الانتحاريون وبديل المقاومة   
الخميس 1425/12/3 هـ - الموافق 13/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:30 (مكة المكرمة)، 7:30 (غرينتش)
 
أثار الإعلام النرويجي زوبعة صحبها كم كبير من الإدانات استهدفت باسم غزلان -وهو مسلم- الذي دافع من منطلق ديني عن العمليات الانتحارية في الحرب.

وكان باسم قد استنكر وقوع العمليات التي نسمع عنها في العراق، في حين أنه ولعدة اعتبارات قبل بها في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وبما أنني لا أملك ثقافة في هذا المجال تؤهلني للحكم على مدى مطابقة ما أشار إليه لحقيقة الفلسفة الدينية، فسأقوم بتناول الظاهرة من زاوية القيم وحقوق الإنسان.

"
لا خلاف في شرعية استهداف القوات الإسرائيلية في كل من الأراضي المحتلة وإسرائيل لأن هؤلاء أناس اختاروا بكل إرادة ظلم شعب آخر، والقيام بشكل منظم بجرائم حرب وقتل المدنيين دون أي اعتبار
"
تصريح السيد غزلان للإعلام النرويجي يدفع إلى إجراء حوار تعتريه العديد من الإشكالات، منها على سبيل المثال: ما الذي يمكن الدفاع عنه دينيا وحقوقيا بالنسبة لما يمكن أن يكون إستراتيجية ذكية؟

رأى السيد غزلان أن هذه العمليات لابد أن تكون موجهة ضد أهداف مشروعة لا تتعارض مع مبادئ الإسلام. والأهداف المشروعة في سياق القيم على الأقل، يحددها ميثاق حقوق الشعوب خاصة اتفاقية جنيف.

والقاعدة العامة أن المتنازعين من الجانبين أهداف مشروعة، غير أن القاعدة الأخرى هي واجب الرفق بالمدنيين.

وقد جاءت بناء على ذلك تبريرات السيد غزلان الدينية متطابقة مع حقوق الشعوب، فلا خلاف في شرعية استهداف القوات الإسرائيلية في كل من الأراضي المحتلة وإسرائيل لأن هؤلاء أناس اختاروا بكل إرادة ظلم شعب آخر، والقيام بشكل منظم بجرائم حرب وقتل المدنيين دون أي اعتبار.

في كل الحروب يتعرض المدنيون الأبرياء للقتل، وهذا ما نراه في فلسطين والعراق وأفغانستان.

والحلفاء -والنرويج للأسف جزء منهم- يلقون القنابل التي نعلم أنها تقتل المدنيين الأبرياء. ومن منطلق هذه الإستراتيجية فما دامت النرويج والغرب قبلوا بقتل الأبرياء إذا كان الهدف عسكريا، فهل من المقبول أن يعمل مسلم بنفس المنطق؟

في هذا السياق لا يمكن أن يكون هناك قانون للنصارى وآخر للمسلمين، ولذلك فما هو مبلغ الخسائر البشرية الذي يمكن أن نقبل به عندما يهاجم هدف عسكري؟

فهذه إسرائيل عندما تغتال أحد المقاومين تقتل معه عددا كبيرا من المدنيين، لذا فإن من قبيل ازدواج المعايير أن نقوم نحن في الغرب بإدانة عملية قتل فيها 13 عسكريا و3 مدنيين تمت في هجوم على حافلة نقل قبل سنتين.

فالعسكريون الذين قتلوا كانوا جزءا من قوة ترتكب يوميا جرائم حرب ضد المدنيين في فلسطين، ويترتب على ذلك الدفاع عن العملية من زاوية حقوق الشعوب رغم وجود ثلاثة مدنيين من بين القتلى.

في المقابل لا يمكن أن ندافع عن عملية يقوم فيها مقاوم بتفجير نفسه وسط المدنيين، فهذا يعتبر بمعيار القيم جريمة حرب، وغزلان حسبما فهمت يرفض هذه العمليات من منطلق ديني.

"
من قبيل ازدواج المعايير أن نقوم نحن في الغرب بإدانة عملية فلسطينية قتل فيها 13 عسكريا و3 مدنيين إسرائيليين تمت في هجوم على حافلة نقل قبل سنتين
"
لكن من النادر وجود مدنيين إسرائيليين يشملهم معنى كلمة الحماية، ولا أعني هنا الناشطين اليهود في مجال المساعدات وناشطي السلام وأشباههم ممن هم ضيوف في البلد وممن يستدعي الواجب إكرامهم واحترامهم كما هو معروف في كل الثقافات.

ولكن لا يمكن اعتبار المستوطنين مدنيين في عرف ميثاق الشعوب، وهنا أختلف مع مسؤول منظمة العفو الدولية في النرويج بيتر آيدي.

فالقانون الدولي يمنع استغلال الأراضي المحتلة للمصالح الخاصة، وأي خرق لهذا المبدأ يعد جريمة حرب، وكل من يقوم بذلك يعتبر مجرم حرب، ويعني هذا أن كل مستوطن راشد يعد مجرم حرب.

ومع أن القانون لم يأت على ذكر مسألة المستوطنين فإنه من السذاجة اعتبار أن القصد من وراء القانون هو استهداف الجندي الذي يحترم القانون الدولي، بينما يؤمن مجرمو الحرب رغم ما اقترفوه من الجرائم.

وحسب اعتقادي فإن المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة يعتبرون أهدافا شرعية للمقاومة مع العلم أن هؤلاء مسلحون ويظهرون وكأنهم مليشيات، وأعضاء المليشيات أهداف مشروعة في الحروب.

بعض الخبراء في مجال حقوق الإنسان قد يخالفني في بعض ما ذهبت إليه دون أن يعطي حقوقا أكبر للمستوطنين باعتبار أنه إذا لم تكن تجب محاكمتهم بناء على مبدأ حقوق الشعوب فإن هناك قواعد قانونية أخرى قد تتيح ذلك.

وكل فلسطيني له الحق في أن يدافع عن نفسه وممتلكاته وممتلكات شعبه وأرواح أبنائه ضد المجرمين الدخلاء المغتصبين والقتلة، وليس هناك اختلاف كبير بين القانون الدولي وقانون العقوبات المدني في هذه النقطة بالذات.

"
لا يمكن اعتبار المستوطنين مدنيين في عرف ميثاق الشعوب
"
إسرائيل يطلق عليها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولكني أعتقد أن هذا فهم منحرف لمصطلح الديمقراطية إذ إن إسرائيل في أحسن الأحوال ما هي إلا دولة قومية يتم فيها الاقتراع حول من سيقوم بمهمة الاعتداء على الفلسطينيين في الدورة المقبلة، وهذا لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية.

أما فيما يتعلق بالعراق فإن الأمم المتحدة صوتت على تعيين حكومة مؤقتة تحمل مهمة إقامة الديمقراطية هناك، وهذه الحكومة لديها تفويض بحق التصرف في ثروات العراق إلى حين تحل محلها حكومة منتخبة.

ويمكن رفض هذه الحكومة من أي طرف لاسيما إذا كان الحاكم الحقيقي هو قوة الاحتلال، خصوصا أن هذه القوة –الولايات المتحدة– خولت لنفسها تجاوز المصالح العراقية والاستحواذ على عقود اقتصادية مهمة للغاية، علما بأن كمية من النفط تبلغ قيمتها ما بين 60 و250 مليار كرونة نرويجية في طريقها إلى خارج العراق.

والضمان الوحيد لاستفادة العراقيين من النفط هو بقاؤه تحت الأرض وداخل حدود العراق.

والولايات المتحدة دمرت بلدا مستقلا، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: أليس هذا الدمار أسوأ من النظام الدكتاتوري؟!
 
هناك اليوم دعوة لتنظيم انتخابات في العراق الذي يحتاج إلى حكومة تمثل الشعب العراقي حتى تستطيع أن تحافظ على مصالحه وتنهي الاحتلال، ويكون لها الشرعية والحق في إنهاء الاتفاقيات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة عندما تكتشف أنها لا تخدم مصالح العراقيين.

العراق يملك من القدرات ما يؤهله لأن يكون مجتمعا مثاليا، غير أن هذا المشروع سيتأخر والشعب سيعاني طالما أن العنف مستمر. ويمكن إيقاف هذا العنف بالطبع، إلا أن الأمر يتطلب بعض التنازل.

ولا يحتاج العراق لأكثر من تنازل طفيف يسمح بوقف إطلاق النار لحين إيجاد نظام شرعي، عندها يمكن إخراج القوات الأميركية التي ارتكبت جريمة حرب باعتدائها على العراق.

"
المستوطنون الإسرائيليون في الأراضي المحتلة يعتبرون أهدافا شرعية للمقاومة لأنهم مسلحون ويشكلون مليشيات، والمليشيات أهداف مشروعة في الحروب
"
العمليات الانتحارية في عراق اليوم يمكن أن تكون لها مبررات أخلاقية كثيرة، ولكن من الخطأ والسذاجة أن يضحي شخص بحياته بهذا الشكل في حين أنه يمكن -من خلال ممثلين شرعيين- استدعاء قوات سنية وشيعية من الدول المجاورة، وقد يمكن وجودها من التوصل إلى إحلال السلام في ظرف وجيز.

علينا إذن أن نبحث عن البديل لطيار يجلس على علو شاهق ويلقي القنابل التي تستهدف باستمرار البريء وغير البريء، ولا يتحمل مسؤولية تصرفاته.

هل هذا الشخص أكثر أخلاقا من شخص يضحي بحياته في المقاومة؟ طبعا لا. ومن قبيل نفاق الأقوى الذي يملك أعتى الأسلحة أن يبرر قتل الأبرياء بدعوى أنهم هدف عسكري.

المسلمون يشكلون اليوم نحو 1.5 مليار من سكان العالم، في حين لا يمثل الانتحاريون إلا قلة في الشرق الأوسط.

وتبدو هذه الإستراتيجية مرتبطة بالاعتداءات الغربية والإسرائيلية، ومجرد المطالبة بوقف هذه العمليات من دون تحريك أصبع من أجل إعطاء الفلسطينيين والعراقيين العدالة والديمقراطية ما هو إلا نفاق.

الدول الإسلامية التي يشعر الناس فيها بأن لهم مستقبلا لا يوجد فيها انتحاريون، فإذا كنا نريد أن نمنع هذه العمليات فعلينا أن نعطي الشباب في فلسطين والعراق مستقبلا حقيقيا لا مجرد جمل غربية جوفاء.

ولكن هل العمليات الانتحارية إستراتيجية ذكية؟ الجواب من ناحيتي بكل تأكيد لا، لأن هذه العمليات تتسبب في موت العديد من خيرة الشبان الشجعان، أضف إلى ذلك أن هذه العمليات أصبحت مستهجنة على مستوى العالم كله.

وليس من المصلحة إن كانت لديك قضية تنتظر من العالم أن يدعمك فيها أن تفعل ما يدفعه إلى التنكر لك، ناهيك عن أن الإسلام أصبح في موقف محرج، والمسلمون الأخيار مهمشون في كل العالم، ويترتب عن ذلك أن تخسر القضية نفسها.

وهنا أريد أيضا أن أقدم بعض النصائح للمناضلين الفلسطينيين، وإن كنت أعتقد أني لست الشخص المناسب لمطالبة الشباب الفلسطيني بالتوقف عن حقهم المشروع في النضال من أجل الحرية.

"
مجرد المطالبة بوقف العمليات الانتحارية من دون تحريك إصبع من أجل إعطاء الفلسطينيين والعراقيين العدالة والديمقراطية ما هو إلا نفاق
"
فإذا كان أحد يريد اعتماد المقاومة المسلحة فلابد أن يتم ذلك بشكل لا يجلب السخط، ويمكن أن يتم هذا عبر تحديد أهدافه بعناية وتعريفها للناس.

لذا ينبغي للمقاومين تجنب أي عمل يصمهم بالإرهاب، فلو تم تحديد هدف معين مثل المستوطنين (من غير الأطفال) والقوات الإسرائيلية لكان ذلك مقبولا أخلاقا وقانونا مهما كانت الوسيلة، فليس من الإرهاب مقاومة الجيش ومجرمي الحرب.

العديد من الشباب الفلسطيني ليس لديهم الإمكانيات الكافية التي يتطلبها النزاع، ولديهم نقص في التدريب وفي المعدات، ورغم ذلك يمكن أن ينجحوا إلى حد ما في اعتماد حرب العصابات.

لذلك أقترح عليهم إستراتيجية الكر والفر.. اضرب واهرب، ويعني ذلك القيام بكمين ثم الانسحاب السريع وعدم إعطاء الجنود فرصة للرد.

وأفضل من ذلك كله الاعتماد على القناصة، طلقة أو اثنتان ثم تختفي ويحتاج القيام بهذه المهمة إلى قناصة مهرة في أماكن مختلفة، بحيث يجد القناص السلاح جاهزا، فيطلق طلقة أو اثنتين ويخلي المكان. وبهذا الأسلوب يمكنه التنقل بين مواقع العمليات دون سلاح.

هذه الإستراتيجية لو تمت 50 مرة في اليوم لسوف تخلق ذعرا في صفوف العدو لا يمكن أن يسببه الرشق المتبادل.

والعالم لا يمكنه أن يدين هذه العمليات الموجهة ضد المحتل كما أن هذا يمكن أن يتم أيضا داخل إسرائيل. ومن إيجابيات هذه العمليات أنها تحفظ أرواح المدنيين.

وأفضل الوسائل في مقاومة المحتل هي المقاومة السلمية التي بإمكانها التأثير على الناس  في أي مكان من العالم. ويمكنني إعطاء نموذج لعمل سلمي قد يحقق ما لا تحققه المقاومة المسلحة.

فلو افترضنا احتشاد جماهير النساء من غزة والضفة في يوم السبت اليهودي دون وجود رجال معهن، وتحرك هؤلاء النساء باتجاه نقاط التفتيش الإسرائيلية دون سلاح أو حجارة رافعات شعارات مكتوبة بالعربية والإنجليزية والعبرية من قبيل "أنا وعائلتي لنا الحق في حياة حرة كريمة".
 
"
إذا كنا نريد أن نمنع العمليات الانتحارية فعلينا أن نعطي الشباب في فلسطين والعراق مستقبلا حقيقيا لا مجرد جمل غربية جوفاء
"
ثم تقدمت امرأتان وهما تحملان علما أبيض وتسلمان القائد الإٌسرائيلي رسالة لحكومته تتضمن المطالب التالية: إنهاء الاحتلال، إزالة المستوطنات وتحويل الجدار الفاصل إلى الأراضي الإسرائيلية. في نفس الوقت يمكن لواحدة من النساء أن تنشد أنشودة لها علاقة بالحدث.
 
لا شك في أن عملية كهذه يشارك فيها مئات الآلاف من النساء في غزة والضفة سيكون لها تأثير إعلامي كبير في الرأي العام، ولا يمكن لهذا التأثير أن تحدثه ألف عملية انتحارية أو عسكرية. ثم يتكرر هذا العمل كل سبت حتى تتحرر فلسطين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة