المرجعيات الشيعية ومحنة المقاومة العراقية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ علي نصار

يتساءل الكثير من المعنيين عن كيفية تجاوز المرجعيات الشيعية في العراق المحنة السياسية الفقهية التي بدأت تلوح نذرها منذ سقوط بغداد في التاسع من أبريل الماضي، ومصدر المحنة هو ضرورة إجابة تلك المرجعيات على إشكالية مزدوجة:

- أولا: تقديم تجربة عربية وإسلامية جديدة في مقاومة الاحتلال النيوكولونيالي للعراق، تهيئة السبيل إلى نهوض دولة وطنية تعيد للعراق مكانته السياسية العربية والدولية، لا سيما في مواجهة الصهيونية وحلفائها.

- ثانيا: تمتين أواصر الإجماع السياسي العراقي، عبر تقويض أوهام المذهبية المتصاعدة الشيعية والسنية، لأن هتك هذا الإجماع بالعبث المذهبي أو بسواه من أشكال الفتنة الداخلية، يشكل هدفا وجوديا للاحتلال الأميركي-البريطاني، يكمل الهتك الذي أحدثته عقود الحكم الديكتاتوري.


سقوط النظام الديكتاتوري ووقوع العراق تحت الاحتلال كشف غياب التصور المشترك لدى التنظيمات الشيعية العراقية داخل وخارج مجلس الحكم
مصادر شيعية لبنانية تؤكد وجود هذه الإشكالية بالفعل، لكنها تقول إن من السذاجة أن نقيس العراق على لبنان، أو أن نطابق بين دور الشيعة العراقيين ودور الشيعة في تجربة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني. وتلفت إلى أن التنظيمات الشيعية العراقية التي كانت ناشطة في خارج العراق، قبل الاحتلال، لم يكن من همّ لها سوى تدبير أمورها الخاصة. أما الحوار الشيعي-الشيعي أو العراقي-العراقي، فكان غائبا تماما عن اهتمام تلك التنظيمات.

وعندما بدأت الولايات المتحدة تعد حملة الغزو ضد العراق انقسمت تلك التنظيمات بين تيار مشارك في إعداد تلك العدة، وهذا ما فعله حزب "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" وبعض أجنحة "حزب الدعوة"، وتيار رافض للمشاركة. وهنا "تبرر" هذه المصادر موقف المشاركين من التنظيمات الشيعية في مؤتمرات "واشنطن" و"لندن" و"صلاح الدين"، وطهران، بالقول إن تلك التنظيمات قد حاولت المحافظة على موقفها "المستقل" عن الولايات المتحدة. ثم تذكر بأن "الإخوان المسلمين العراقيين قد شاركوا أيضا في تلك المؤتمرات، عبر مندوبين حضروا بصفة شخصية، ولم يقتصر الأمر على التنظيمات الشيعية".

وترى هذه المصادر الشيعية الناشطة في مجال الوحدة الإسلامية أن سقوط النظام الديكتاتوري ووقوع العراق تحت الاحتلال، قد كشف غياب التصور المشترك لدى التنظيمات الشيعية العراقية، داخل وخارج مجلس الحكم.

وهذا "الانقسام الشيعي-الشيعي" هو أول المعوقات الموضوعية الذي يحول دون نهوض الكتلة الشيعية العراقية بدور ذي شأن في مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق، ولذلك فإن كيفية مداراة هذا الانقسام ومغالبته سوف تحدد طبيعة هذا الدور في المستقبل.

وكانت أوساط مطلعة في بيروت قد أشارت إلى ظهور "نبرة احتجاج" من جانب مثقفين عرب "سنة"، على "موقف" حزب الله وبعض رجال الدين الشيعة المجاهدين المتعاطفين مع إيران، من دور المقاومة العراقية المسلحة ضد الاحتلال الأميركي. وهذه "النبرة" تم التعبير عنها بأشكال مختلفة، كان آخرها خلال دورة المؤتمر القومي التي عقدت في بيروت منذ أيام قليلة. كما أن إحدى الشخصيات الإسلامية السنية قد وجهت "رسالة" إلى قيادة حزب الله تتعلق بهذا "الموقف" أيضا.

وتضيف هذه الأوساط أن "ارتباك" موقف حزب الله من الشأن العراقي لا بد أن تحدده جملة اعتبارات من بينها "العلاقات الشيعية-الشيعية"، وكذلك رؤية الجانب الإيراني للأزمة العراقية القائمة بالطبع على مفهوم تأمين المصالح القومية للدولة الإيرانية.

لكن هذه الأوساط لا تقلل من أهمية موقف التنظيمات والشخصيات الشيعية العراقية من حزب الله نفسه، إذ قالت هذه المصادر إن "شخصية شيعية عراقية بارزة جدا" قد وجهت "عتبا قاسيا" لوفد إعلامي قريب من الحزب قابلها في العراق قبل بضعة أسابيع.

ولا تنفي المصادر الشيعية اللبنانية وجود مثل هذا "الارتباك" في موقف حزب الله بشأن العراق، ولا من أثره على "مناخ العلاقات السنية-الشيعية" لبنانيا وعربيا. لكنها تذكر بأن الدور الشيعي في المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الصهيوني لم يظهر دفعة واحدة.

وتقول إن جهودا كبيرة صرفت آنذاك من أجل إقناع مراجع شيعية معينة بضرورة المقاومة المسلحة للمحتلين الصهاينة. لا بل -تضيف المصادر الشيعية- كان ثمة رجال دين شيعة كبار قد أصدروا بيانات، قبلوا فيها بالزعم اللبناني اليميني القائل بأن الغزو الصهيوني قد "حررنا من شرور مسلحي منظمة التحرير الفلسطينية".


تطوير دور المقاومة المسلحة العراقية مهمة وطنية وليست عملا مذهبيا وهو مهمة ستترك آثارا عربية ودولية فاعلة وهامة
ولا تجادل هذه المصادر في أن حماية إسرائيل هي من بين الأهداف الأساسية للاحتلال الأميركي للعراق، وأن أحد أوجه النزوع الظلامي في السياسة الخارجية للمحافظين الجدد الأميركان هو التطابق الحاسم بين إستراتيجية إدارة بوش الابن في أميركا والحكومة الصهيونية في فلسطين المحتلة.

ولذلك فإن تطوير دور المقاومة المسلحة التي فرضت نفسها ضمن المعادلة السياسية العراقية، هو مهمة وطنية وليس عملا مذهبيا، وهو مهمة ستترك آثارا عربية ودولية فاعلة وهامة.

لكن مصادر شيعية عليمة ترى أن مشاركة الكتلة الشيعية في المقاومة العراقية للاحتلال باتت ملموسة على المستوى السياسي، في غير منطقة ومدينة عراقية. أما على المستوى العسكري فإن هذه المشاركة لا يجوز أن ينظر إليها كمشكلة سنية شيعية حسب ما يوحي البعض، أو باعتبارها قرارا إيرانيا منتظرا، ليس بسبب وجود مقاومين "شيعة" ينتمون إلى قوى غير إسلامية، بل لأن مأزق الاحتلال يتضخم، وذرائع مجلس الحكم، وخاصة الشيعة فيهم، تتهاوى، وهذا الوضع الناشئ سيساعد على نمو المشاركة الشيعية في المقاومة.

وتقول هذه المصادر إنه مع ابتعاد "شبح صدام" تزداد النقمة على المحتلين الأميركان بسبب فشلهم في توفير الحاجات الأساسية للشعب العراقي، ويؤدي القمع اليومي إلى زيادة كراهية الشعب للمحتلين، خاصة بعد تواتر أنباء من مصادر عربية رفيعة، عن وحدات إسرائيلية خاصة تتحرك مع القوات الأميركية في العراق، وتتولى تدريب جنود الاحتلال الأميركي على تطبيق الخبرات الإسرائيلية المكتسبة من حرب الانتفاضة الشعبية الفلسطينية.

وهذا الوضع المضطرم أجبر المرجع السيد علي السيستاني وهو من رموز الحوزة الصامتة على إصدار فتوى تحرم التجارة مع اليهود، ناهيك عن شخصيات دينية شيعية عراقية أطلقت تصريحات ضد إسرائيل.

ومن الجدير بالذكر أن حلف شمال الأطلسي كان قد عقد عدة مؤتمرات فنية بعد الاجتياح الصهيوني للأراضي اللبنانية عام 1982، عرض فيها الصهاينة "خبرات الاجتياح" أمام عسكريي الحلف، خاصة الخبرات المكتسبة من حصار بيروت.

ولكن ماذا عن الوحدة الوطنية العراقية؟ فوفقا لما ذكرته أوساط مطلعة في بيروت، فإن الانقسام السني- الشيعي قد أرخى بظلاله على دورة المؤتمر القومي، علما بأن القوى الإسلامية والقومية لا تزالان قوتين معاديتين موضوعيا للهيمنة الأميركية، ناهيك عن أن الظلاميين الأميركان يصنفانهما على هذا القبيل.

وتصديقا -تقول هذه الأوساط- فإن بعض القوميين العرب الساذجين من أمثال عبد الإله النصراوي -وهو من أعضاء المؤتمر القومي العربي- قد ذهبوا إلى العراق بعد الاحتلال، وأعادوا إحياء أحد العناوين التي كانت قد تأسست على أنقاض "حركة القوميين العرب"، وطالبوا بالدخول إلى مجلس الحكم، لكن إدارة الاحتلال رفضت بحسم قاطع هذا الطلب.

وتضيف هذه الأوساط أن العراقيين وخاصة الشيعة في وضع نفسي- سياسي يجعلهم حانقين على العرب. والاحتلال ومجلس الحكم التابع له يغذيان هذه النزعة القطرية، كما يضفيان حولها مناخا سنيا- شيعيا متشنجا، وسط تكاثر الدلائل على رغبة إدارة الاحتلال في إضرام نيران فتنة مذهبية.


مواجهة المحنة السياسية/ الفقهية التي تطال المرجعيات الشيعية والسنية، تقتضي المثابرة على تغيير الجو العام ليس من خلال وسائل الإعلام بل بالعمل الصبور
وتقول هذه الأوساط إن اعتماد إذاعة الاحتلال للأذان على طريقة المسلمين الشيعة، قد ذكر كثيرا من الشيعة اللبنانيين بالحكاية التافهة التي كانت تشاع في لبنان أيام الاحتلال الفرنسي، إذ كان يقال إنه لولا فرنسا لما استطاع الشيعة رفع الأذان، فالتركي (السني) كان يحظر ذلك.

لكن المصادر الشيعية اللبنانية، وهي قريبة من إيران تؤكد أن ثمة حركة لمغالبة المخططات الطائفية المذهبية للاحتلال، ويشارك في هذه الحركة شخصيات سنية وشيعية عراقية وغير عراقية.

وعن دور حزب "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في تغذية الشعور المذهبي لدى المسلمين الشيعة العراقيين، ومسؤولية إيران في هذا الخصوص، تعترف هذه المصادر بوجود مراكز قوى في النظام الإسلامي الإيراني تضمر عصبيات معادية للعروبة. وبعد أن تضرب أمثلة على هذا العداء تعيد التأكيد على أن الاتجاه الأساسي الممسك بالسلطة الإسلامية مقتنع بأن الوحدة الإسلامية هي قضية أمن قومي للجمهورية الإسلامية.

وتحذر هذه المصادر من دور بعض الحكومات العربية في "صب الزيت" على نيران الفتنة المذهبية التي يرجوها الاحتلال وأعوانه. وتقول إن هذه الحكومات تحاول الظهور بمظهر المدافع عن المسلمين السنة العراقيين، في حين ترتبط بعلاقات دبلوماسية وأمنية واقتصادية مع الكيان الصهيوني، وتخوض معركة شرسة ضد التيار السلفي الجهادي وغير الجهادي، ليس بسبب اعتبارات أمنها الداخلي حصرا، وإنما بناء على المطالب والإملاءات الأميركية الصريحة.

وتضيف المصادر الشيعية اللبنانية أن ملاحقة التيار السلفي وتصفية مقوماته هو المهمة الرئيسية على جدول أعمال هذه الحكومات التي تواطأت ضد "انتفاضة الأقصى" الفلسطينية، وليس حماية المسلمين العراقيين سواء أكانوا من السنة أم من الشيعة.

وتقول هذه المصادر إن تمويه المعركة الداخلية التي تخوضها هذه الحكومات من أجل تصفية التيار السلفي المتنامي، يجعلها تقدم جميع فروض التعاون مع المحتلين الأميركان. ويشمل هذا التعاون أدق "التفاصيل" عن التيار السلفي. خاصة بعد تواتر معلومات عن قيام جهات أوروبية بمساع لإقامة قنوات اتصال مع رموز هذا التيار الناشط في الوسط الإسلامي السني العربي.

وتذهب هذه المصادر إلى التأكيد على أن الأوروبيين والأميركيين يتولون مباشرة جمع هذه التفاصيل، بما في ذلك عدد المساجد التي يسيطر عليها السلفيون السنة، ودراسة أسباب عدم تحول "الشعور السني" المؤيد لأسامة بن لادن إلى عمل سياسي واسع.

وتختم هذه المصادر بأن مواجهة هذه المحنة السياسية الفقهية التي تطال -على ما يبدو- المرجعيات الشيعية والسنية معا تقتضي المثابرة على تغيير هذا الجو، ليس من خلال وسائل الإعلام التي تعقد أو تبسط الأمور كليا، بل بالعمل الصبور.
ــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة