تألق نجاد وخفوت الصوت العربي في دوربان-2   
الأربعاء 1430/4/26 هـ - الموافق 22/4/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:59 (مكة المكرمة)، 12:59 (غرينتش)
علي بدوان


انتقام من "دوربان-1
"

غياب أميركي رسمي وحضور فعال خلف الكواليس
"دوربان-2" والأجواء الصاخبة
"دوربان-2" والتراجع المحدود

شكلت انطلاقة "مؤتمر دوربان-1" الذي عقد في مدينة دوربان بجنوب أفريقيا بين يومي 26 و28/8/2001 بحضور ممثلي 160 دولة، وبمشاركة ثلاثة آلاف منظمة ومؤسسة أهلية من جميع دول العالم، نقطة تحول بارزة في الجهود المبذولة من قبل المنظمات الأهلية للشعوب في العالم، في مناهضة العنصرية والتمييز العنصري، حيث كانت الأمم المتحدة قد أعلنت في نهاية تسعينيات القرن الماضي خلال اجتماعات دولية كبرى عن انطلاق مؤتمر حول العنصرية, ووقع الاختيار على مدينة دوربان في جنوب أفريقيا باعتبارها رمزا لانتهاء التمييز العنصري.

وفي حينها صدرت عن أعمال مؤتمر دوربان الأول رزمة من القرارات المتقدمة في سياقات مكافحة العنصرية وركائزها على امتداد المعمورة. إلا أن الجهود الإسرائيلية تحت راية الدعم والإسناد الأميركي عملت طوال السنوات الماضية على شل الجهود الرامية إلى تطوير صيغة "دوربان-1" والنكوص بها إلى الوراء، وهو ما لوحظ في سياقات أعمال "دوربان-2" في جنيف وبيانه الختامي بسقفه الأدنى من "دوربان-1".

انتقام من "دوربان-1"
"
شكلت انطلاقة مؤتمر دوربان-1 حالة قلق سادت الدولة العبرية الصهيونية ومعها الإدارة الأميركية، فسارت الأمور بعد ذلك على سكة من الحراك الأميركي الإسرائيلي لإعادة عقارب دوربان-1 إلى الوراء والانتقام من قراراته
"
وجه مؤتمر "دوربان-1" صفعة قوية لدولة الاحتلال الصهيوني وسياستها العنصرية وطبيعتها الفاشية، وذلك بإجماع المنظمات الأهلية للشعوب، وحتى الأوروبيون على مستوياتهم الرسمية وغير الرسمية تبنوا في حينها العديد من المواقف الإيجابية، خصوصاً منها ما يتعلق بفلسطين والصراع العربي مع الاحتلال التوسعي الاستيطاني الإجلائي الصهيوني.

وهي قرارات جاءت في لحظات كانت فيها الانتفاضة الفلسطينية الثانية تعلن انطلاقتها الجبارة، في الوقت الذي كان فيه الشعب الفلسطيني يواجه قمع الاحتلال وسياسة البطش والقوة المفرطة التي سلطتها الدولة العبرية الصهيونية على جسده المثخن بالجراح، فكان الفلسطينيون من بين أولئك الذين أدرجوا بشكل واضح في إعلان "دوربان-1" عام 2001، وضمن برنامج الأنشطة كضحايا للعنصرية والتمييز العنصري، وهو الإعلان الذي عبر عن القلق تجاه مأساة الشعب الفلسطيني الواقع تحت احتلال أجنبي، وأعاد التأكيد على الحق الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

ومع ذلك، وبدلاً من أن تتجاوب السياسات الإسرائيلية أو تصمت على الأقل بانسجام مع الإعلان، فإنها في الواقع رفعت من منسوب القمع الفاشي ضد الفلسطينيين، لا بل إن هناك دليلا كافيا ذا أهمية للإشارة إلى أن نظام التمييز الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين ممنهج وممأسس وذو طبيعة ظالمة، بما شكل تمييزاً عنصرياً فاقعاً.

ومن حينها شكلت انطلاقة مؤتمر دوربان الأول حالة قلق سادت الدولة العبرية الصهيونية ومعها الإدارة الأميركية، فسارت الأمور بعد ذلك على سكة من الحراك الأميركي الإسرائيلي لإعادة عقارب "دوربان-1" إلى الوراء والانتقام من قراراته، عبر وضع العراقيل المتتالية أمام الطريق إلى "دوربان-2" وصولاً إلى المقاطعة الأميركية الإسرائيلية وبعض الدول الغربية لأعمال المؤتمر بهدف تهميشه والحط والتقليل من مستوى وقوة قراراته.

غياب أميركي رسمي وحضور خلف الكواليس
فقد التأم مؤتمر "دوربان-2" (مؤتمر مراجعة مؤتمر مناهضة العنصرية والتمييز العنصري وكره الأجانب وجميع أشكال التمييز) في جنيف بسويسرا بين يومي 20 و24/4/2009 لتقييم التقدم الذي طرأ على الأهداف التي حددها المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية والتمييز بعد تحضيرات وحراكات طالت واستطالت، وتداخلت فيها العوامل والمؤثرات المختلفة.

كما سبق المؤتمر تحضيرات جيدة بذلتها العديد من المجموعات الدولية -منها العربية والإسلامية- لوضع القضايا ذات الصلة على أجندة أعمال المؤتمر، وتنسيق العمل والمواقف العربية فيه.

لكن الولايات المتحدة استبقت انعقاد "دوربان-2" بالإعلان عن مقاطعتها له رغم وعد الرئيس الأميركي باراك أوباما بالتعاون مع الأمم المتحدة في مكافحة العنصرية، مبررة مقاطعتها بحجة توجه الدول الإسلامية خلال المؤتمر الأممي نحو إدانة إسرائيل وسياساتها العنصرية، فغابت الولايات المتحدة رسمياً، لكنها حضرت بقوة خلف الكواليس وبين جنبات المؤتمر، وحاولت التخفيف من أهميته والتقليل من فعاليته ودوره عبر إعلانات المقاطعة والاعتراضات الكثيرة على توجهات المؤتمر، والذرائع الواهية لتسويغ مقاطعته، ساعية باتجاه الضغط عليه لمكافحة العنصرية لدفع فواتير واستحقاقات مؤتمر "دوربان-1" الذي انتصر لفلسطين، وسعى لإعادة استصدار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 لعام 1975 الذي عد الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ثم ألغته هذه الهيئة الدولية بشكل غير مسبوق بضغط أميركي غربي صهيوني يوم 16/2/1991.

ومن حينها لم يتم أبداً في نطاق المنظمات الدولية، البحث في موضوع إحياء ذلك القرار الذي يصح وصفه بأنه أخطر قرار في تاريخ النضال العربي ضد الصهيونية، بل وفي مجمل تاريخ الصهيونية منذ عقدها مؤتمرها التأسيسي الأول عام 1897 في بال بسويسرا.

وللأسف فقد ألغي القرار 3379 دون معارضة حكومية عربية حازمة، وجاء إلغاؤه نتيجة تلويح أميركي بالمقايضة مع سلام عادل أو شبه عادل ينتج عن مؤتمر مدريد عام 1991، مع أن إسرائيل لا تزال ترسخ أمام مرأى ومسمع العالم نظام فصل عنصرياً، بل وسعت لحذف كل ما يتعلق بإسرائيل ووصفها بالعنصرية، فاهتزت من جديد مصداقية الإدارة الأميركية الديمقراطية التي اعتقد البعض بأنها جاءت تحمل الجديد في السياسات والرؤى تجاه قضايا العدالة والحق في العالم، وخصوصاً بالنسبة للقضية الفلسطينية.

"
أحمدي نجاد كان نجم المؤتمر بحق، فقد كانت مشاركته المصدر الأول لمخاوف الغرب مما يعتبرونه تشهيرا بأفعال إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة ومواطنيها من العرب, وهو ما دفع بعض الوفود الغربية المشاركة إلى مغادرة قاعة المؤتمر
"
"دوربان-2" والأجواء الصاخبة

وعليه، عقد المؤتمر جلساته بأجواء صاخبة هذه المرة، وتحوّل إلى مباراة سياسية شوطها الأول مشادة كلامية بين الرئيسين الإيراني محمود أحمدي نجاد والفرنسي نيكولا ساركوزي الذي لعب دور "حصان طروادة" في الدفاع المباشر وغير المباشر عن دولة الاحتلال الإسرائيلي، في وقت لم تجف فيه بعد أنهار الدماء التي أريقت جراء العدوان الفاشي الصهيوني على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وهو موقف يعيد إلى الأذهان التذكير بأدوار فرنسا غير المتوازنة التي سادت في خمسينيات القرن الماضي قبل صعود جورج ديغول وإعلانه التحول في المواقف الفرنسية المتعلقة بقضايا العدل والسلام في العالم.

ومن موقع الإنصاف، يمكن القول بأن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد كان نجم المؤتمر بحق، فقد كانت مشاركته المصدر الأول لمخاوف الغرب مما يعتبرونه "تشهيرا" بأفعال إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة ومواطنيها من العرب.

فقد كان أحمدي نجاد واضحاً، شفافاً، صريحاً وعلى مسامع الوفود الغربية المشاركة في مؤتمر "دوربان-2" في الحديث عن النشأة والطبيعة العنصرية للدولة العبرية الصهيونية التي أقيمت على أنقاض الشعب الفلسطيني.

كما كان واضحاً وصريحاً في نقده المباشر لمنظمة الأمم المتحدة وفشلها في حل النزاعات الدولية وانتقاده لمجلس الأمن الدولي الذي قام أصلاً على مبدأ مكافأة المنتصر في الحرب العالمية الثانية -في إشارة إلى الأعضاء الدائمين بالمجلس- وليس على مبدأ العدالة بين شعوب الأرض، داعياً لإجراء إصلاحات عاجلة في بنية وآليات عمل المنظمات الدولية بما فيها إلغاء حق النقض (الفيتو) وإصلاح النظام النقدي العالمي.

وهو ما دفع بعض الوفود الغربية المشاركة إلى مغادرة قاعة المؤتمر، وتحديداً عند تشخيصه للدولة الصهيونية باعتبارها كيانا عنصريا قام على اقتلاع شعب من وطنه منذ أن لجأ "الحلفاء" قبيل وبعد الحرب الكونية الثانية إلى القوة العسكرية لانتزاع أراض من أمة برمتها، تحت ذريعة معاناة اليهود"، مضيفاً أن "إسرائيل" قامت على مبدأ التمييز والاحتلال وانتهاك حقوق الإنسان.

والملفت للانتباه، اندلاق الرئيس الفرنسي ساركوزي في رفع راية الدفاع عن الدولة العبرية الصهيونية، فدعا دول الاتحاد الأوروبي إلى إبداء "الحزم الشديد" حيال كلمة الرئيس الإيراني في المؤتمر ووصفها بأنها "دعوة إلى الحقد العنصري لا ينبغي السكوت عنها"، لكنه سكت وصمت عن المحرقة التي ما زال الشعب الفلسطيني يئن تحت وطأتها.

"دوربان-2" والتراجع المحدود
وعليه فقد مارست الدول الغربية سياستها المعهودة في شد الحبل أمام المجموعة العربية الإسلامية والأفريقية وكتلة عدم الانحياز، ومارست ضغوطا كبيرة لتخفيف الصيغة النهائية لبيان "دوربان-2" الختامي.

ودفعت باتجاه حذف أي إشارة إلى إسرائيل في الوثيقة التي صادقت عليها اللجنة التحضيرية للمؤتمر معتبرة أن المسألة "خط أحمر" بالنسبة للغربيين، وهو ما هز من مصداقية المؤتمر وفضح مرة ثانية مدى ازدواجية المعايير والقيم الأخلاقية للسياسات الأوروبية الغربية في العالم، فسقطت السياسة الأميركية التي أعلنتها إدارة أوباما تجاه المنطقة في أول امتحان لها عندما قاطعت مؤتمر جنيف وأثبتت للعرب مجدداً أنها لا تستطيع الوقوف على الحياد عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وأن التعهدات التي أطلقتها تجاه الفلسطينيين والعرب بفتح صفحة جديدة تعتمد على العدالة والتوازن، لا تعدو كونها مفرقعات إعلامية دعائية لا أكثر ولا أقل.

هذا في مقابل سعي الدول الإسلامية للوصول إلى وثيقة لمكافحة العنصرية تتضمن أيضا حقوق الملايين من مواطنيها الذين يعيشون في الغرب.

وبالطبع، فإن درجة عالية من التحدي طغت على المسار العام لأعمال المؤتمر بين اتجاه يريد الهبوط بسقف قراراته عن "دوربان-1" وبين اتجاه يريد المزيد من الشفافية في تشخيص مواقع العنصرية وانتهاك حقوق الإنسان وتعرية أصحابها واتخاذ تدابير فعالة لمواجهة سياساتهم.

"
الصراع السياسي الكبير الذي دار داخل قاعات وكواليس مؤتمر دوربان-2 كشف بشكل واضح نفاق السياسة الأميركية للإدارة الجديدة رغم براقع الكلام اللفظي الإيجابي المنطلق هنا وهناك
"
ورغم كل ذلك فقد بان الإخفاق الإسرائيلي والأميركي بإزاحة المؤتمر كلياً عن مساره كمؤتمر ضد العنصرية ومناصر للحق الفلسطيني، وهذا لا يخفي بالطبع النجاح النسبي للجهود الأميركية في هذا المسار، فالبيان الختامي لم يأت بأي ذكر للقضية الفلسطينية، وبدلاً من ذلك أشار إلى الارتفاع العالي لظاهرة العنصرية والتعصب ومنها "معاداة" الإسلام والعرب.

كما لم يستطع أحد فرض تراجع دولي عن قرارات مؤتمر "دوربان-1"، فقد دعا منتدى المنظمات غير الحكومية المعتمد رسميًا في مؤتمر "دوربان-2" في بيانه التحضيري إلى حماية الشعب الفلسطيني ومواجهة العنصرية الإسرائيلية والنظام الكولونيالي وتحميله مسؤولية جرائمه وعنصريته ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في الداخل. وأكّد البيان الذي أقرّ بالإجماع، على مساندة منتدى المنظمات غير الحكومية لحقوق الشعب الفلسطيني بما فيها حق العودة للاجئين.

وختام القول، إن الصراع السياسي الكبير الذي دار داخل قاعات وكواليس مؤتمر "دوربان-2" كشف بشكل واضح نفاق السياسة الأميركية للإدارة الجديدة رغم براقع الكلام اللفظي الإيجابي المنطلق هنا وهناك.

كما كشف تواضع الفعل والحراك العربي الرسمي داخل المؤتمر، حيث الصوت العربي المتحشرج مقابل تألق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد. إضافة إلى تواضع الفعل العربي في نطاق المجتمع الدولي، خصوصاً مع الأطراف الأوروبية في وقت كانت فيه مواقف بعض المجموعات الدولية جيدة، وهو ما يملي على الحالة العربية الرسمية وغير الرسمية تحديات جديدة في الطريق إلى "دوربان-3" بعد ثماني سنوات من الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة