العراق.. إعادة الانتشار احتلال بوسائل أخرى   
الخميس 1430/9/14 هـ - الموافق 3/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:56 (مكة المكرمة)، 21:56 (غرينتش)
خالد المعيني


إعادة الانتشار بدل الانسحاب

قوات النخبة والتحكم عن بعد

ثبات المصالح وتغيير الآليات

 

على الرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أعلن في فبراير/شباط الماضي إستراتيجيته للانسحاب من العراق وحدد توقيتات لخفض أعداد قواته تدريجيا، إلا إن الوقائع على الأرض تشير بما لا يقبل الشك أن وتيرة هذه التوقيتات كما أشارت بنود الاتفاقية الأمنية ستخضع بشكل أو بآخر إلى تقديرات القادة العسكريين الأميركيين في الميدان.

 

وأن هذه الانسحابات الجزئية ليست سوى مناورة للإيفاء بوعود انتخابية ومحاولة لإعماء الرأي العام الأميركي ودعم طاقم الحكم العراقي وإظهاره بمظهر القادر على مسك مقاليد الأمور وسحب البساط والشرعية من تحت المقاومة العراقية التي طالما طالب بعضها بجدولة الانسحاب,  وهي من جهة أخرى مناورة اضطرارية  لتقليص الجهد والكلف المادية والبشرية الباهظة وإيقاف الاستنزاف من خلال قطع التماس مع الشارع العراقي.

"
تأتي الاستثناءات والمقترحات الأميركية لإعادة التواجد العسكري في بعض المناطق التي تضربها موجات العنف لتعطي دليلا على مدى ضبابية التوقيتات الأميركية للانسحاب التي تم وضعها في بنود الاتفاقية الأمنية
"
إعادة الانتشار بدل الانسحاب
اتفاقية الانسحاب الأميركي أو خطة أوباما للانسحاب عبارات أطلقت لتمويه الصيغة الجديدة لتواجد القوات العسكرية الأميركية في العراق، فمن المعروف أن مسك العقد العسكرية الخارجية والإحاطة بالمدن والقصبات من خلال شبكة مترابطة من القواعد العسكرية الكبرى، يوفر حماية ومرونة عالية واختصارا في الجهد والكلفة، وهو أكثر خطورة على الشعب العراقي، فالقواعد الأميركية الرئيسية التي تقع في مناطق صحراوية ونائية والقواعد الثانوية التي لا تبعد في بعض المدن والمناطق المهمة سوى كيلومترات -حيث انتقلت القوات الأميركية من مراكز المدن إلى ضواحيها- توفر ما هو مطلوب منها ولكن بجهد وتكلفة أقل.

 

وعلى الرغم من التأكيدات الأميركية بجدولة الانسحاب فإن ثمة أسئلة وشكوكا حقيقية تحوم حولها وتحول دون الركون إليها بشكل كامل أو البناء عليها، فالاتفاقية الأمنية تشير ببندها الثلاثين إلى إمكانية تعديلها بموافقة الحكومتين الأميركية والعراقية، كما أن الرئيس الأميركي قد ربط وتيرة وتوقيتات خطته للانسحاب من العراق بالاعتماد على مستويات العنف الجاري في العراق وهو مفهوم ومعيار غامض لا يمكن التحكم في مصادره أو دوافعه أو تحديد الجهات التي تقف خلفه والتي هي في معظم الأحيان خارجة عن إرادة العراقيين.

 

وربما تأتي الاستثناءات والمقترحات الأميركية لإعادة التواجد العسكري في بعض المناطق التي تضربها موجات العنف لتعطي دليلا على مدى ضبابية التوقيتات الأميركية للانسحاب التي تم وضعها في بنود الاتفاقية الأمنية وتعلق وارتباط ذلك بالمصالح الإستراتيجية النهائية.

 

ففي مطلع أغسطس/آب الماضي وعلى خلفية التوتر بين إقليم كردستان ومحافظة نينوى حول الحدود الإدارية لكل منها أو ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها التي تطمع الأحزاب الكردية المهيمنة في شمال العراق بضمها إلى الإقليم في ظل الحماية الأميركية، وفي الوقت الذي تعد فيه هذه القضية شأنا داخليا يخضع للحكومة العراقية، طالب قائد القوات الأميركية في العراق بتشكيل نقاط تفتيش ثلاثية مشتركة من القوات الأميركية والعراقية ومن مليشيا "البشمركة" العائدة لإقليم كردستان، على أن تكون هذه القوات المشتركة بإشراف وقيادة القوات الأميركية.

 

قوات النخبة والتحكم عن بعد

طبقا للتوقيتات التي أعلنها الرئيس الأميركي فإن الولايات المتحدة الأميركية ستباشر بسحب معظم قواتها تدريجيا إلى أغسطس/آب 2010 وهو الموعد الذي حدده الرئيس الأميركي موعدا لانتهاء "المهمة" في العراق، تلي هذا الموعد مرحلة انتقالية تبقى خلالها قوات تتراوح ما بين 35 ألفا إلى خمسين ألف جندي من قوات النخبة لتقوم بمهمات تدريب وتجهيز القوات الحكومية العراقية وحماية الرعايا والمصالح، على أن تنسحب كافة هذه القوات بشكل نهائي من الأراضي العراقية في ديسمبر/كانون الأول 2011.

 

"
بقاء قوات النخبة الأميركية وبأعداد تصل إلى حدود خمسين ألف جندي كقوات تدخل سريع مدعومة بقوة جوية ضاربة في القواعد الأميركية المنتشرة في أرجاء العراق، لا يغير من صفة الاحتلال شيئا
"
التوقيتات المشار إليها أعلاه ترتبط طبقا لنصوص الاتفاقية الأمنية بمستوى العنف وتعهد الولايات المتحدة الأميركية بالحفاظ على النظام السياسي في العراق واعتباره شريكا في الحرب العالمية على الإرهاب.

 

إن بقاء قوات النخبة الأميركية وبأعداد تصل إلى حدود خمسين ألف جندي كقوات تدخل سريع مدعومة بقوة جوية ضاربة في القواعد الأميركية المنتشرة في أرجاء العراق، لا يغير من صفة الاحتلال شيئا، خاصة وأن هناك ما بين 100 – 160 ألف من مرتزقة الشركات الأمنية حسب المصادر الأميركية المستقلة يقومون بمختلف الأعمال العسكرية ولم تتطرق بنود الاتفاقية وخطة الرئيس أوباما إلى انسحابها أو مستقبلها أو طبيعة واجباتها، رغم أن الجميع يعلم أنها قوات ترتبط وتتكامل كليا مع وزارة الدفاع الأميركية تحت توصيف "خصخصة الحرب" التي نظر لها وزير الدفاع السابق وأحد مخططي الحرب على العراق دونالد رمسفيلد ولجأ إليها البنتاغون بعد إحجام الشباب الأميركي عن التجنيد والتطوع أثر حجم الخسائر الجسيمة التي تتكبدها القوات النظامية الجيش الأميركية في العراق.

 

ثبات المصالح وتغيير الآليات

لم تكن الولايات المتحدة الأميركية لتتجشم كل هذه الخسائر في العراق من أجل الديمقراطية ونشر الحرية، وإنما تقف وراء الغزو مصالح إستراتيجية ثابتة تتعلق بالأمن القومي الأميركي ومصالح أخرى طارئة لأطراف ولاعبين ثانويين نشأت بعد الاحتلال، وبتضافر هذين الصنفين من المصالح يمكن الاستدلال على إن التوقيتات الموضوعة للانسحاب النهائي نهاية 2011 مناورة أميركية بامتياز وأن القوات الأميركية تساندها قوات المرتزقة باقية بقواعد ثابتة ومتحركة طبقا لهذه المصالح ربما لعشرات السنين.

 

ولم يكن المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية جون ماكين ليتحدث من فراغ عندما ذكر في حملته الانتخابية أنه ينوي في حالة فوزه إبقاء القوات الأميركية في العراق مائة عام، وهو العمر الافتراضي لأكبر احتياطي للنفط في العالم والذي يطفو عليه العراق.

 

على مستوى المصالح الإستراتيجية فمن الواضح أن واحدا من أهم هذه الأهداف هو وضع اليد مباشرة على النفط العراقي حيث ترتبط السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية بشأن إرسال وإنشاء قواعد عسكرية إلى بلدان أخرى بالحاجة للنفط وضمان تدفقه، لا سيما وأنه من المتوقع أن تبلغ استيراداتها الخارجية من النفط في العقد القادم 70% من مجمل احتياجاتها، وهذا ما يؤكده توقيع الحكومة العراقية لما يسمى بجولة التراخيص الأولى والتي أحالت بموجبها الحكومة العراقية ولمدة عشرين سنة حقولا نفطية تمثل محتوياتها 90% من النفط الخام العراقي إلى شركات أميركية.

 

كما أن الولايات المتحدة تضمن من خلال وضع يدها مباشرة على النفط العراقي قطع الطريق على الأقطاب الدولية الصاعدة والمنافسة للولايات المتحدة للتربع على هرم النظام السياسي الدولي من خلال التحكم بعصب الطاقة في القرن الحادي والعشرين.

 

"
لم تكن الولايات المتحدة الأميركية لتتجشم كل ما تكبدته من خسائر في العراق من أجل الديمقراطية ونشر الحرية، وإنما تقف وراء الغزو مصالح إستراتيجية ثابتة تتعلق بالأمن القومي الأميركي ومصالح أخرى طارئة لأطراف ولاعبين ثانويين نشأت بعد الاحتلال
"
على مستوى مصالح الأطراف الثانوية التي نشأت عقب الاحتلال ولم يعد من مصلحتها مغادرة القوات الأميركية تقف في المقدمة الشركات الأمنية التي تجني من استمرار الاحتلال مبالغ طائلة، إضافة إلى جنرالات الحرب الأميركيين الذين أصبحوا من الأثرياء نتيجة الفساد والتفكك الذي تشهده المنظومة المالية والإدارية في العراق، حيث نهب -طبقا للتقديرات الأميركية منذ بداية الاحتلال- ما قيمته 125 مليار دولار من أموال إعادة الإعمار والعقود الوهمية الأخرى.

 

تبقى الجهة الأكثر حرصا وتمسكا ببقاء قوات الاحتلال أكثر من الاحتلال نفسه هي الطبقة السياسية العراقية التي استعان بها الاحتلال لإنجاز صفحاته السياسية والاقتصادية، وخاصة الأحزاب العنصرية ذات النزعة الانفصالية في شمال العراق والأحزاب الدينية ذات النزعة الطائفية والتي ترتبط بوجودها ومصيرها إلى حد بعيد بوجود ومصير الاحتلال، لذا نجدها حريصة كل الحرص وتحت كل الذرائع على إبقاء القوات الأميركية إلى أبعد مدى لضمان بقائها خشية من ضياع مكاسب وامتيازات الثروة والسلطة.

 

خلاصة القول أن المؤشرات الموضوعية تشير بما لا يقبل الشك إلى أن مصالح الولايات المتحدة الأميركية وخاصة في شقها الاقتصادي ستفرض على الإدارة الأميركية إبقاء أعداد من القوات قد تصل إلى خمسين ألفا من قوات النخبة تساندها قوات المرتزقة خارج التوقيتات المعلنة بحجة الحفاظ على المصالح الأميركية وحماية النظام الديمقراطي الفتي بناء على طلب الحكومة العراقية وربما في المرة القادمة بعد استهلاك الأعذار وكسب الوقت، ستبقى هذه القوات تحت بند اشتراك العراق في الحرب العالمية لمكافحة الإرهاب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة