قضيتان ومبعوثان وسمتان   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: كمال الهلباوي*

تناولنا في مقال سابق بعنوان التفكير الإستراتيجي الأميركي.. سمات ومقومات بعض سمات التفكير الإستراتيجي الأميركي، واستعرضنا منها سمتين أساسيتين هما: التخطيط لمستقبل البشرية، والحفاظ على التخلف في العالم الثالث. واليوم نستعرض رحلة مبعوثين ونذكر بسمتين وقضيتين.

أما المبعوثان فهما: نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني والجنرال أنتوني زيني. وأما السمتان فالأولى منهما المشار إليها هنا في التفكير الإستراتيجي الأميركي هي الحفاظ على المصالح الأميركية، والسمة الثانية هي حماية إسرائيل وضمان توسعتها. وأما القضيتان فهما قضيتا فلسطين والعراق.


التقارير الدائرة حاليا تكشف عن التغييرات المرتقبة في الإستراتيجية النووية الأميركية التي قد تؤدي إلى استخدام هذه الأسلحة المدمرة بدلا من مجرد بقائها ضمن أسلحة الردع النووي فحسب
تحركت أميركا مؤخرا بعد فترة انشغال أعقبت أحداث 11 سبتمبر/أيلول، والحرب في أفغانستان والتهديدات الأميركية الواضحة لكل من ليس في صفهم ودمغه بالإرهاب، وأوفدت المبعوثين الأميركيين أحدهما وهو نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني يحمل أفكارا محددة ومن أجل قضية واضحة يعرضها على تسع دول عربية وإسرائيل. والقضية هي: ضرب العراق حاليا أو مستقبلا إذ إن قضية ضربه محسومة. والمبعوث الآخر وهو الجنرال زيني يقوم بجولة جديدة في فلسطين المحتلة وإسرائيل المعتدية، يحاول إحياء المشروع الأميركي السابق بشأن حل قضية الشرق الأوسط الذي تقدم به كل من رئيس الاستخبارات الأميركية جورج تينيت وعضو مجلس الشيوخ الأميركي السابق جورج ميتشل.

وتريد أميركا من ذلك تحقيق أهداف منها:

  • إعادة النشاط الدبلوماسي الأميركي إلى سابق عهده بعد استراحة طويلة تلت أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
  • تهدئة المجتمع الدولي الذي بدأ يتململ من جرائم شارون، وخرج في أوروبا في مظاهرات واعتصامات تندد بوحشية إسرائيل في فلسطين، وتهدئة التصدعات التي كادت تقع في الحزب الحاكم في بريطانيا بسبب التبعية الكاملة لأميركا والمعارضة القوية لدى الحزب في مسألة ضرب العراق، وكذلك تصدع الائتلاف الحاكم في ألمانيا بتهديد الخضر بالانسحاب للسبب نفسه وخوفا منهم على مستقبلهم في الانتخابات القادمة.
  • ممارسة ضغوط أكبر لاستئناف المحادثات بين الطرفين الإسرائيلي المحتل المعتدي والطرف الفلسطيني الذي يدافع وحيدا عن نفسه ووطنه وعرضه وعن مستقبل السلام الحقيقي في المنطقة.
  • دراسة إمكانية توجيه ضربة عسكرية للعراق قررتها أميركا، وتحاول أن تسوقها وتجد لها المبررات الكافية، وعمل التخدير اللازم لبقية جسد الأمة حتى لا تتحرك أثناء الضرب كما حدث في الضربة الأولى في عاصفة الصحراء.
  • تأكيد الوجود الأميركي في المنطقة وخصوصا الخليج وخاصة بعد التهديد الإيراني بحرق جميع آبار النفط عندما صنفتها أميركا ضمن دول محور الشر، مما اضطر الأميركان إلى التراجع مؤقتا عن ذلك الوصف بالنسبة لإيران.
  • نزع سلاح العراق، وربما تقسيم أرضه على غرار البوسنة، أو تدميره على غرار أفغانستان مؤخرا، وقد يفرح بذلك السذج ممن يستعجلون التغيير في العراق وهم لا يدركون أن صدام ونظام صدام إن سقطا بالمطرقة الأميركية فالبديل أسوأ بكثير.
  • فرض الاعتراف العربي الكامل والتطبيع الشامل بإسرائيل، ولعل بعض المبادرات العربية الأخيرة تصب في هذا الإطار بدلا من طرح مبادرات تحفظ للعرب كرامتهم وأرضهم وعرضهم وتحقق العدل المنشود لهم ولأهل فلسطين المطحونين والمشردين في وطنهم وخارجه.
  • طرد بقية النفوذ أو الأثر أو المصالح الروسية من العراق خصوصا.
  • تأكيد تحقيق المصالح الإستراتيجية ومنها: السيطرة الكاملة على المواقع الحيوية، والاقتراب أكثر من جميع أماكن النفط والإحاطة بالمنطقة كلها من أفغانستان إلى آسيا الوسطى إلى الخليج إلى العالم العربي، ونشر القوات والقواعد، والتدريب المشترك على الطريقة الأميركية بزعم مكافحة الإرهاب تمهيدا للانتقال إلى ما وراء البحر الأحمر.
  • تجربة السلاح النووي -إذا لزم الأمر- في المنطقة وإلى الذين يشككون في هذا الإطار نذكرهم بضرب اليابان، ولا أظن أن هناك أي عزيز أمام المصالح الأميركية والشعور الأميركي الغامر بالخطر على هذه المصالح، والحرص الزائد على رفاهية المواطن الأميركي. كما أن التقارير الدائرة حاليا تكشف عن التغييرات المرتقبة في الإستراتيجية النووية الأميركية التي قد تؤدي إلى استخدام هذه الأسلحة المدمرة بدلا من مجرد بقائها ضمن أسلحة الردع النووي فحسب، ويدخل في هذا الإطار أيضا قرارات أميركا الأخيرة بشأن تخزين الصواريخ ذات الرؤوس النووية التي سبق أن وعدت أميركا بتدميرها، هذا كله فضلا عن قرار الرئيس الأميركي جورج بوش الاستمرار في مبادرة الدفاع الصاروخي، والانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ البالستية حتى لو غضبت لذلك أوروبا وروسيا، إذ إن المصالحة السياسية في ما بعد ليست بمستحيلة وتستخدم لها أحيانا المصالح الاقتصادية.
  • تأكيد ضرورة الحرب لتحقيق الطموحات والمصالح الأميركية أيا كانت تلك المصالح، مادامت مرتبطة -حقيقة أو وهما- بالأمن القومي الأميركي.


الأجدر بالعرب اليوم أن تكون لديهم خطة واضحة للتحرك المقابل، وأن يكون الجواب واضحا لديهم: ماذا نريد؟ وذلك في ضوء ماذا يراد بنا؟ وأولويات ذلك
ومن العرب من يرحب بهذا التحرك الأميركي ويراه فرصة يجب أن يغتنمها العرب، ومنهم من يرفضه ولهم أسبابهم الوجيهة، ومنهم من ينتظر مترددا متذبذبا بين القبول والرفض. والفلسطينيون على هذه الشاكلة أيضا وإن زاد لديهم اليأس من الحل البشري، وقوي لديهم الأمل في الحل الإلهي. والأجدر بالعرب خصوصا اليوم أن تكون لديهم خطة واضحة للتحرك المقابل، ويكون الجواب واضحا لديهم: ماذا نريد؟ وذلك في ضوء ماذا يراد بنا؟ وأولويات ذلك.

وفي ضوء هذه المخاطر المحدقة بالأمة والعرب خصوصا، لابد من وضوح معالم خطة الرد العربي على المبعوثين الأميركيين وعلى المخططات الأميركية التي لا أظن أنها أصبحت خافية على قيادات الأمة ورؤسائها. وهناك مجموعة من النقاط يمكن للأمة أن تتحرك بها أو ببعضها ومنها:

  • تنسيق المواقف: يلتقي الرؤساء العرب والمسؤولون من وزراء وسفراء وغيرهم لقاءات ثنائية أو أكثر، ويقضون كثيرا من الوقت في العتاب وحل المشاكل التي لا مبرر لها فضلا عن عمليات التراضي والمآدب والتصريحات الإعلامية في حين لم يبق أمامهم وقت كثير ليضيع في مثل هذه الأمور، بل ينبغي أن تكون الأجندة واحدة ومحددة وواضحة، كما أنهم يلتقون مع المسؤولين في الغرب سواء في أميركا أو دول الاتحاد الأوروبي أو روسيا أو الصين أو اليابان وغيرهم. ومن الضروري أن تكون الردود واحدة وقوية وليست مثل لاءات الخرطوم الثلاث المشهورة التي لم تتحقق أي واحدة منها. اللاءات المطلوبة اليوم هي "لا" لضرب العراق و"لا" للاحتلال الصهيوني وجرائمه و"لا" للاستغلال مهما كان نوعه وللرضوخ للابتزاز أيا كان مصدره ومبعثه، بل ينبغي أن يتقدم العرب أكثر من ذلك ومعهم من جاورهم من الدول الإسلامية وفي مقدمتها إيران، لتنسيق الردود القوية إذا هوجمت أي دولة عربية أو أصابها التهديد الخارجي. وهذا حق تكفله الشرائع السماوية والشرائع الوضعية الدولية. وإذا كانت دولنا جميعا تتعاون أمنيا اليوم مع أميركا وبعضها مع بعض، فلماذا لا تتعاون من أجل فلسطين ومن أجل حماية أمنها القومي ضد الصهيونية والاستعمار الجديد.

  • أصبحت لدى أميركا قائمة اتهامات طويلة منها هجمات 11 سبتمبر والجمرة الخبيثة، وخطط التفتيش لدى الدول التي تفكر في التقدم العلمي والتقني، وكراهية الأميركان والتفكير في عمل إرهابي ضد أميركا، والانتساب إلى طالبان أو القاعدة، والحضور في أماكن لا يرضاها الأميركان ولو كان للعمل
    فتح الأبواب أمام الشعوب للتعبير عن آرائها:
    من المفترض أن الحكومات والأنظمة جاءت وفق إرادة الشعوب وتعبيرا عن نبضها وإحساسها القومي والإسلامي. وهذه الشعوب رغم ما تعانيه من مرض وفقر وجهل فإن إحساسها صادق وتعبيرها تلقائي وفطري تجاه الأخطار الخارجية، وإذا كانت الشعوب الأجنبية لديها الحرية للتعبير عن آرائها حتى مع فلسطين وضد ضرب العراق وهو ما يخالف الإرادتين الأميركية والبريطانية النظامية، فلماذا يخشى حكام العرب والمسلمين من تعبير الشعوب العربية تجاه هذه الأحداث؟! إن مواقف الشعوب رصيد للحكام وهي في الوقت نفسه إرهاب للإرهاب الخارجي ضد فلسطين وضد العراق. كم كان الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق موفقا عندما فتح الحدود أمام الأفغان المهاجرين والمجاهدين مما خفف آلام الجهاد ويسر طريق النصر، هل يعجز العرب عن ذلك وخصوصا في مصر والأردن وسوريا ولبنان لمناصرة أهل فلسطين الذين حوصرت بل ودمرت قراهم ومدنهم وحوصر رئيس سلطتهم؟ لقد تغنى الإعلام العربي كله لسنوات طويلة بمجزرتي بحر البقر في مصر وصبرا وشاتيلا في لبنان وغيرهما من المجازر، ومجازر اليوم أشد وأنكى. وينبغي فتح الأبواب أمام الطلبة في المدارس والجامعات وأمام الموظفين والعاملين في غير قطاع الخدمات وإنما في قطاع الإنتاج الحيوي، وإذا كنا نخشى على الإنتاج فلنسمح لجيوش العاطلين من الشباب بالتعبير عن ضمير الأمة في الشأن الفلسطيني والشأن العراقي. كيف يقنع الحكام شعوبهم بأن ضرب العراق وإذلال شعبه وتفتيت هذا الوطن يعين على نشر الحريات وإنقاص البطالة وزيادة الإنتاج والتقدم العلمي والتقني؟ وكيف يمكن إقناع الشعوب بأن إسرائيل لها حق في فلسطين وأن خدعة الأرض مقابل السلام قائمة؟ هل الأرض كانت ملكا للصهيونية وتقايض بها السلام مع الفلسطينيين؟ وهل النفط مقابل الغذاء حكمة وعدل؟ ومن يدري فقد نسمع غدا من يقول النيل في مصر مقابل الهواء أو الدواء.
  • الوقوف بقوة أمام الاتهامات الأميركية: أصبحت لدى أميركا قائمة اتهامات طويلة منها هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والجمرة الخبيثة، وخطط التفتيش لدى الدول التي تفكر في التقدم العلمي والتقني، وكراهية الأميركان والتفكير في عمل إرهابي ضد أميركا، والاتهام بالإرهاب والانتساب إلى طالبان أو القاعدة، والحضور في أماكن لا يرضاها الأميركان ولو كان للعمل. ولم تعد الآن قائمة الاتهامات تشمل انتهاك حقوق الإنسان ولا شيئا من هذا القبيل، بل تركز كلها على مصلحة المواطن الأميركي وحمايته من الخوف حاليا ومستقبلا، أما بقية الشعوب فلا تساوي أثناء الخلاف حبة خردل.
  • تفعيل دور الأمم المتحدة ومنظماتها: ينبغي على الدول العربية أن تتقدم بمشروع لتفعيل منظمة الأمم المتحدة، وتجريم أي عمل خارج إطارها وخصوصا إذا كان عملا عسكريا. إن من مهام الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة السعي لحماية اللاجئين وحماية المدنيين، ومن مهامها أن تضع حدا للعدوان وبصفة خاصة العسكري منه، وتنفيذ الاتفاقيات التي استغرقت وقتا طويلا في المناقشة والإعداد والإقرار، ومراجعة ما لم يكن منها عادلا وتصويبه. وعلى الدول العربية في مشروعها المقترح أن تصر على أن يكون المعيار واحدا حتى لا تختلط الأوراق ويتهم البريء ويطلق سراح المتهمين الحقيقيين. صحيح أن قرارات الأمم المتحدة تحتاج إلى قوة مع الإقناع لتنفيذها، ولكن علينا ألا ننسى أن أميركا استطاعت في عهد بوش الأب عام 1991 إلغاء قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1975 باعتبار الصهيونية حركة عنصرية؟ ولماذا يعجز العرب والعالم كله عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة بشأن قضايا مثل فلسطين؟

  • ينبغي على الدول العربية أن تتقدم بمشروع لتفعيل الأمم المتحدة وتجريم أي عمل خارج إطارها، خصوصا إذا كان عملا عسكريا
    تقديم دعم حقيقي للأقصى والقدس:
    صحيح أن القمة العربية التي عقدت في القاهرة عام 2000 قد اعتمدت مبلغ مليار دولار أميركي لصندوق الأقصى وصندوق القدس، وقد تم تسديد الجزء الأكبر من هذا المبلغ الذي كانت قد تعهدت به 12 دولة عربية، ولكن ألا تساوي القدس وهل لا يساوي الأقصى إلا هذا المبلغ؟ إذا كانت ميزانيات الدول العربية التي تعهدت -مشكورة- قد أرهقت، فلا أقل من فتح باب التبرع الشعبي للمجاهدين في فلسطين كما حدث في أفغانستان في الثمانينيات. والشعوب إن كانت في مأمن فسيتبرعون بما يملكون للتخلص من هذا السرطان الصهيوني الذي يهدد العالم العربي كله وليس فقط فلسطين التي تشكل المرحلة الأولى في هذا الإطار. حتى أميركا لا تعرف لإسرائيل اليوم حدودا، وهنا مكمن الخطر إن لم نواجهه بشكل حاسم. إن تقارير منظمة العفو الدولية لم تعد تهم إسرائيل، ولم تعد تعبأ بها أميركا اليوم تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وإذا أعلن رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو برلسكوني أنه يحمل إلى القمة الأوروبية مشروعا على غرار خطة مارشال لمساعدة الفلسطينيين بمبلغ خمسة مليارات دولار، أليس من الأجدر أن يضاعف العرب هذا المبلغ وأن يحملوا معهم إلى قمة بيروت مشروعا بهذا الحجم بحيث يكون قابلا للتنفيذ الفوري؟

_______________
* باحث في الدراسات الإستراتيجية، وعضو الرابطة الإسلامية في بريطانيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة