المجتمعات والخطاب الإسلامي والتحولات الانتقالية   
الثلاثاء 1426/9/1 هـ - الموافق 4/10/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)
 
 
تواصل هذه المحاولة دراسة سبق نشرها في الجزيرة نت بعنوان "المجتمعات والإصلاح: هل انتهى دور النخب"، ودراسة أخرى نشرت بعنوان "تحولات كبرى قائمة على المعرفة".
 
فمشهد الصعود الذي شهدته المجتمعات في مواجهة السلطة والشركات وفي بحثها عن ديمقراطية اجتماعية وتكيفها مع العولمة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية العالمية يتضمن أيضا حالة من الانتقالية والارتباك والتفاعل مع الخطاب الإسلامي الصاعد والمتنامي والمؤثر في تشكيل المشهد.
 
"
هل اختفى الاتجاه الإسلامي كتيار مستقل لنجد تشكيلات "إسلامية" يسارية أو  ليبرالية.. فتتحول "الإسلامية" إلى مكون مشترك، أو تفقد خصوصيتها وتنتهي كظاهرة سياسية وإطار للتجمع والعمل لتصبح هوية وثقافة مثل الأوطان والأمكنة
"
الخطاب الإسلامي
والمجتمعات والعبور

تبدو الجماهير التي أولت الثقة للحركات الإسلامية في حالة من الحيرة والارتباك، فهي لم تتحرك بهذه الثقة باتجاه إعادة تنظيم المجتمعات وفق احتياجاتها وأولوياتها وخياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولكنها بقيت في مرحلة من السلبية والتردد والغياب والبلاهة والرومانسية والمأساوية.
 
ففي الأردن على سبيل المثال تقدمت الحركة الإسلامية إلى واجهة المشهد السياسي في المرحلة التي كانت الدولة تغير من طبيعتها، وتتخلى عن كثير من الأدوار والخدمات التي كانت تقدمها للمواطنين في مجالات التعليم والصحة والتموين والاتصالات والتسعير والضمان الاجتماعي والتوظيف، وإدارة الموارد، وتوفير الماء والكهرباء.
 
وكانت فرصة الحركة الجديدة الواعدة أن تحرك المجتمع باتجاه احتياجاته وأولوياته وتحديات المرحلة الجديدة والتخلص من الفساد والآفات التي رافقت المرحلة السابقة، ولكن المشهد تحول إلى ما يشبه المسرح التراجيدي.
 
فقد تكون تحالف من رجال الأعمال والسلطة في مواجهة المجتمعات والطبقات الوسطى، ونشأت حالة جديدة من الإقطاع والاستبداد، في الوقت الذي فقدت الجماهير قيادتها وبوصلتها، فهي لم تعد تعرف أهدافا تسعى إليها، ولا تدري في أي اتجاه تسير، وبماذا تطالب، وتحولت إلى وجبة هائلة ولذيذة أقبلت عليها الشركات والمؤسسات الجديدة تحت غطاء الليبرالية والخصخصة الاقتصادية والتأميم السياسي والثقافي.
 
فللمرة الأولى تبدو الحالة الضريبية معكوسة، فتفرض على الفقراء والمتوسطين ويعفى منها الأغنياء. وقدمت تحت غطاء تشجيع الاستثمار تسهيلات وإعفاءات للأغنياء، ولم يستفد من ذلك سوى حفنة من الأثرياء والمتنفذين، وحولت البلاد إلى مستودع للأموال المجهولة والاستثمارات الرمزية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
 
وتبدو الحركة الجماهيرية الأولى، جماعة الإخوان المسلمين مشغولة عن الجماهير، وتظهر الجموع المتدينة الجديدة موزعة في التشكيلات الاجتماعية والسياسية المختلفة ولا يجمع بينها برنامج أو موقف موحد، فلا يشكل التدين برنامجا ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا يربطها.
 
بالتأكيد هناك حالة متنامية من التدين غير مسبوقة، ولكنها ليست واضحة في تحول اجتماعي واقتصادي مؤثر، وبالطبع فإن الحركة الإسلامية لا تبدو مستفيدة من هذه الموجة، وأخشى من القول إنها في مرحلة انحسار وأفول.
 
ويواجه الخطاب الإسلامي أيضا المرحلة الانتقالية هذه على نحو لا يختلف كثيرا عن السياق الاجتماعي والحضاري العام، وتمكن ملاحظة حالة جديدة اليوم في العمل الإسلامي والخطاب الإسلامي تحتاج إلى فهم جديد مختلف عن السابق.
 
وربما يكون من أهم مؤشراتها الفرق الكبير بين أجيال العمل الإسلامي، فالجيل الذي كانت تنتظمه جماعات ومدارس وتيارات يبدو اليوم في مرحلة أفول لتحل مكانه أجيال لا تنتمي إلى مدرسة أو جماعة، ولكنها تنتمي إلى المجتمع بعامة، وتستقى ثقافتها وأفكارها غالبا من الفضائيات، وتجتذبها أفكار ومهارات "البرمجة اللغوية العصبية" أكثر من الكتب والدراسات والأفكار السابقة عن الدعوة والتربية والتصفية والتزكية.
 
ثمة إقبال كبير غير مسبوق على التدين والمساجد والالتزام الديني في اللباس والمعاملات، والمشاركة في المؤسسات الإسلامية الاقتصادية كالبنوك وشركات التأمين، ولكنه إقبال لا تؤطره حركة علمية ناضجة، وإنما يخضع للإعلان والتسويق وأفكار عجولة ساذجة تبث في الفضائيات والمساجد، في حين تبدو الجماعات الإسلامية التي كانت سائدة في مرحلة سابقة في حالة إفلاس وعجز.
 
المشهد يذكر بمشهد سابق عندما تقدمت الجماعات الإسلامية إلى الساحة الإسلامية وانتزعتها من مشايخ وقادة كانوا هم أيضا في مرحلة من العجز والإفلاس، فقد كانوا يقدمون الدين في حالة من السلبية والانعزال، فكانت أفكار شمول الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان، والدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية، والأنشطة والبرامج والأفكار التي كان يظن أنه ليس لها علاقة بالإسلام.
 
وتقدمت الجماعات والشخصيات الإسلامية الجديدة لتقود المساجد، والانتخابات العامة، وتقود وتشارك في قيادة المؤسسات القائمة وتقيم مؤسسات إسلامية جديدة، مدارس وجمعيات ومراكز ومستوصفات وصحف ومؤسسات إعلامية، وتطرح بدائل إسلامية في الغناء واللباس والتعليم، بل وتقيم مجتمعات جديدة متكاملة ومكتفية، يكاد أعضاؤها لا يعرفون لهم عالما آخر خارجها.
 
وللمشهد الإسلامي الجديد حسناته وسيئاته بالطبع، ولكن المؤكد أنه بحاجة إلى تفكير جديد يوصل إلى أدوات فهم جديدة، ويطرح على التيار الإسلامي أسئلة جديدة مختلفة، مثل هل تحول التيار الإسلامي إلى مكون لجميع التيارات والاتجاهات والطبقات تتشارك فيه دون أن يقدم برنامجا سياسيا وثقافيا واجتماعيا خاصا به؟
 
ومعنى ذلك هل اختفى الاتجاه الإسلامي كتيار مستقل، لنجد تشكيلات يسارية إسلامية، وليبرالية إسلامية، وعلمانية إسلامية، وقومية إسلامية، ومحافظة إسلامية، وكمبرادورية إسلامية، ووطنية إسلامية، لتتحول "الإسلامية" إلى مكون مشترك، أو تفقد خصوصيتها وتنتهي كظاهرة سياسية وإطار للتجمع والعمل، وتتحول إلى هوية وثقافة مثل الأوطان والأمكنة؟
 
"
ثمة انقطاع كبير بين الجيلين القديم والجديد في الحركة الإسلامية، فهما حالتان منفصلتان، ولكنا نحتاج إلى أداة قياس لمعرفة حقيقتهما، فالتفكير هو ما نحتاج إليه، التفكير على النحو الذي يمنحنا أدوات صحيحة للفهم
"
التحولات وفروق
الأجيال

حالة الانتقالية أو العبور التي تمر بها المجتمعات لم تصب بالارتباك الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والحركة الإسلامية فقط، ولكنها تبدو اليوم أيضا في فروق هائلة بين الأجيال تؤشر على انقطاع أكثر من الخلاف الطبيعي الناشئ عن النمو والتدرج، وقد تكون الحالة الإسلامية نموذجا يصلح للتعميم.
 
النماذج الإسلامية الجديدة من الدعاة والإعلاميين التي تقدمها الفضائيات تبدو لي ولأمثالي (جيل العقد الخامس والسادس ممن نشأ في الحركات الإسلامية) نوعا من الفيديو كليب، ولكن ربما تكون مشكلة الفهم لدي أنا وليس لدى النماذج الجديدة من الخطاب الإسلامي، فقد أكون أنتمي إلى جيل وتجربة ومرحلة لا تساعد على فهم الحراك الجديد للخطاب الإسلامي.
 
ربما تكون هناك حالة جدية وجديدة لم نستوعبها بعد، ربما تكون ثمة اتجاهات وأفكار لم نعلم بها بعد، ولكن يبدو أن الجيل الجديد لا نحن من يملك المبادرة، هل يتحدث جيلنا بلغة لم تعد مفهومة؟ أم هل يتحدث الناس بلغة لم نعد نفهمها؟
 
نحتاج إلى عملية استماع طويلة ودؤوبة وشاملة، شيء من قبيل المسح الشامل لأفكار وهموم وتطلعات الأجيال، وليكن السؤال: أين نحن؟ ماذا حققنا وماذا خسرنا وماذا فاتنا؟ ما الذي نريد؟ وما الذي نحتاج إليه؟
 
وفي بعض الأحيان أغامر بالدعوة إلى نسيان كل هذه الأسئلة، فلماذا لا نتعرف على الجيل ونستمع إليه فربما يعرف أحسن منا، ما الحكمة التي يمكن أن نقدمها؟ ونحن ابتداء فشلنا فشلا ذريعا، فلماذا نسعى لنفرض على الجيل تجربتنا التي لم نعد مقتنعين بها، لماذا لا ننسحب وننتظر على الأقل ونتركهم يجربون هم ويفكرون ويعملون بدلا منا.
 
ولكن الانتقالية مرحلة شاملة وتنسحب على الأفكار أيضا، فنحن في مرحلة قائمة على التحول والشك والانتقال الشامل، ولذلك يجب رفض القبول والاطمئنان لأنهما حالتان تنتميان إلى الماضي الذي يبدو -وإن كان قريبا- مختلفا جذريا مثل الاختلاف بين السفينة الشراعية والبخارية.
ربما يكون الفرق بيننا وبين الجيل الجديد أنه لم يعش التجربة السابقة التي هي -وإن كانت قريبة زمنيا- مختلفة كثيرا، ولذلك فإني لست متأكدا مما إذا كنا قادرين على تقديم شيء مفيد له.
 
أشعر بخلاف كبير مع الجيل، فهو لا يريد خبرتنا، وربما لا تفيده، "ربما" هذه تفزعني وتصيبني بالقلق، وهنا الحيرة والسؤال، ماذا لدينا؟ وماذا ينقصهم؟ ثم ما هي إجابتهم على السؤالين أنفسهما، هل الإجابة واحدة؟ أين نحن؟ وأين هم؟ من نحن؟ ومن هم؟ أين وصلنا، ومن أين بدؤوا؟
 
من المؤكد أن ثمة انقطاعا كبيرا بين الجيلين، فهما حالتان منفصلتان، ولكنا لا نملك إجابة تستند إلى قياس صحيح وموثوق به، نحتاج إلى أداة قياس وتفكير أيضا، فالتفكير هو ما نحتاج إليه، التفكير على النحو الذي يمنحنا أدوات صحيحة للفهم.
 
"
عندما تعجز المؤسسات والأطر القائمة عن استيعاب التحولات والقلق الجديد الذي تعبر عنه الأجيال الجديدة في المجتمعات والحركات فإنها ستتجه إلى حالات تبدو غريبة من التطرف والسلبية والتفسخ
"
ضرورة الفهم الثقافي

أصبح علم الاجتماع الثقافي وعلم النفس الثقافي مسارا معرفيا مهما، ولم تعد الثقافة تقتصر على الفنون والتاريخ والآداب، ولكنها تشكل اليوم مدخلا في التخطيط والإدارة، والتعامل مع تداعيات المعلوماتية والاتصالات والعولمة، فقد تحركت الهويات والثقافات، وصعد بعضها، وصارت المجتمعات بل والأفراد متعددة الثقافات والهويات.
 
وفي تفسير العنف الجديد في الغرب بخاصة، فإن من الطروحات القوية المنطقية عدم قدرة المجتمعات والدول على بلورة هوية ثقافية جديدة تستوعب التحولات والانتقال الذي تشهده المجتمعات والحضارات.
 
فكما صاحبت مرحلة الصناعة وموجة العولمة السابقة في أواخر القرن التاسع عشر موجات ثقافية واجتماعية عبرت عن نفسها بالحركات الشيوعية والفوضوية والقومية، أو الاندفاع المحموم نحو الجنس والتمرد، أو بفلسفات ومناهج ثقافية وفنية جديدة غلب عليها طابع التشاؤم، فإننا نتوقع تحولات ومشاهد جديدة تطرأ على المجتمعات والحركات.
 
وقد تكون جماعات العنف والتطرف واحدة من تطبيقاتها وتجلياتها، فعندما تعجز المؤسسات والأطر القائمة عن استيعاب التحولات والقلق الجديد الذي تعبر عنه الأجيال الجديدة في المجتمعات والحركات فإنها ستتجه إلى حالات تبدو غريبة من التطرف والسلبية والتفسخ.
 
 فالأمم والمجتمعات والأفكار تتحرك على نحو تلقائي غامض لموازنة الأفكار والموجات وحماية نفسها ومصالحها وحقوقها، وهو حراك لا يعني بالطبع ردة فعل مباشرة ومعاكسة، فهذا لا يفسر تماماً الأحداث والأفكار.
 
وكما أن الاكتشافات العلمية تقع عادة في التخوم والحدود المتداخلة بين المعارف والعلوم فإن الصواب السياسي والاجتماعي أيضاً يقع في تفاعلات المواقف والأفكار وتداخلاتها، ومن هنا فإن علم الاجتماع الثقافي ربما يقود إلى اكتشافات معرفية تجيب على الأسئلة الجديدة القائمة.
 
وقد يكون فهم التطرف الإسلامي وغيره أيضا يقع في هذا السياق، فالتطرف ظاهرة عالمية مصاحبة للعولمة، وليس مختصاً بالمسلمين فقط، فهناك صعود للتطرف المسيحي واليهودي والهندوسي والتطرف القومي.
 
والحالة الدينية ظاهرة عالمية الآن تجتاح العالم كله ومن ضمنه الحالة الإسلامية، وهذه الحالة تتفاعل مع شعور بالظلم وشعور بعدم الاندماج، وشعور بالاغتراب والعزلة يزيد من تفاعل حالات التطرف مع السياسات القائمة.
 
 كان قيام مجموعة من المسلمين البريطانيين الذين ولدوا في بريطانيا بعمليات التفجير الغريبة الأطوار التي وقعت في السابع من يوليو/تموز الماضي موضعا للتساؤل والتفكير والبحث عن تفسير.
 
ثمة حقيقة هي أن هؤلاء الناس لم يجدوا أنفسهم بريطانيين رغم أنهم ولدوا في بريطانيا، لماذا لم يمكن تحقيق هوية تسمح لهؤلاء أن يكونوا مسلمين وأن يكونوا أوروبيين أو بريطانيين.
 
الهوية ليست شيئاً ثابتاً جامداً، ولكن يشكلها الناس في تفاعلهم مع أفكارهم ومع المكان، وإذا قصّرت الدولة وقصّر المجتمع في السماح للهويات الفرعية والاعتراف بالتعدّدية الفكرية والثقافية والإثنية، وإذا لم يفكر جيداً بضرورة أن يشعر هؤلاء الناس بالعدالة والرضا سواء في وجودهم في مجتمعاتهم أو سياساتهم نحو أمتهم، وإذا كانوا مهمّشين أو يشعرون بأنهم كذلك فإنهم يتحوّلون إلى كيان خطر على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم وعلى العالم أيضاً.
 
مرة أخرى فإن التفكير هو ما نحتاج إليه، التفكير على النحو الذي يمنحنا أدوات صحيحة للفهم.
__________________
كاتب أردني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة