التيار الجهادي في السعودية.. الجذور والتحولات   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ كمال حبيب

- ظهور التيار الإصلاحي السلفي وتحولاته
- الإطار المعرفي للتيار الجهادي
- مستقبل التيار الجهادي

يمثل أسامة بن لادن الجيل الأول للتيار الجهادي الجديد في السعودية وهو جيل مختلف عن الأجيال التي سبقته والتي تنتمي لعموم الحركة الإسلامية في السعودية. ويمكن القول إن بن لادن والتيار الجهادي الذي يمثله اليوم كتائب الحرمين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب هم الموجة الثالثة من المواجهات مع الدولة السعودية الحديثة التي أسسها الملك عبد العزيز بن سعود.

فالموجة الأولى مثلها الإخوان الذين تحالفوا مع مؤسس الدولة حيث تم القضاء عليهم لعدم وعيهم بقواعد اللعبة السياسية الدولية. ويمكن القول إن الإخوان مثلوا استمرارا للتقاليد الوهابية التي لم تنشأ في سياق جدل مع المستعمر الخارجي كبقية حركات المقاومة والإحياء الإسلامي في البلدان العربية والإسلامية التي تعرضت للغزو الخارجي، ولكنها تعبير عن السعي لحالة إصلاح داخلية هي أقرب لتعبيرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإعادة الأوضاع إلى حالتها الصحيحة الموافقة للشرع والدين.

والموجة الثانية مثلتها حركة جهيمان العتيبي الذي تحصن بالحرم المكي معلنا عن ظهور المهدي وضرورة مبايعة الناس له وذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 1979 وحدثت مواجهة هائلة بينه وبين السلطات السعودية التي استعانت بالقوات الفرنسية لإنهاء تمرده واستمرار سيطرته على المسجد الحرام.


مثّل الإخوان الذين تحالفوا مع مؤسس الدولة السعودية الموجة الأولى للتيار الجهادي، بينما مثل جهيمان العتيبي الموجة الثانية, أما الموجة الثالثة فقد مثلها أسامة بن لادن
وتشير التقديرات إلى أن المقاتلين الذين تحصنوا مع جهيمان بلغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل وظلوا متحصنين بالحرم لمدة 22 يوما كاملة. ولا ريب أن هذه الواقعة مثلت فصلا خطيرا من فصول تحدي شرعية النظام السعودي وإثارة علامات الاستفهام حول ما يمكن أن نطلق عليه العقد الاجتماعي الذي تأسست عليه الدولة السعودية.

وكان لهذه الواقعة صدى كبير جدا في العالم الإسلامي وفي السعودية، ويمكن القول إن حركة جهيمان كانت تعبيرا عن فعل داخلي إسلامي لم يتمكن أصحابه من الصمود لرؤية تأثيرات الحداثة واستلهام الطرائق الغربية في الحياة خاصة بعد الفورة النفطية التي عرفتها البلاد بعد عام 1973 ومثلت قمتها في العام 1979، لذا لجأت إلى فكرة المهدوية التي هي تعبير عن رؤية خلاصية للعالم.

والموجة الثالثة مثلها التيار الجهادي في السعودية والذي تعود جذور نشأته إلى انخراط الشباب السعودي منتصف الثمانينيات في الجهاد الأفغاني. وخلافا للموجتين الأولى والثانية فإن الثالثة لم تكن مهمومة بالشرعية الداخلية للنظام بقدر اهتمامها بمشاكل الأمة الإسلامية التي مثلت الشيوعية التحدي الأول لها في أفغانستان ثم ما لبثت أن أصبحت أميركا هي التحدي بعد تحرير أفغانستان، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور أفكار داخل القوى الحاكمة في أميركا تتحدث عن اعتبار الإسلام خطرا وتحديا وأنه العدو البديل للشيوعية.

ظهور التيار الإصلاحي السلفي وتحولاته
وبعد حرب الخليج الثانية واستقرار القوات الأميركية في السعودية ظهر التيار الإصلاحي السلفي الذي مثله سفر الحوالي وسلمان العودة بشكل رئيسي والذي رفض بقاء القوات الأميركية في أرض الجزيرة، وتحدى السلطة العلمائية الرسمية التي بررت بقاء استمرار هذه القوات.

وأدى القبض على العلماء الإصلاحيين إلى تنامي الخطاب الجهادي حتى داخل التيارات السلفية العامة، لكنه يمكن القول إن تحول التيار الجهادي إلى تنظيم يمارس عمليات داخل الأراضي السعودية بدأ مع عملية الرياض التي نفذت يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1995 ضد مبنى من ثلاثة طوابق يستخدم كمركز للتدريب العسكري ويتولى خبراء أميركيون تدريب الحرس السعودي فيه.

ثم تلت هذه العمليات عملية الخبر بمنطقة الظهران والتي قتل فيها 19 أميركيا. وكان الأميركيون هم المقصودين بهجمات المجموعات الجهادية التي أطلقت على نفسها "كتائب الحرمين"، لكنه مع حدوث الانقلاب الكبير في العالم بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 فتحت الإدارة الأميركية النار على العالم وأعلنت معركتها الطويلة ضد الإرهاب.

وكان المقصود هنا تحديدا تنظيم القاعدة والمؤيدين له، ولأن 15 ممن نفذوا هجمات سبتمبر/أيلول كانوا سعوديين فإن العلاقات الأميركية السعودية أصبحت على مفترق طرق، وشعر السعوديون بالضغوط الأميركية الثقيلة على مجتمعهم.

ولأن المجتمع السعودي لديه فائض هائل من الطاقة الشبابية التي تتماهى مع منطق التيار الجهادي، فإن الغزو الأميركي لأفغانستان أعاد الحياة إلى الخلايا الجهادية النائمة حيث ذهب الكثير من الشباب المنتمي للتيار الجهادي إلى أفغانستان، ومن المعلوم أن أكثر معتقلي غوانتانامو من السعودية.

كما أن النظام السعودي بدا وكأنه متحالف مع أميركا في معركتها الكبرى -بتعبير بوش- بين الشر والخير، بينما نظر التيار الجهادي إلى هذه المعركة باعتبارها حربا صليبية ضد الإسلام. ومن هنا بدأت الهجمات مرة أخرى يوم 12 مايو/ أيار 2002 على مجمعي الحمرا وغرناطة. ولم تتوقف الهجمات والمواجهات بين الشرطة والمجموعات الجهادية منذ ذلك الوقت.

وفي علم الحركات الاجتماعية يقولون إن هذه الحركات لها وجه خفي يمكن أن يظهر، وهو ما حدث فقبل الهجوم على مجمعي الحمراء وغرناطة لم يكن ممكنا الإمساك بالجسد الذي يقوم بهذه العمليات ذات الطابع النوعي الخاص، لكنه بعد هذا الهجوم بدأت دورة العنف والعنف المضاد تأخذ أبعادا أشبه بحالة الجماعة الإسلامية في مصر في النصف الأول من عقد التسعينيات.

وبدلا من اقتصار الهجمات على الوجود الأميركي فإنها طالت مباني للأمن وقتل ضباط في المواجهات ونفذت عمليات اغتيال لبعض الضباط واتسعت أهداف المواجهة لتشمل النظام والطائفة التي تدعمه. وشعر النظام على نفسه بالخطر فحدث نوع من الاستنفار الكامل لحسم المواجهة مع التيار الجهادي الذي كان يطلق على نفسه في كل عملية اسما مثل "كتائب الموت" أو "سرية القدس".

وكان آخر هذه التسميات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب/كتائب الفلوجة الذي قتل المهندس الأميركي جونسون وهاجم مجمع الخبر في نهاية مايو/أيار الماضي في عملية قتل فيها 22 شخصا بينهم 19 أجنبيا. والمقرن وفيصل الدخيل وخالد الحاج ويوسف العبيري هم الجيل الثاني في الموجة الثالثة كما أطلقنا عليها.

الإطار المعرفي للتيار الجهادي

كشأن الحركات الجهادية التي تستعجل المواجهة المسلحة مع نظمها داخل بلدانها, فإن التيار الجهادي السعودي يفتقد إلى رؤية الصورة الكلية للأوضاع المعقدة التي تواجهها بلاده
يستلهم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بشكل عام أفكار التيارات السلفية الجهادية خاصة الأفكار التي تبناها تنظيم الجهاد المصري والجماعة الإسلامية قبل تراجعاتها، لكن لأن المواجهة بين تنظيم القاعدة وأميركا كانت هي الأساس, فإن الأفكار المتصلة بالأمان والحرب والذمة والولاء والبراء شغلت جانبا مهما من الإطار المرجعي الرئيسي لهذا التيار.

فأميركا دولة محاربة ومواطنوها ليسوا مستأمنين ومصالحها مقصودة في كل مكان. ولأن أميركا صائلة على العالم العربي والإسلامي فإنها تعامل بالمثل، ومن هنا كان الذبح والتمثيل مقابل ما حدث في سجن أبو غريب وغوانتانامو.

كما أن فكرة التترس هي من الأفكار الرئيسية ومن ثم إذا كان قتل غير المسلمين من المحاربين وفقا لأفكارهم لا تتم إلا بقتل بعض المسلمين فلا بأس بقتل هؤلاء المسلمين ثم يبعثون على نياتهم, وهم يتبنون فكرة الطائفة الممتنعة التي تجعل من النظام الحاكم في السعودية وفقا لهذه الأفكار هو ومن يسانده، مقصودين بالقتال.

كما أن شخوص الطائفة الممتنعة يمكن أن يكفروا خاصة القائمين على الحكم، وهم يرون أن النظام لا يطبق الشريعة، ويشنون هجمات قاسية على علماء السعودية الرسميين وعلى التيارات السلفية التي تدعم النظام الحاكم، بل يشنون هجمات شديدة على التيار الإصلاحي السلفي الذي يمثله مشايخ كانوا رموزا لهم في أوائل التسعينيات مثل سلمان العودة وسفر الحوالي وعائض القرني بحيث يمكن القول إن التيار الجهادي أصبح الآن مستقلا بشكل كامل عن التيار الإصلاحي السعودي الذي لا يتفق مع الأعمال القتالية التي يقوم بها الجهاديون لأنها تفتقد إلى الرشد والتقدير السديد.

ويمثل الحديث النبوي "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" أحد المصادر المهمة التي يستلهمها التيار الجهادي السعودي ليبرر أعماله القتالية ضد الأجانب من العاملين والمقيمين في السعودية. ورغم أن التيار الجهادي يتوافق مع التيارات السلفية الأخرى في غالب معتقداتها، فإنه يتوسع في الحكم بالتكفير على أعيان من يعتبرهم طائفة ممتنعة عن الحكم بالشريعة.

كما أنه يستعجل المواجهة المسلحة ويراها ضرورة لا يمكن تأجيلها مع نظامه السياسي باعتباره نظاما غير شرعي. وكشأن الحركات الجهادية التي تستعجل المواجهة المسلحة مع نظمها داخل بلدانها، فإن هذا التيار يفتقد إلى رؤية الصورة الكلية للأوضاع المعقدة التي تواجهها بلاده.

كما يفتقد إلى مشروع إصلاحي سياسي واسع يمكنه أن يحقق التغيير بعيدا عن المواجهات الدامية. وهناك تجارب مهمة في هذا السياق أهمها تجربة "الطليعة المقاتلة في سوريا" وتجربة الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في مصر وتجربة الجماعات المسلحة في الجزائر، وهي تجارب جديرة أن تؤخذ في الاعتبار.

مستقبل التيار الجهادي
من خلال التجارب الجهادية التي شهدها عالمنا العربي والإسلامي فإن التجارب التي ركزت جهودها ضد القوى المعادية الخارجية التي احتلت بلدانا للمسلمين استطاعت أن تكتل وراءها جهود الأمة، كما مثلت حركات إحياء وتصحيح حقيقية مثلما حدث في لبنان والبوسنة وكما يحدث في فلسطين والشيشان وكشمير.


مستقبل التيار الجهادي مرهون بإجراء إصلاح حقيقي في مؤسسات الدولة والمجتمع من ناحية، وبقدرة هذا التيار على التحول من العنف إلى الإصلاح السياسي من ناحية أخرى
لكن الدخول في صراع هو حرب مدن كما قال عبد العزيز المقرن لأتباعه ورغم كونه إنهاكا وتحديا للدولة وعامل ضغط عنيف عليها، لا يمكن أن يؤدي إلى تغيير النظام.

وهذا ما حدث في مصر والجزائر مثلا وكما حدث في حماة بسوريا، ومن ثم فإنه من الواضح أن المواجهة المسلحة ذات الطابع الأمني ستأخذ مداها. قد تمثل القاعدة في جزيرة العرب تحديا للنظام ولفترة قد تطول، لكن المجتمع السعودي بحاجة إلى عملية إصلاح واسعة وحقيقية.

ففي علم اجتماع المعرفة السؤال الرئيسي هو لماذا تتصاعد حركات وأفكار في مجتمع ما في سياق اجتماعي وتاريخي معين؟ فالمجتمع السعودي مجتمع شبابي أكثر من 60% منه من الشباب، وهو شباب يمثل أعلى نسبة إبحار إلى عالم الإنترنت والعوالم المفترضة.

كما أنه يشهد عملية تحول اجتماعي هائلة في الداخل بالإضافة إلى ضغوط الخارج والحداثة، وهو ما يجعله عرضة لتوترات مرعبة لا يمكن التخفف منها إلا بالانفتاح والشفافية وعلى أعلى مستوى، خاصة فيما يتصل بالحوار والنقاش مع القاعدة الشبابية بل ومناقشة أفكار التيار الجهادي ومحاورته وتنشيط مجموعة الوساطة والحوار مع التيار الجهادي وتدعيم أفكار المراجعة، وقيام التيار الإصلاحي بلعب دور حقيقي في المجتمع السعودي.

إن مستقبل التيار الجهادي مرهون بعمل إصلاح حقيقي في مؤسسات الدولة والمجتمع السعودي من ناحية، كما أنه مرهون بقدرة هذا التيار على التحول من العنف إلى خوض غمار الإصلاح السياسي والمجتمعي عبر طرح مشروع إصلاحي لا يستلهم تقاليد المواجهة المسلحة. والخبرة التاريخية تقول إن أولئك الذين يدخلون في مواجهات مبكرة مع نظمهم يكونون وقودا لهذه المواجهة في حين يجني الثمار قوى أخرى أكثر حنكة وصبرا.
____________________________
باحث مصري في شؤون الحركات الإسلامية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة