نحو فهم آخر لعلاقة السياسي بالثقافي   
الاثنين 6/6/1427 هـ - الموافق 3/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:00 (مكة المكرمة)، 11:00 (غرينتش)

 
الجدال الدائر حول العلاقة بين السياسي والثقافي يكتسي أهمية قصوى في فضاء المعرفة العربي والإسلامي، وذلك لاعتبارات شتى نذكر منها طبيعة الوضع السياسي المحتقن في مجمل الدول العربية والإسلامية، ونزوع مثقفيها وسياسييها إلى الفصل في قضية الأولويات الواجب احترامها أملا في تحقيق الاستقرار والاستقلال والتنمية والتطور.
 
ولا غرابة في أن ينقسم مثقفو المجتمع العربي والإسلامي -مثلهم مثل مثقفي مجتمعات ما بعد الاستعمار- إلى قسمين اثنين: قسم يوسع ساحة الفعل السياسي على حساب الفعل الثقافي، وقسم يعكس الآية فيوسع ساحة الفعل الثقافي على حساب الفعل السياسي. 
 
المتتبع لجملة النقاشات الدائرة بخصوص هذه العلاقة لا يفوته التنبه إلى أن الرأي المنتصر لأولوية السياسي على حساب الثقافي رأي يحظى أكثر من غيره من الآراء بقبول كبير وسط مثقفي الأمة العربية والإسلامية. وليس في نزوع المثقف العربي والمسلم نحو الاعتقاد بهذه الأولوية ما يدعو إلى الاستغراب، فهذا المثقف يصدر عن مقامات وأحوال حصرت أسئلته في السؤال السياسي قبل غيره من الأسئلة.
 
"
لا غرابة في أن ينقسم مثقفو المجتمع العربي والإسلامي -مثلهم مثل مثقفي مجتمعات ما بعد الاستعمار- إلى: قسم يوسع ساحة الفعل السياسي على حساب الفعل الثقافي، وقسم يعكس الآية فيوسع ساحة الفعل الثقافي على حساب الفعل السياسي
"
إن مثقف فترة ما بعد الاستعمار في المجتمع العربي والإسلامي ينطلق من سؤال جوهري مؤداه: كيف نكسر الطوق الذي يضربه حولنا "الآخر"، الغرب المستبد والمهيمن. ولما كانت هذه الهيمنة تتجسد أكثر ما تتجسد في مظاهر القهر والعنف الممارسين من مؤسسات "الآخر" العسكرية والسياسية، كذلك انصب اهتمام "الذات" على الفعل السياسي وانحصر في بوتقة السياسة.
 
ليس من مرية في أن الغرب باغت المسلمين وصدمهم بقوته العسكرية في أول لقائه بهم منذ قرنين على أقل تقدير. ولقد فات المسلمين -وهم في زحمة أمرهم يكتشفون الغرب الكاسح ويتأهبون لردع عساكره وجنوده- أن يتنبهوا إلى جملة من الحقائق. لقد فاتهم التنبه مثلا إلى أن القوة العسكرية والمؤسسة السياسية المحركة لها إنما هي رأس الرمح، أو -بلغة الاستعارة دائما- مجرد قمة ظاهرة من جبل جليدي تواريه المياه.
 
لقد فات الشعوب المستعمرة ومثقفيها الوقوف عند طبيعة العلاقة بين الفعل العسكري والسياسي من جهة والفعل الثقافي من جهة أخرى. إن جوهر مشكلة الشعوب المستعمرة مع الاستعمار تكمن عموما في كونها تُسْتَعجل وتٌستدرَج إلى البحث عن طرق تحصيل القوة المادية الكثيفة، دون الاكتراث بربطها بالقوة الثقافية اللطيفة.
 
بعد جولة عسكرية أولى أرسى الغرب خلالها دعائم وجوده العسكري والسياسي في العالم العربي والإسلامي، جعل في هذه اللحظات من عمر حضارته يجتهد ليحور المعالم الثقافية للشعوب حتى يسلبها أسباب الممانعة والمقاومة.
 
فبينما تتكاثف جهود العقول العربية والإسلامية من أجل الحصول على أسباب القوة المادية، يجتهد الغرب المستعمر من أجل شل جسم الثقافة العربية الإسلامية وتخليصها من حس الانتماء إلى الأرض والتاريخ، ومن ثمة تجريدها من القدرة على المساهمة في بناء قوة الممانعة والمدافعة بناء مخصوصا بالأمة، مرتكزا على أسسها العقدية وتصوراتها النابعة من تفاعلها مع الوجود والكون.
 
الغرب المستعمر يدرك تمام الإدراك أن القوة المادية هي كـ"لا قوة" متى جردت من عوالق القوة التصورية والثقافية، ولن يضيره في شيء أن تمتلك الدول الأخرى ما تشاء من القنابل والأسلحة إن هي التزمت بنظرته الرأسمالية وتصوراته المادية عن الوجود والإنسان.
 
إن كثيرا من الكتابات في الغرب تستغل هامش الحرية الذي أتاحته أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 أمام كل من يريد القذف والتشنيع بالمسلمين لتُدشّن لخطاب جديد ما فتئت ملامحه تتضح يوما بعد يوم، فتَحْتَ غطاء التبرم مما حدث للولايات المتحدة ينطلق المستشرق العارف بشؤون المنطقة العربية الإسلامية وتاريخها برنارد لويس ليحرض الرأي العام الدولي على فصل المسلمين عن ثقافتهم الموروثة -المعادية للحداثة الغربية الصنع- وفق وجهة نظره.
 
فإما أن تنقطع صلة المسلمين بحيزهم الثقافي، وإما أن يستأهلوا جولة استعمارية جديدة تخلص العالم من تطرفهم الكامن في عمق ثقافتهم. وقد فتح لويس بكتاباته هذه شهية غيره في الكلام، فصاروا يدلون بدلوهم في تحديد طرائق التخلص من معقل الإرهاب الدولي "الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي"، وقد غالى بعضهم في القول إلى درجة التصريح بأن الخلاص الأخير يكمن في "تخليص المسلمين من إيمانهم".
 
وبعبارة أفصح، إن الغرب المستعمر اليوم أوعى من غيره بالعلاقة القائمة بين الفعل السياسي والعسكري وبين الفعل الثقافي، بين القوة المادية الكثيفة وبين القوة الثقافية اللطيفة. إذا كانت القوة المادية للشعوب المستعمرة أسرع إلى السقوط والتلاشي في مواجهة قوة المستعمر الكاسحة، فإن القوة اللطيفة الكامنة في عمق الثقافة الشعبية أبطأ من الانكشاف والتجلي، وأعسر على الإحاطة والتملك.
 
"
انتهت مغامرات الغرب العسكرية إلى صراع صريح بين قوة مادية كثيفة تمثل الدبابة والسلاح المدجج أبرز رموزها، وبين قوة معنوية لطيفة يمثل فعل الاستشهاد -أو ما يسميه الغربيون الانتحار- أبرز رموزها
"
لقد انتهت مغامرات الغرب العسكرية إلى صراع صريح بين قوة مادية كثيفة تمثل الدبابة والسلاح المدجج أبرز رموزها، وبين قوة معنوية لطيفة يمثل فعل الاستشهاد -أو ما يسميه الغربيون الانتحار- أبرز رموزها. ولم يعد هناك من سبيل لحسم المعركة وتثبيت أركان الهيمنة في فضاءات حضارية وثقافية أخرى إلا بالولوج إلى عمق الثقافة الدفين.
 
لقد دخلت المواجهة بين الغرب المستعمر والدول العربية الإسلامية المستعمرة مرحلة جديدة، ولم يعد الصراع يجمع جيوشا نظامية ببعضها البعض، بل صار يجمع بين جيوش مدججة بأحدث أنواع السلاح، وشعوب تتحصن وراء أسوار ثقافية محلية.
 
ومع هذا الوضع الجديد صار تفكير المشتغلين بالإستراتيجية لا ينصب على التخطيط العسكري والعمل السياسي فحسب، وإنما ينصب كذلك على كيفية فتح فجوات في أسوار الحصون الثقافية من أجل تسريب أشكال تعبير جديدة وأنماط وعي ثقافي غريبة، هدفها فتح أبواب الثقافة العربية الإسلامية الموصدة في وجه القوة المادية.
 
وبمقتضى هذا الوعي بطبيعة الصراع والمواجهة يصير لزاما على مثقفي الأمة ومفكريها أن يكترثوا بأمر الشأن الثقافي اكتراثهم للشأن السياسي، إن لم يزد عنه درجة أو درجات. ليس من الترف واللهو الفكريين في شيء الغوص في أعماق الثقافة الغربية، بل إنه غوص ضروري لفهم الأصول الثقافية والمعنوية اللطيفة التي تنبني عليها الهيمنة العسكرية والسياسية الغربية.
 
ولنبدأ من هذه النقطة.. من يتأمل الآلة العسكرية الغربية اليوم، يجدها آلة تعتمد البحث العلمي في تطوير ذاتها وتحسين أدائها، وليس هذا الأمر محط نزاع أو شك بقدر ما هو محط افتخار وتباه، فالمؤسسات السياسية والعسكرية في الغرب تتباهى بقدراتها العلمية الفائقة على ابتكار الأسلحة الأكثر فتكا، والأقدر على إلحاق أكبر الضرر بالعدو. والقول بارتباط آلات التدخل العسكري بالبحث العلمي يفيد الارتباط بمنظومة علمية متكاملة، تتداخل في تحديد معالمها علوم مختلفة وتخصصات متنوعة.
 
وأما المنظومة العلمية هذه فلا يمكن تصور وجودها -فضلا عن ترعرعها- في غياب بيئة ثقافية حاضنة للحس العلمي، مزكية لخطواته. ونظرا لهذه الاعتبارات البديهية يحق لنا أن نتساءل عن إمكانية وصل الهيمنة العسكرية بنزوع ثقافي مماثل. والحاصل أن هذه العلاقة أجلى من أن تخفى على القارئ اللبيب.
 
لقد كان ولا يزال هدف العلوم في الغرب منذ عصر النهضة على أقل تقدير، تحقيق الهيمنة الشاملة والسيطرة الكاملة على جميع موضوعات البحث والتشريح العلميين.
 
ولما صارت الحقيقة محط صياغة رياضية قابلة للقياس العلمي الدقيق وللانسحاب على الكل، دخل فعل التفلسف مرحلة جديدة أخرجته من مضمار التأمل إلى مجال التحكم، وهكذا صار العقل الفلسفي يطمع في أن ينبسط على الوجود انبساطا كليا كاملا يُلغى معه الغيب.
 
لقد أصبح فعل التفلسف فعلا خاليا من الحكمة والتريث والتأمل، متنطعا في طلب تحصيل الكمال المنشود الذي لا يكدر صفوه قدر مجهول أو غيب مكتوم.
 
وعلى هذا الاعتقاد بإمكانية بسط العقل على الوجود ومحق حصة الغيب، تأسس اعتقاد آخر، اعتقاد بإمكان بسط الصناعة على الطبيعة بسطا كاملا تنتفي معه حصة الصدفة.
 
لقد تحولت الصناعة إلى أداة من أدوات إخضاع الطبيعة وقهرها على الانصياع لرغبات الإنسان والاندماج في منظومته الميكانيكية. يمكننا القول إن فعل التفلسف وفعل الصناعة هما من أفعال الهيمنة التي ينبني عليها فعل الهيمنة العسكرية في مراحل لاحقة من عمر الحضارة الغربية المستعمرة.
 
"
مدلول السياسة انتقل من التعبير عن فن إدارة العلاقة بين الذات والغير، إلى التعبير عن طرائق تطويق الآخر وإخضاع حركته ثم إدماجها في تاريخ الذات وإلحاقها بها
"
وأما السياسة فيمكننا القول إن مدلولها انتقل من التعبير عن فن إدارة العلاقة بين "الذات" و"الغير"، إلى التعبير عن طرائق تطويق الآخر وإخضاع حركته ثم إدماجها في تاريخ "الذات" وإلحاقها بها.
 
إن فعل السياسة حين ينبني على فكر فلسفي وقاعدة ثقافية مشبعين بالاعتقاد بإمكان الانبساط على الكل والانسحاب عليه، لن ينتج سوى شكل من أشكال الهيمنة، ولن يخرج عن واحدة: الطمع في إخضاع الآخر واستيعاب حركاته, وكلما أخفقت السياسة في إخضاع الآخر، فسح المجال أمام الفعل العسكري القاهر فوق رؤوس العباد.
 
أما فيما يتعلق بثقافة الصورة ودورها في تبرير الفعل العسكري ومده بأسباب الشرعية, فلما كان الفعل العسكري في الغرب يحتاج -وفق مقتضى العقلانية المتنورة- إلى ما يعقلنه حتى يصير فعلا مستساغا، احتيج إلى أن تصبغ على "الآخر" من الصفات والخصائص ما ينزله إلى منزلة القبح والفساد المطلقين، وأن تصبغ على "الذات" من الصفات ما يرفعها إلى رتبة الصلاح والحسن التامين.
 
ولو فحصنا أكثر الأشكال قدرة على سجن ماهية الأشياء وحصرها حصرا لا ينفع معه هروب، لوجدناه يتجسد في التعريف والحد الأرسطيين. إن هذا التعريف من حيث كونه جامعا ومانعا -يروم جمع الخصائص الداخلة في ماهية الشيء ومنع دخول الخصائص الخارجة عن هذه الماهية- تعريف يكرس الحدود بين الكائنات والموجودات، ويُمَكِّن لجدلية من أكثر الجدليات عقما ومدعاة للتصارع والتنافر، ألا وهي جدلية "الأنا" و"الغير".
 
فمتى تحصنت ماهية "الذات" داخل أسوار الحسن والكمال والصلاح، أرغم "الغير" على البقاء في العراء، في فضاء القبح والنقص والفساد.
 
لقد كانت مؤسسة الاستعمار تعمل على الترويج لصور تصبغ على "الآخر" صفات التوحش والتخلف والهمجية حتى تخول لنفسها عقلنة التدخل العسكري في فضائه، وكانت وسيلتها في ذلك مجموع المعارف المحصلة من الكتب والمخطوطات التاريخية. ومع بروز الحاجة إلى معرفة أكثر واقعية وقربا من واقع الآخرين، ظهرت الرحلة كوسيلة من أنجع الوسائل لنحت صورة الآخر.
 
لكن الرحلة إلى فضاء الآخر والتنقل فيه لا تكفي لنقل الخبر، فضلا عن تثبيت صورة الآخر في المخيال الجمعي وترسيخها، بل تحتاج إلى مهارات أخرى تدعمها، كمهارة الكتابة مثلا. والكتابة -على افتراض دقتها- لا تحظى بكامل المصداقية في نقل الخبر، بل تظل -شأنها شأن كل خبر- محط تصديق وتكذيب.
 
مع ظهور آلة التصوير اكتسبت الرحلة بعدا آخر، وأصبحت أكثر قدرة على ترسيخ صور الآخر في مخيلة الذات. إذا كانت صورة الآخر في مرحلة ما قبل الصورة الفوتغرافية صورة متخيلة، باعتبارها مادة مؤلفة من الرحلة والكتابة، فقد أصبحت في مرحلة ما بعد الصورة الفوتغرافية حقيقة منظورة.
 
"
الصورة الإعلامية والفوتغرافية والسينمائية تحول بين العقل وبين التدبر في ما وراء الصورة,  وليس من شيء يوازي سلطة الصورة قهرا واستبدادا بالمخيلة والعقول سوى صورة أخرى أكثر تعبيرا
"
إن فن التصوير خلافا لفن الكتابة وغيره، فن كشف لا فن تركيب، فالصورة الفوتغرافية المنقولة تكشف للناظر حقيقة واقعة ولا تصنعها. ولهذا كان فن الصورة أكثر من غيره مصداقية في نفوس المتلقي، ونفاذا إلى مخيلته.
 
ولذلك نجد أن مؤسسة الغرب العسكرية والسياسية تلجأ إلى الصورة السينمائية والفوتغرافية والإعلامية أكثر من لجوئها إلى شيء آخر، لتثبيث صورة الشرق المظلم والإسلام المتحجر. وكلما زادت مصداقية الصور المتداولة وهي تكشف ما لا يكشفه فن أو تعبير آخر، زادت أسباب الاعتقاد بموضوعية هذه الصور، فانتفت إمكانية النظر والتحقيق في بواعث الآخذ لهذه الصور.
 
إن الصورة الإعلامية والفوتغرافية والسينمائية تحول بين العقل وبين التدبر في ما وراء الصورة نظرا لكونها ألصق أنواع التعبير بفن الكشف والتعرية منها من أي فن آخر. وليس من شيء يوازي سلطة الصورة قهرا واستبدادا بالمخيلة والعقول سوى صورة أخرى أكثر تعبيرا.
 
لقد أردنا بالحديث عن فن الصورة لفت الانتباه إلى ظاهرة ثقافية (أخذ الصور) مرتبطة بمبتكر علمي (آلة التصوير) موصولة بالرغبة في ترسيخ صورة الآخر في المخيلة (الصورة النمطية) مدعمة للقرار السياسي والعسكري (اقتحام فضاء الآخر).
 
ولعلنا بالحديث عن هذه العلائق نكون قد أسهمنا في التنبيه إلى أن فعل الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية ليس فعلا مقطوعا عن البيئة الثقافية الفكرية التي تنتجه، بل هو امتداد لها.
 
ويلزم من هذا أنه لا جدوى من طرح سؤال الأولويات: هل السياسة أم الثقافة أولا؟ إن الهيمنة العسكرية والسياسية تستمد قوتها وشرعيتها من ثقافة الهيمنة.
 
كما أنه بمقدور ثقافة أخرى أن تؤسس لقوة مادية عسكرية أخرى وتساهم في رسم معالم فعل سياسي آخر. والخطر كله يكمن في أن نطمع في أن نحارب ثقافة الهيمنة بأسلحة من جنس أسلحتها، وثقافة من جنسها.
___________
كاتب مغربي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة