العراق ومحيطه العربي   
الثلاثاء 1430/9/26 هـ - الموافق 15/9/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:21 (مكة المكرمة)، 12:21 (غرينتش)
عبد الجليل زيد المرهون


أولاً: إشكالية القوة الإقليمية المتوسطة
ثانيًّا: النفوذ بدلاً من القيادة
ثالثًا: الخوف من العراق والخوف عليه
رابعًا: الخليج بوابة العراق إلى العرب

مثل العراق على مدى عقود طويلة موضع اهتمام دولي وإقليمي، تقاطعت فيه المشاريع الكبرى، وبنيت عليه الرهانات المتفاوتة، التي تغيّرت بتغيّر اللاعبين، محليًّا وإقليميًّا.

وبين تأسيس الدولة الحديثة في العراق، في عشرينيات القرن الماضي ويومنا هذا، تغيّر كل شي تقريبًا في النظام الإقليمي العربي. بيد أن إشكالية موقع العراق، ودوره في هذا النظام، ظلت قريبة من جوهرها، الذي بدت عليه لأول مرة.

واليوم، تبدو تجاذبات العراق العربية، وكأنها تؤسس لمناخ نفسي يدفعه نحو الانكفاء على الذات، أو الذهاب بعيدًا عن محيطه العربي.

وفي وضع كهذا، لا بد للعرب من أخذ زمام المبادرة، والتحرك باتجاه يؤكد دورهم وحضورهم في بلاد الرافدين.

وهنا، تبدو دول الخليج العربية في مقدمة المعنيين بالتأكيد على عروبة العراق، وانتمائه القومي، لكونها الأكثر تداخلاً معه، بالمعايير كافة.

ومتى كسبت دول الخليج العراق، فإنها تكون قد حفظت أمنها الإقليمي، وعززت من ثقلها في المعادلة الإقليمية. وفي الوقت ذاته، سيغدو الخليج حينها بوابة العراق إلى أشقائه العرب. بوابة يؤكد من خلالها انتماءه وهويته.

إشكالية القوة الإقليمية المتوسطة
"
المقاربة الكلية لمكانة العراق الجغرافية لا تشير إلى وهن، بل إلى حالة متوسطة، تقترب من كونها متقدمة, وذلك بمعيار عدد ومكانة الدول المجاورة له, وحساسية تخومه ذاتها في الحسابات الجيوإستراتيجية، الإقليمية والدولية
"
يمكن النظر إلى العراق باعتباره قوة متوسطة في محيطه الإقليمي، بدوائره الثلاث: الخليجية والعربية والشرق أوسطية. وهنا تبدأ إشكالية دوره وموقعه.

جغرافياً، يتربع العراق على مساحة تزيد قليلاً على 438 ألف كيلومترًا مربعًا. وهو يحتل بذلك الموقع 64 على الصعيد العالمي، والعاشر على مستوى الوطن العربي، والثالث في النظام الإقليمي الخليجي، بعد السعودية وإيران على التوالي.

بيد أن المعضلة لا تكمن في مدى مساحة العراق، بل في تكوينه الجيوسياسي. وتحديدًا وهن ذراعه البحري، الذي لا يتعدى 58 كيلومترًا، من إجمالي حدوده البالغة 3708 كيلومترًا. أي أن حصة ساحله لا تتجاوز 0.015% من هذه الحدود.

وعلى خلفية تكوينه الجيوسياسي هذا، بدا العراق في حاجة إلى طرق المواصلات التي تربطه بالموانئ الإقليمية المختلفة، مع الأردن أو سوريا أو تركيا. بل وحتى السعودية، حيث شُيّد في الثمانينيات خطٌ لتفريغ النفط العراقي في ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المقاربة الكلية لمكانة العراق الجغرافية لا تشير إلى وهن، بل إلى حالة متوسطة، تقترب من كونها متقدمة. وذلك بمعيار عدد ومكانة الدول المجاورة له. وحساسية تخومه ذاتها في الحسابات الجيوإستراتيجية، الإقليمية والدولية.

من جهتها، تبدو الكتلة الديمغرافية للعراق، ذات موقع متوسط، هي الأخرى، على مستوى محيطه الإقليمي خليجيًّا وعربيًّا وعلى مستوى الشرق الأوسط. فعدد سكان العراق يبلغ، وفقًا للمؤشرات الراهنة نحو 29 مليون نسمة. وهو يقع بذلك في الترتيب الـ41 عالميًّا، والخامس عربيًّا، والثاني خليجيًّا، بعد إيران ذات الـ66 مليون والأربعمائة ألف نسمة.

ويفوق تعداد العراق السكاني تعداد سوريا والأردن مجتمعين، حيث يفوق سوريا بأكثر من ثمانية ملايين. إلا أن العراق لا يصل سوى 37% من عدد سكان تركيا البالغ نحو 77 مليون نسمة.

وعلى صعيد ثروته المادية، يبدو العراق أيضاً قوة متوسطة في إطار بيئته الإقليمية، فهو صاحب رابع أكبر احتياطي نفطي عالمي، بعد السعودية وكندا وإيران على التوالي، حيث يحتفظ بـ115 مليار برميل، وفق مؤشرات عام 2008.

وعلى صعيد مخزونه من الغاز الطبيعي، يحتل العراق المرتبة العاشرة عالميًّا، والخامسة عربيًّا. ويأتي على صعيد النظام الإقليمي الخليجي بعد كل من إيران وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة على التوالي. حيث تفوق احتياطاته قليلاً ثلاثة تريليونات متر مكعب.

"
بات العراق يمثل "بيضة القبان"، من ظفر به فقد كسب التوازن الإقليمي, إلا أنه لم يربح أحد الرهان، منذ ثمانين عامًا وحتى اليوم, وهذا ينطبق على الخليجيين والإيرانيين على حد سواء
"
وعلى صعيد القوة العسكرية، يبدو العراق كذلك قوة متوسطة في إطار بيئته الإقليمية، فهو يمتلك ثاني أكبر عدد من القوات المسلحة في الخليج بعد إيران. كما أن له خبرة قتالية نظامية، وأخرى في مواجهة الظروف الداخلية. بيد أن العراق يفتقد التسليح المتطوّر، وخاصة على صعيد سلاح الطيران وأنظمة الدفاع الجوي. وحتى في عز قوته العسكرية، لم يكن للعراق تفوقه الحاسم على منافسيه الإقليميين. وكل ما حدث كان شكلاً من توازن القوى الهش وغير المستقر.

هذا الموقع الذي يتبوؤه العراق في معادلة القوة الإقليمية، في سياقها الكلي، لم يؤهله للاطلاع بدور قيادي إقليمي، لكنه جعله في الوقت نفسه عصيًّّا على الانقياد. وهذا ما أثبتته التجربة التاريخية منذ ولادة الدولة العراقية في عشرينيات القرن الماضي.

إن هذه المعادلة بطرفيها تمثل ما يمكن أن نصطلح عليه بإشكالية القوة الإقليمية المتوسطة، التي بدت ضاغطة على الدولة العراقية على أكثر من صعيد. وجعلت من العراق موضع تجاذب إقليمي، موازٍ للاستقطاب الدولي، أو تابع له.

وقد بات العراق يمثل "بيضة القبان"، من ظفر به فقد كسب التوازن الإقليمي. إلا أنه لم يربح أحد الرهان، منذ ثمانين عامًا وحتى اليوم. وهذا ينطبق على الخليجيين والإيرانيين على حد سواء. كما تُعنى بهذه المقولة كل من مصر وسوريا، بدرجات متفاوتة.

النفوذ بدلاً من القيادة
لم يستطع أحدٌ كسب العراق. وهذا هو الوجه الأول للمعادلة، أما وجهها الآخر فقد تمثل في عدم تمكن أي من الفرقاء من منع انسياب النفوذ العراقي، وتمدده إقليميًّا وعربيًّا.

لم يستطع العراق ممارسة دور قيادي، لكنه مارس نفوذًا داخل الخليج وحوله، وفي الإطار القومي الأوسع. وهذا ما أوضحته التجربة التاريخية منذ عام 1968، كحد أدنى.

جاء هذا النفوذ، في أحد من أبعاده، جزءًا من مشروع أيديولوجي، إلا أن بُعده الآخر تمثل في السعي لتحسين موقف العراق التفاوضي مع الفرقاء الإقليميين والعرب. وربما كان هذا هو الأهم.

بعد عودته الثانية للسلطة في بغداد، في السابع عشر من يوليو/تموز 1968، تحرّك حزب البعث لاستخلاص دروس تجربته القصيرة والمرة في عام 1963، التي انتهت بالانقلاب الذي قاده عبد السلام عارف، مستفيدًا من الاستقطاب الداخلي، الذي أفرزته قرارات المؤتمر القومي السادس لحزب البعث العربي الاشتراكي.

"
لم يستطع العراق ممارسة دور قيادي، لكنه مارس نفوذًا داخل الخليج وحوله، وفي الإطار القومي الأوسع, وهذا ما أوضحته التجربة التاريخية منذ عام 1968 كحد أدنى
"
ولقد تمثلت إحدى الخلاصات، التي انتهت إليها السلطة الجديدة في بغداد، في ضرورة العمل على مد أذرع البعث إلى الداخل الخليجي واليمن. وتبني القوى القومية واليسارية هناك، وهذا ما حدث فعلاً.

وفي هذا الإطار دعم العراق "الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي"، والحركة المسلحة المرعية من قبلها في ظفار (عمان). كما أنشئت قيادة قُطرية لأحدى دول الخليج، وبات أمينها العام عضوًا في القيادة القومية القائمة في بغداد. وأضحى البعث ناشطًا في الخليج، على نحو فاق المحاولات، التي رعاها من دمشق صلاح جديد، ولم يقدر لها أن تُعمر طويلاً في هذه المنطقة.

وفي اليمن كانت الظروف مهيأة على نحو أفضل للعراق، فتشكل تنظيم البعث، الذي كان تحت قيادة مجاهد أبو شوارب، والذي انشقت عنه لاحقاً مجموعة قاسم سلام.

وساهمت سنوات الحرب العراقية الإيرانية في تعزيز بعث اليمن، وبات أكبر فرع موال للعراق، بعد فرع السودان(الخط الذي كان يقوده بدر الدين مدثر). وقد تغاضت سلطة الرئيس علي عبد الله صالح عن أنشطة البعث، الذي قاد تجنيد الشباب اليمني، للقتال إلى جانب بغداد، في الحرب العراقية الإيرانية.

وبموازاة العمل الحزبي التحتي، استطاع العراق كسب عدد من الأقلام الخليجية، التي سخرت للدفاع عن سياساته، حتى بعد الغزو العراقي للكويت.

لم يكن الوضع سهلاً على حكومات دول الخليج العربي، ولم تخف خشيتها من طموحات بغداد، حتى في ذروة دعمها لها إبان الحرب العراقية الإيرانية. كما رأت هذه الحكومات في اليمن ساحة نفوذ عراقي متقدم في المنطقة، على الرغم من كل ما بدا من تطوّر في علاقات صنعاء بالداخل الخليجي. وتلك إحدى المفارقات التي لم يكتم الخليجيون قلقهم حيالها.

وفي لحظة ما، بدت بعض دول الخليج أقرب إلى بغداد منها إلى سائر الفرقاء الخليجيين. وقد نجح العراق في استنفاذ التناقضات القائمة لتوطيد مواقعه في المنطقة.

ولم يكن في الخليج من ينكر نفوذ العراق وتأثيره على قضايا كبرى، طالت العلاقات البينية، والعلاقات الخليجية الإيرانية، وروابط بعض الدول الخليجية ببعض الفرقاء العرب.

لقد بحث العراق عن دور فلم يجده، فمارس نفوذًا ضاغطًا على الفرقاء كافة. وهذه هي الخلاصة التي يُمكننا الخروج بها من تجربة العقود الأربعة الماضية.

الخوف من العراق والخوف عليه
"
ثمة هواجس متعددة الخلفيات والمنطلقات تجاه ما بات يوصف "بالعراق الجديد", وهذه الهواجس قادت إلى سلبية سياسية من قبل بعض العرب تجاه أشقائهم العراقيين, بل ربما حدث بحق هؤلاء الأشقاء ما هو أسوأ من ذلك
"
وبعد سقوط حكومة الرئيس صدام حسين، في التاسع من أبريل/نيسان 2003، بدت المنطقة على مفترق طرق، اتفق الجميع على كونه خطيرًا، لكنهم اختلفوا حول ماهية هذه الخطورة ومصدرها.

فهل كانت الخطورة المفترضة تنبع من كون القوات الأميركية قد باتت تسيطر، لأول مرة في التاريخ، على شمال الخليج العربي، وتبسط نفوذها على بلاد الرافدين؟

أم تنبع هذه الخطورة من الدور الإيراني، الذي استفاد عاليًّا من الغياب العربي، وضاعف من حضوره ليمتد إلى كل شي في العراق؟

أم أن الخطورة تكمن في الفرقاء العراقيين الجدد، الذين باتوا يديرون السلطة في بغداد؟

إن الإجابة تبدو سهلة ويسيرة على مستوى الأفراد، وربما الجماعات، لكنها ليست كذلك على مستوى الدول. وخاصة الخليجية منها، لأن لكل جواب تبعاته. وبعض هذه التبعات قد تكون سالبة وغير محبذة.

إن الدول العربية لم تجمع على تشخيص موحد للحدث العراقي، ولم تتفق تاليًّا على سياسية موحدة حياله. وفي عموم الوطن العربي، لم يكن واضحًا ما إذا كان الأمر يتعلق بخوف على العراق أم خوف منه.

إن العراق سيبقى على الأرجح قوة عسكرية مقيدة، أو حبيسة دارها، لكن اتفاقاته الأمنية والمدنية مع الولايات المتحدة قد جاءت بما كان في الحسبان، فهي ستجعل منه، في نهاية المطاف، حليفًا متقدمًا للولايات المتحدة في هذه المنطقة.

وبالنسبة لرؤية بعض الفرقاء، فإن هذا الأمر يعني تهديدًا لأمنهم القومي، ربما وصل إلى كونه تهديد وجود.

وبالنسبة لفرقاء آخرين، فإن تطورًا كهذا يشير إلى إخلال محتمل بالتوازنات، على نحو يبدو فيه العراق وقد تضخم دوره برعاية أميركية.

وأيًّا يكن الأمر، فثمة هواجس متعددة الخلفيات والمنطلقات تجاه ما بات يوصف "بالعراق الجديد". وهذه الهواجس قادت إلى سلبية سياسية من قبل بعض العرب تجاه أشقائهم العراقيين. بل ربما حدث بحق هؤلاء الأشقاء ما هو أسوأ من ذلك.

وفي المقابل، شهدت بغداد مظاهرات منددة ببعض أشقائها العرب، في مشهد يُشير إلى أن التضامن العربي قد هوى إلى وادٍ سحيق.

فإلى أين سيولي العراق شطره؟ ومن سيكون مسؤولاً عن صدوده عن قومه وعروبته، إن هو فعل ذلك، لا قدر الله؟.

إن العرب جميعًا سيكونون مسؤولين عن ذلك. وحتى لا يبكي أحد يومًا على الأطلال، فإن على كافة المعنيين في هذا الوطن العربي عدم النظر إلى العراق من زاوية مصالحهم القطرية الضيقة، التي أدخلتنا لعقود في دوامة التجاذبات وصراعات النفوذ. ولا بد، في السياق ذاته، من أن يُعطى العراقيون موقعهم الذي يستحقونه في محيطهم العربي، فقد كانوا في طليعة المضحين من أجله.

وعلى دول الخليج أن تتولى زمام المبادرة دون أدنى تأخير. وأن تبدأ دمج العراق في محيطه الخليجي، ليكون بوابته إلى العرب, كل العرب. فما هو السبيل إلى ذلك؟

الخليج بوابة العراق إلى العرب

"
الخليجيون والعراقيون معنيون، على حد سواء، بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة، تتسع مع مرور الزمن لشتى مجالات التعاون الاقتصادي والمدني، لتؤكد خيار التعايش الإقليمي
"
إن السبيل إلى ذلك يتمثل في دخول أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منفردة ومجتمعة، في شبكة مصالح متداخلة على نحو وثيق مع العراق، بحيث يقود ابتعاد أو استبعاد أي طرف منها إلى خسائر غير محتملة.

وهذا ما يعبر عنه "بكلفة الفكاك"، التي يتحقق من خلالها ما يُمكن أن نصطلح عليه بالأمن من خلال الازدهار. وعند هذه النقطة تبدأ منطقة الخليج العربي مسيرة تحوّلها التاريخي، على النحو الذي حدث في أوروبا.

إن خيار الأمن من خلال الازدهار ينسجم مع مبدأ التعاون الإقليمي بمدلوله العام، وهو لا يصطدم مع الخصوصيات المحلية لوحدات الإقليم الخليجي، ولا يتعارض مع شكل واتجاه خياراتها الخارجية.

إن الخليجيين والعراقيين معنيون، على حد سواء، بنسج شبكة من المشاريع والمصالح المتبادلة، تتسع مع مرور الزمن لشتى مجالات التعاون الاقتصادي والمدني، لتؤكد خيار التعايش الإقليمي. وتجعل من الأمن والاستقرار في هذه المنطقة حقيقة قائمة.

ومتى حدث ذلك، يكون العراق قد قطع أهم خطواته على طريق الاندماج في محيطه العربي الأكثر اتساعًا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة