" لا يمكن أن تفاجئه قدرة المقاومين اللبنانيين على الصمود.

ومعروف أن هذا الجيش خبر قدرة المجاهدين الفلسطينيين ستين عاما على الرباط والقتال بأبسط أنواع الأسلحة, وعشق الشعب اللبناني للشهادة حين يمتحن بها لا يختلف في شيء عن عشق الشعب الفلسطيني من قبله لها, وقدرة شعب الجنوب اللبناني على الصبر وتحمل الألم والجراح والمأساة مطابقة لقدرة الشعب الفلسطيني على المصابرة.

الجديد الذي فاجأ الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية وربما حكومة الولايات المتحدة ومن ورائها كل حلفائها من جهة وكل التابعين لها من جهة أخرى, هو صمود الجبهة اللبنانية الداخلية, هذا الموقف الوحدوي المذهل حتى الآن.

وهذا الالتفاف الوطني الكامل الذي لا يكاد يشق عصا الطاعة فيه إلا بعض الأصوات الشاذة هنا وهناك. هو الذي فاجأ إسرائيل التي كانت قد خططت مسبقاً وبدقة كبيرة لشن هذا العدوان على لبنان, وكان أحد أهم المحاور التي رجتها في تخطيطها ذاك ضرب الصف اللبناني الداخلي, وزلزلة الوحدة الوطنية في هذا البلد الاستثنائي بكل المقاييس.

هذا الموقف الوطني المصيري كان المفاجأة الحقيقية لكل قوى الاستكبار في الأرض التي أقامت كل مخططاتها الإستراتيجية في هذه المنطقة على مبدأ التفتيت والتشتيت الذي راهن دائما على الخلافات الطائفية والدينية والعرقية.

صمود المقاومة كان مدعوماً ومدعما بصمود وطن من ورائه, وطن فسيفسائي لكنه استطاع أن يقف كمارد في وجه الإعصار في زمن عجزت فيه كل حكومات المنطقة مجتمعة عن وقفة شريفة مماثلة.

لقد تعلم لبنان الدرس القاسي الرهيب الذي غرق في مستنقعه سبعة عشر عاما منسيا في لجج حرب أهلية قذرة ككل الحروب الأهلية.

لكن أمرا آخر كان مسببا للإرباك بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، بل ولكل حلفائها من الغربيين وكل أتباعها من حكام العرب, موقف جعل كل مخططات القوم هباء منثورا في هذا العدوان، موقف تاريخي لن ينسى ولن يذهب سدى, وهو موقف الشارع العربي الذي وقف جبهة واحدة ملتحمة مع المقاومة اللبنانية كما كانت وقفته بالضبط مع المقاومة الفلسطينية ومازالت, بكل فئاته, بكل انتماآته, بكل أطيافه.

سبق الشارع العربي ساسته وكبراءه ومفكريه والنخبة الثقافية والقيادات الاجتماعية والدينية فيه بألف سنة ضوئية من الوعي السياسي والديني بوقفة مشرفة مع كل من يقوم بواجب الجهاد الحقيقي في وجه كل هذا الحقد الاستعماري الاستيطاني في بلادنا, مواقف أجمعت على التسامي على كل الخلافات: التاريخية منها, والدائبة, وحتى القائمة اليوم جروحاً تنزف في بغداد وغير بغداد.

وقد رفد هذا الموقف موقف رجال الفكر والسياسة من النخبة التي سارعت لتلقف الإرادة الشعبية في المنطقة العربية فصدرت عن موقف موحد من المقاومة ومما يجري على الأرض اللبنانية اليوم.

إصرار قادة العدو من كبار مجرمي الحروب من عسكر ومدنيين وإعلاميين على تأجيج الفتنة الطائفية في المنطقة العربية, أجهضته شعوب المنطقة وهي تصر على أن هذه المقاومة إنما تنافح عن شرف الأمة في هذا الوقت العصيب.

أسر الجنديين لم يأت من منطلق مخطط "شيعي جهنمي" ولكنه أتى من ضرورة إستراتيجية فرضتها المذبحة القائمة في غزة والقطاع على الشعب الفلسطيني الأعزل الذي تسومه إسرائيل سوء العذاب بتواطؤ مكشوف مباشر أو غير مباشر مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية.

بعضها يحمي حدود إسرائيل بتشكيله ذلك الطوق الجغرافي العسكري الذي لم تكن مهمته خلال أربعين عاما إلا الضغط على أعناق الفلسطينيين إلى درجة الاختناق, وينبطح بعضها الآخر دون حياء بين يدي الولايات المتحدة إلى درجة سقط معها لحم الوجوه ولكن لم يسقط فيها الحياء، ويغض بعضها الآخر الطرف متخبطا في فقره أو تخلفه أو استشراء الفساد في جميع هياكله.

الإصرار الإسرائيلي الإعلامي والرسمي والعسكري على توريط بعض الأنظمة العربية في التواطؤ مع هذا العدوان لم يكن إلا كذبا صراحاً, كذبا إعلاميا من قبل قادة مغرقين في الغباء, إحدى مشكلات الذين خططوا لهذه الحرب من الإسرائيليين أنهم لم ينتبهوا إلى أن نسبة الأمية في المنطقة العربية اليوم تتجاوز 70%.

هذه الأمية لم تكن سلاحاً في يد العرب كما هي عليه اليوم في هذه المعركة بالذات, لأنها كانت السبب المباشر في تطهير الشارع العربي من جراثيم تأجيج الأحقاد الطائفية المستعرة نيراناً سوداء تأكل قلوب الآلاف من مدمني الإنترنت من كلا الطائفتين السنية والشيعية، خاصة في بلاد الخليج العربي.

وهذا ما أخر القوم في قبول موقف الشارع العربي, لكنهم في النهاية قبلوه وكفروا عن ذنبهم بطريقة اعتبرها الشارع العربي مشرفة على الرغم من مواقف بعض الفضائيات التي أحبت أن تعزف على هذا الوتر المؤلم.

"
أهم بل أبرز المخططات الاستعمارية التي أُعدت لإنهاء القضية الفلسطينية هي سلخها عن لحمتها الإسلامية, قبل أن تنزع منها صبغتها العربية, لتصبح في أيام "أوسلو" شأنا فلسطينيا محليا بل بندا على قائمة اهتمامات الحكومة الفلسطينية المحلية
"
وإن كان هناك من مشروع "إيراني مزعوم" في المنطقة, أو مشروع "إسرائيلي-أميركي ظاهر للعيان" فلقد تأكد الجميع اليوم بأن كلا المشروعين يمكن إجهاضه والوقوف في وجهه بسبب هذه الوقفات الشعبية الواعية الشريفة, الوطنية في لبنان, والجماهيرية في الشارع الناطق بالعربية الممتد من الدار البيضاء في المغرب وحتى المنامة في البحرين.

ولا بد من أخذ بُعد الشقة بين المشروعين بعين الاعتبار, فالأول -إن سلمنا بوجوده- ينطلق من بعدٍ عقدي بصير يتعلق بمصير القضية الفلسطينية التي فشل "العرب" بكل مشروعاتهم القومية والثورية والوطنية في خدمته كما ينبغي.

ويستند إلى تخطيط واع وعمل دؤوب لاستلام الراية ممن دنسوها بتخاذل بعضهم, وقعود البعض الآخر, وتخبط آخرين في ادعاءات جهادية غير صائبة لم تجلب على المسلمين إلا الويلات في طول الأرض وعرضها.

وليس الوقت وقت معالجة الأزمة الإيرانية العربية المستعصية منذ قرون, هناك عدو مشترك متربص بالأمة كلها, ولابد والحال هذه من التصرف بحكمة وحنكة وجمع الجهود لا تشتيتها.

من المثير للجدل والشفقة في هذه الأيام انكشاف كل هذا الحجم المؤلم من العجز العربي على كل الصعد, فلا وجود للأنظمة العربية إلا في كراسي السلطة وداخل ترسانات عسكرية لم تعد إلا لحماية هذه الأنظمة وقهر وقمع أي تطلع لدى شعوبها إلى الحرية والكرامة, لكن الأدهى والأمر هو غياب البدائل السياسية في المنطقة.

في سبيل الوصول إلى السلطة دون التفكير في إعادة تربية المجتمعات, انشغلت الحركات الإسلامية واليسارية في المنطقة العربية خلال نصف قرن بصراعات مريرة بينها من جهة ومع النظم البوليسية القمعية التي تضاهي الكيان الإسرائيلي نفسه في توحشه وهمجيته لدى التعامل مع معارضيها من جهة أخرى.

وهذا ما ترك الساحة خالية تماما من الكوادر القيادية القادرة على إنقاذ الموقف في مثل هذه المحنة المزلزلة, وانكشفت المجتمعات عن ملايين لم تتلق خلال قرن كامل أية توجيهات تربوية جماعية تمكنها من الاستعداد لمثل هذه المحن, ملايين لا تحسن ولا حتى الكلام، لا إعداد ولا استعداد ولا قدرة على التفكير السليم ولا الفعل المؤثر.

غياب الإستراتيجيات المستقبلية لم يكن مرض الحكام فحسب, ولكنه مرض أحاط بقيادات المجتمع السياسية والدينية والفكرية والثقافية –مع الاعتذار لكلمة قيادات- إنه مرض فتك بالجميع, وقد تجلى أثناء هذا الشهر من العدوان على لبنان بعجز كامل مفضوح ليس من أكثر مظاهره إيلاما ادعاء كل هذه العنتريات عبر الفضائيات.

ثلاثة بلدان عربية فقط يمكننا استثناؤها من هذا الواقع, وهي لبنان وفلسطين والمملكة المغربية, لبنان وفلسطين بسبب هامش الحريات التي يفرضه عليها قدر المواجهة المباشرة مع العدو, أما المغرب فبسبب تماسه المباشر مع الحضارة الأوروبية ووجود نوع من المواجهة غير المعلنة الثقافية والاجتماعية والإنسانية في تلك المنطقة بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط عبر المضيق.

ليس فيما نقول جلد للذات، إنه تقرير واقع ما لم نعترف به لن نهتدي قط إلى سبل الخروج منه، حتى لو امتد صراعنا مع العدو إلى يوم القيامة.

ليست مشكلتنا اليوم في الآخرين بقدر ما هي في أنفسنا, إن الولايات المتحدة التي تريد امتلاك المنطقة بثرواتها وإنسانها وحاضرها ومستقبلها, لا تستطيع بكل إستراتيجياتها أن تفلح في وجه شعوب تمتلك رؤية واضحة.

ولا يستطيع جيش على وجه الأرض أن يهزم أمة مهما بلغ جبروته وقوته وسطوته وتوحشه إلا إذا كانت هذه الأمة مهزومة من داخلها, وإن أرغمت هذه الأمة في مرحلة من المراحل على التراجع والانسحاب من بعض المواقع وإعلان فشلها في كسب بعض السجالات.

أحد أعظم مقومات هزيمتنا اليوم هو عدم وضوح رؤيتنا للموضوع الطائفي, ولئن استطاعت مقولات القومية العربية امتصاص النزاعات الدينية بين المسلمين والنصارى في عامة البلدان العربية –إلى حين- فإنها لم تستطع القضاء على الأحقاد التاريخية بين السنة والشيعة.

هذا الشقاق الطائفي الذي يمتد إلى أكثر من ألف وأربعمائة عام بالغ الخطورة ومؤجج من كلا الطرفين على حد سواء, ولكنه قابل لأن يوظف لمصلحة الأمة وقوتها ومنعتها, بدلا من أن نتخذ من إيران عدوا لدودا وهي إحدى أكبر الدول الإسلامية في المنطقة.

كان ينبغي أن تكون إيران حليفا إستراتيجيا لحكام المنطقة, إذ كانت إحدى أهم بل أبرز المخططات الاستعمارية التي أُعدت لإنهاء القضية الفلسطينية هي سلخها عن لحمتها الإسلامية, قبل أن تنزع منها صبغتها العربية, لتصبح في أيام "أوسلو" شأنا فلسطينيا محليا بل بندا على قائمة اهتمامات الحكومة الفلسطينية المحلية في حينه.

"
قلب الحقائق وتشويهها في الإعلام الغربي والتعمية المنظمة المدروسة المتعمدة لما يحدث في لبنان جريمة تاريخية إنسانية كبرى، ترمي إلى تغييب المواطن الأوروبي عن المذابح التي يندى لها جبين البشرية
"
لكن ثبات الفلسطينيين في انتفاضتهم الأخيرة وراء سيد شهدائنا اليوم الشيخ أحمد ياسين بوعيه الاستثنائي المتميز, أعاد القضية إلى لحمتها العربية, وانتشار الصحوة الإسلامية في طول العالم وعرضه أرجع فلسطين وقضيتها إلى بعدها الإسلامي الذي ما كان ينبغي أن تنسلخ منه أبدا.

إيران بدورها, لم تقم بكبير جهد، بعد ولا قبل الحرب العراقية الإيرانية، يطمئن العرب من حولها إلى صدق نواياها تجاههم ومن ثم تجاه القضية الفلسطينية.

والأزمة الطائفية اليوم في العراق لم تصنع إلا تثبيت المخاوف على كل صعيد, إذ كان الأجدر بهؤلاء الملطخة أيديهم بدماء إخوانهم من جميع الفرقاء في العراق أن يعلموا أن معركتهم ليست حول دجلة ولكن في الليطاني، وأن هذه المذابح التي تجري في العراق على أيدي مدعي الجهاد من الطرفين إنما هي هدايا ممتازة تقدم رؤوسنا على أطباق من ذهب لهؤلاء الذين يجلسون في البيوت البيضاء ينتظرون جني كل المكاسب ممن لا يفقهون أن مصائرهم جميعا في هذا الاقتتال الطائفي إلى جهنم الدنيا والآخرة.

في الواقع لا نعجب كثيرا لهذا الوضع الإعلامي الغربي الذي يقلب كل الحقائق ويشوهها, ويمنح البعض حقوقا يمنعها عن الآخرين, ولكن عجبا لمن يندد من العرب باستخدام حزب الله صواريخ إيرانية للدفاع عن الأرض والعرض.

كيف لا يعجب بالطريقة ذاتها لاستخدام إسرائيل أباتشيات أميركية للاغتيال والقتل والذبح والترويع والقضاء على كل من يفكر في المقاومة؟

لقد كان التزام "روح المقاومة" أكبر "جريمة" ارتكبها حزب الله كما ارتكبها من قبله الشعب الفلسطيني المصابر الصامد, و"إرادة المقاومة" هي السبب الوحيد الكامن وراء اعتبار إسرائيل معركتها اليوم في لبنان معركة وجود.

ذلك أن انتشار بذور المقاومة في الأمة هو الأمر الذي تقاتل دونه إسرائيل اليوم قتال المستميت وتقف معها في سبيله وبكل ثقلها الولايات المتحدة.

والقضاء على روح المقاومة التي ظهرت أعراضها متمكنة من اللبنانيين هو السبب الرئيس الذي يدعو الغرب للتواطؤ بالصمت سياسيا وإعلاميا, وبكل أطيافه وقواه وتوجهاته من أجل اجتثاث هذه الكلمة -المقاومة- حتى من قاموس التداول اللغوي العالمي لاستبدالها بكلمة "الإرهاب" الهيولية المعنى والمآرب.

إن القوم ليسوا مستعدين لاحتمال انتشار هذا "الجرثوم المعدي" عبر الجغرافيا العربية، بل العالمية, لأنهم يعرفون أن العدوى به بالغة الخطورة على مصالحهم ومدنيتهم ووجودهم.

ولعل ظهور حقيقة ما يجري في أرضنا من مقاومة سيجعلنا نرى في الجنوب اللبناني مقاومين من مواطني الدول الأوروبية نفسها من الشرفاء الذين يرفضون الظلم وانتهاك حقوق الإنسان بهذه الطريقة الوحشية, لا من إيران كما تدعي إسرائيل كذبا وجورا وتأجيجا للفتن.

قلب الحقائق وتشويهها في الإعلام الغربي والتعمية المنظمة المدروسة المتعمدة لما يحدث في لبنان جريمة تاريخية إنسانية كبرى، وبكل معنى الجريمة، ترمي إلى تغييب المواطن الأوروبي عن المذابح التي يندى لها جبين البشرية.

ولكنها جريمة يشارك فيها أصحاب الملايين العربية المزهقة على موائد الخمر والقمار والفضائيات الفضائحية, دون أن يفكر أحد منهم بإنفاق أمواله على وسائل الإعلام العالمية لا لتتخذ مواقف تناصر الحق العربي, ولكن فقط لاتخاذ مواقف تدعم الحق والعدل والحقيقة في هذا العالم الكئيب.

"
نهاية الحلم الإمبراطوري الانتحاري الأميركي ستكون في المنطقة العربية عندما تنبذ شعوب المنطقة الطائفية المقيتة وتحول اقتتالها الفئوي نحو عدوها المتوحش المتربص بها
"
الفكر الأصولي الاستعماري الصهيوني الإمبريالي, الذي لم يعد يرمي إلى السيطرة على المنطقة العربية فحسب، وإنما تفجيرها من داخلها بعوامل التفتيت الديني والطائفي ليمتلك ثرواتها وحياتها وموتها, لن يجد لنفسه من سبيل في ديارنا إذا نحن استطعنا مواصلة الصمود والالتحام مع المقاومة التي لن تكون ولا ينبغي أن تكون وقفا على مجاهدي حزب الله وحماس.

المقاومة يجب أن تصبح عقيدة ثابتة في قلوب شباب الأمة, والأمة بكل انتماءاتها الدينية والطائفية والعرقية والمذهبية والسياسية والفكرية يجب التفافها لتبني المقاومة, سياسيا وماليا وإعلاميا.

عندها سيوقف مد كل الإستراتيجيات الأميركية التي تريد إشاعة "الفوضى الخلاقة" في أرضنا, فوضى ترجو من ورائها "خلق" أجواء تقضي على كل المُقومات الضرورية لوحدة هذه الأمة.

نهاية الحلم الإمبراطوري الانتحاري الأميركي ستكون في المنطقة العربية عندما تنبذ شعوب المنطقة الطائفية المقيتة وتحول اقتتالها الفئوي نحو عدوها المتوحش المتربص بها.

وعندما تقوم بواجبها في إعادة صياغة رؤاها التربوية الإنسانية والإعداد العسكري والإعلامي والاجتماعي الذي يردع العدو ويتركه في مكانه الحقيقي والطبيعي مشلولا رغم كل جبروته العسكري عن مواجهة إنسان لا يتردد في الموت في سبيل أن تحيا أمته, بعد أن سدت في وجهه كل السبل التي تمكنه من الحياة الحرة الكريمة الشريفة.

سيكتب التاريخ أنه لدى بدء العدوان الإسرائيلي الوحشي الهمجي على لبنان في مطلع القرن الحادي والعشرين الميلادي استطاعت هذه الأمة أن تقلب معايير النصر والهزيمة المتعارف عليها حتى الساعة, وأن تقف وقفة رجل واحد ضاربة عرض الحائط بكل خلافاتها الشيطانية لتدافع عن حقها في الحياة وفي الوجود وفي قول كلمة "لا" للمستعمر الذي يريد أن يمتص دماء أطفالها التي تنزف.

سيكتب التاريخ أن نهاية الولايات المتحدة وأداتها الضاربة في أرضنا والتي تسمى "إسرائيل" كانت على أيدي من بقي من أطفال "قانا" الذين زحف نحوهم كل أطفال هذه الأمة الذين لم يترك العدو لهم من طريق آخر للحياة إلا طريق الوحدة والمقاومة.
__________________
كاتبة سورية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة