الثورات العربية بعيون إسرائيلية   
الأربعاء 28/4/1433 هـ - الموافق 21/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:02 (مكة المكرمة)، 13:02 (غرينتش)
نبيل السهلي

إسرائيل في مواجهة العاصفة
الربيع العربي في ميزان الربح والخسارة
الثورات العربية في بعدها الإقليمي

انشغلت مراكز البحث الإسرائيلية منذ اليوم الأول لانطلاقة الثورات العربية بدراسة التداعيات المحتملة على إسرائيل, ولم تخف المؤسسة الإسرائيلية خوفها من نجاح بعض الثورات واستمرارها في بعض الدول العربية. وقد يكون المؤتمر الذي أقامه مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي بتاريخ 25/1/2012 تحت عنوان "الربيع العربي.. عام على انطلاقه.. نظرة للمستقبل" من أهم المؤتمرات التي عقدت في إسرائيل لتوصيف الثورات العربية، وتجسد ذلك بمشاركة واسعة لباحثين متخصصين وإستراتيجيين، فضلاً عن قادة عسكريين وبعض صانعي القرار في إسرائيل.

واللافت أن المؤسسة الإسرائيلية قد أصيبت بهلع شديد بسبب المتغيرات المتسارعة على الأرض في العالم العربي بفعل استمرار الثورات العربية، فمن جهة برز عامل جديد في الواقع العربي يتمثل في الشعب العربي الذي يتطلع إلى مستقبل واعد ينسجم مع حجم تضحياته خلال فترة العقود الماضية من الاحتلال الإسرائيلي.

وتبعاً لذلك فإن انتقال القرار من الدكتاتوريات العربية إلى الشعب العربي يشكل تهديداً إستراتيجياً لإسرائيل. ومن جهة أخرى فإن صعود القوى الإسلامية إلى سدة الحكم في أكثر من دولة عربية وبشكل خاص مصر يزيد من قلق أصحاب القرار في إسرائيل، خاصة وأن تلك القوى ترفض من حيث المبدأ فكرة الدولة اليهودية، وكذلك الاتفاقات المعقودة معها.

أيهود يعاري:
ما جرى في الدول العربية ليس إعصارا فحسب بل غيمة كبيرة تلبّد سماء الشرق الأوسط حيث صعد الإسلاميون إلى السلطة دون تخطيط مسبق

إسرائيل في مواجهة العاصفة
في محاضرته التي ألقاها في المؤتمر المشار إليه، وتحت عنوان "الإخوان المسلمون وإسرائيل"، يشير الباحث الإسرائيلي أيهود يعاري "إلى أن ما جرى في الدول العربية ليس إعصارا فحسب بل غيمة كبيرة تلبد سماء الشرق الأوسط، حيث يصعد الإسلاميون إلى السلطة دون تخطيط مسبق، وأن فوز الإخوان المسلمين في الانتخابات في مصر سيضعهم في مواجهة معضلات كثيرة، بيد أن ما حدث في الدول العربية كبير، حيث بدأ العربي يشعر لأول مرة بأنه مواطن، وأن الشعوب العربية بدأت تتحسس قوتها بفعل ميادين التحرير"، وخلص الباحث إلى أن المسلمين يوحدون صفوفهم في مواجهة إسرائيل.

ومن جهته أكد الدكتور عوديت عيران في محاضرته، التي ألقاها تحت عنوان "اتفاقيات السلام في محنة" في نفس المؤتمر، أن اتفاقات السلام المعقودة مع الدول العربية تواجه تحديات جمة في ظل المتغيرات العربية وصعود القوى إلى السلطة في أكثر من دولة عربية، وأشار إلى أنه بدون وجود حل للصراع العربي الإسرائيلي بكونه الأساس لا يمكن أن يكون هناك حل للصراع في المنطقة.

وقد يكون ما قاله اللواء احتياط عاموس يادلين رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أثناء كلمة افتتاح المؤتمر المذكور بمثابة ملخص لوجهة نظر المؤسسة الإسرائيلية من الثورات العربية، حيث اعتبر ما يجري يقظة عربية لا تقتصر على الربيع، بل وفيها فصول عديدة ومتغيرات مختلفة.

واللافت في كلمة عاموس يادلين إشارته إلى أنه لا يوجد للثورات العربية زعيم، بل إنها ثورات بدون قادة، وكذلك لا يوجد لتلك الثورات أيديولوجيا محددة، ويتساءل عن مصدر سلطتها: هل هو شعار الشعب يريد كذا وكذا؟ أو الله ونبيه مصدر هذه السلطة؟ إن هذا هو البعد الأهم للثورات العربية.

الربيع العربي في ميزان الربح والخسارة
أكدت وسائل الإعلام الإسرائيلية، ونتائج مؤتمرات إسرائيلية عديدة وفي المقدمة منها ما جاء في مؤتمر مركز الأبحاث القومي المنعقد في 25/1/2012، أن الخاسر الأكبر هو عشرات الآلاف من العرب الذين قُتلوا أثناء الاحتجاجات في أكثر من دولة عربية، فضلا عن الاقتصادات العربية، حيث تفاقمت الأزمات الاقتصادية العربية مع مرور عام على الثورات العربية.

أما بالنسبة للفائزين من استمرار الثورات العربية فهم الإسلام السياسي الذي فاز في انتخابات كل من مصر وتونس، وسيتبوأ السلطة في ليبيا لاحقاً وفي دول عربية أخرى سيحصل نفس السيناريو.

محللون إسرائيليون يرون أن اتفاقية كامب ديفد ستكون الخاسر الأكبر من استمرار الربيع العربي, ولن تكون اتفاقيات أوسلو ووادي عربة بمنأى عن تداعيات الثورات العربية

وفي الاتجاه نفسه أشار الباحث مارك هيلر في محاضرة ألقاها في المؤتمر المذكور إلى أن شباب الثورات العربية هم من الخاسرين في استمرار الثورات العربية في ميادين التحرير، حيث لم تكن هناك صلات قوية بينهم، ولم يتوفر لديهم الوقت المناسب والكافي لتنظيم أنفسهم في أطر حزبية ودخول الانتخابات بعد سقوط الأنظمة، أما المنتصرون -كما يرى الباحث الإسرائيلي- فهم الإخوان المسلمون الذين يتمتعون بقوة تنظيمية هائلة منذ زمن بعيد.

ويرى عدد كبير من الإستراتيجيين الإسرائيليين أن الثورات العربية لن تنتهي مع أفول عام 2012، ومع استمرارها ستكون التحديات التي ستواجه الإسرائيليين كبيرة والتداعيات سلبية، خاصة مع استمرار صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في الدول العربية. وهنا يرى محللون كثر أن الاتفاقيات العربية الإسرائيلية، وبشكل خاص اتفاقية كامب ديفد، ستكون الخاسر الأكبر من استمرار الربيع العربي، ولن تكون اتفاقيات أوسلو ووادي عربة بمنأى عن تداعيات الثورات العربية التي ستطيح في نهاية المطاف بالدكتاتوريات العربية والاتفاقات المذعنة المعقودة مع الكيان الصهيوني.

الثورات العربية في بعدها الإقليمي
سلطت وسائل الإعلام الإسرائيلية الضوء بشكل كبير على تطورات الموقفين الإيراني والتركي من الثورات العربية، وأكد باحثون إستراتيجيون في إسرائيل أن ثمة تجاذبات قوية تركية وإيرانية منذ أكثر من عام من أجل النفاذ بشكل كبير إلى المنطقة العربية.

وأشارت البروفيسورة الإسرائيلية عوفرا بانجو في سياق محاضرتها، التي ألقتها في مؤتمر مركز البحث القومي الإسرائيلي في 25/1/2012 والتي كانت بعنوان "تركيا والإسلام الديمقراطي"، إلى أن تركيا حققت مكاسب جمة في ظل المتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط، وتؤكد البروفيسورة الإسرائيلية أن حادثة قافلة السفينة مرمرة، وكذلك الموقف التركي من عملية الرصاص المصبوب أعطيا تركيا دفعة لتتبوأ مكانة هامة في العالم العربي، وفسحا المجال لتركيا لدخول أسواق ومنافذ أخرى كثيرة.

كما تشير إلى أن العرب باتوا ينظرون إلى تركيا بوصفها نموذجا قادما يحتذى به بعد انتصار الثورات العربية، وقد تعزز هذا الاتجاه بسبب ازدياد شعبية أردوغان في ميادين التحرير العربية، ووقوفه إلى جانب الفلسطينيين خاصة أثناء عملية الرصاص المصبوب في قطاع غزة في نهاية عام 2008 وبداية 2009.

العرب باتوا ينظرون إلى تركيا بوصفها نموذجا قادما يحتذى به بعد انتصار الثورات العربية, أما إيران فقد خسرت أوراقا كثيرة في العالم العربي خلال الربيع المستمر منذ أكثر من عام

وبالنسبة لإيران يرى كثير من الباحثين الإسرائيليين أنها خسرت أوراقا كثيرة في العالم العربي خلال الربيع العربي المستمر منذ أكثر من عام. فعلى الرغم من ارتياح إيران لسقوط نظام حسني مبارك، فإنه لم يجر تطبيع العلاقات مع مصر حتى الآن، لكن إيران تراهن -حسب البروفيسور مائير ليتفاك رئيس الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب- على تنامي العداء الشعبي المصري لإسرائيل واتجاهات تطوره في المستقبل.

لكن البروفيسور مائير يشير في نفس الوقت إلى تراجع شعبية إيران في المنطقة العربية في ظل التناقض الآخذ في الاتساع بين السنة والشيعة في الآونة الأخيرة، وخاصة خلال العام المنصرم من عمر الثورات العربية.

وتبقى الإشارة إلى أن تداعيات كبيرة وجذرية ستحصل في الشرق الأوسط بعد انتصار الثورات العربية، حيث ستكون الشعوب العربية هي ربان السفينة الحقيقي لمستقبل عربي واعد، وستغيب بكل تأكيد صورة الدكتاتوريات التي أوقعت العالم العربي في إسار اتفاقيات مذعنة مع إسرائيل، وعلاقات غير متوازنة مع العديد من دول العالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة