المصالحة الجزائرية.. متاعب وعقبات على الطريق   
الاثنين 4/3/1427 هـ - الموافق 3/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)


نصر الدين شريف

- مبادرة السلطة وحدها
- إقصاء رموز جبهة الإنقاذ
- نحو تكريس خيار العفو الشامل
- قوى الضد تشوش على المسار
- النقائص والأمل في قرارات الرئيس

كان واضعو نصوص ميثاق السلم والمصالحة الوطنية متأكدين أن مشروعهم سيواجه موجة من الانتقادات لأنه لم يتكفل بكل جوانب الأزمة ولم يضطلع بها بالشكل الذي كانت تتطلع إليه كافة أطراف المأساة التي عصفت بالجزائر زهاء عشرية كاملة.

وبناء على ذاك التوجس ضمّنوا مشروعهم فقرة ألبسته رداء القداسة والحصانة من أي كتابات أو تصريحات، تذهب إلى درجة تسليط عقوبات تتراوح بين الحبس من ثلاث إلى خمس سنوات أو الغرامة المالية بما بين 250 و500 ألف دينار جزائري (الدولار يساوي حوالي 75 دينارا) (المادة 46 من الأمر المتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة).

وهذا كان له انعكاس سلبي على الساحة السياسية والإعلامية التي ظلت خارج اللعبة بعيدا عن جوهر النقاش الذي كان ينتظر أن يثار للمصارحة والمصالحة ومن ثم فقع كل الأورام وإزالة كل الضغائن والأحقاد، والقضاء على كل جيوب تغذية الأزمة وتأجيج النزاعات.

وحرم هذا الأمر المجتمع من ديناميكية جديدة تعيد الحراك السياسي وحرارة النقاش الجدلي بالشكل الذي يعيد للجزائريين الثقة في السلطة وفي الممارسة الديمقراطية، وبالتالي يقنعهم بجدوى العمل السياسي الذي لم يعد له أي معنى في الجزائر.

"
احتفظت السلطة لنفسها بحق المبادرة بالحلول والإجراءات سواء فيما يتعلق بقانون الرحمة أو الإجراءات الأمنية الأخرى، رغم تأكيد شركائها آنذاك أن الأزمة من الخطورة والحساسية بما يجعل حلها مسؤولية الجميع
"
مبادرة السلطة وحدها
من الناحية النظرية أي من الجانب التشريعي التوثيقي كانت قوانين تطبيق المصالحة الوطنية وفية لوجهة نظر السلطة كطرف أساسي في النزاع الدامي، وعكست طريقتها في التعاطي مع تطورات الأحداث منذ قرار وقف المسار الديمقراطي وإلغاء التشريعيات.

لقد كرست نفس المنطق الإجرائي الشكلي الذي اتسمت به سياستها في معالجة الأزمة، حيث انفردت وحدها بوضع الترتيبات وتحديد خطوط وموضوع المصالحة.

قامت بذلك دونما إشراك الطبقة السياسية برمتها، بل حتى شركاء الرئيس في التحالف الرئاسي -أي جبهة التحرير الوطني والتجمع الديمقراطي وحركة حمس- لم يكن لهم أي دور في ذلك عدا الدور الدعائي بدليل أنه لم يكن لديهم أي فكرة عن شكل وطبيعة ما يصاغ.

هذا ما تؤكده مختلف تصريحاتهم وتوقعاتهم قبيل إصدار القوانين التي كانت خارجة تماما عن الإطار والمضمون الذي صدرت به المواثيق.

إقصاء رموز جبهة الإنقاذ
وقد كانت حجة السلطة في ذلك إبعاد الملف عن المزايدات السياسية كما تناقلته مختلف الوسائط الإعلامية العمومية أو الخاصة المقربة منها، على خلفية أن مختلف جولات الحوار التي نظمتها السلطة مع التنظيمات السياسية طيلة سنوات الدم والدموع والدمار، لم تؤت أكلها.

وكانت السلطة عقب كل فشل جولة من الجولات تفرض حرجا على الجميع، من ندوة الوفاق الوطني عام 1994 إلى رئاسيات أبريل/نيسان 1999 مرورا بفشل ما أسمي بحوار الظل مع زعماء جبهة الإنقاذ المحلولة في يوليو/تموز 1995.

احتفظت السلطة لنفسها بحق المبادرة بالحلول والإجراءات سواء فيما يتعلق بقانون الرحمة، أو الإجراءات الأمنية الأخرى، رغم تأكيد شركائها آنذاك أن الأزمة من الخطورة والحساسية بما يجعل حلها مسؤولية الجميع، فهي أكبر من أن يحلها طرف وحده مهما كانت قوته وإن كان السلطة بكل ما أوتيت من إمكانيات الدولة.

وكما كان خيار الحل الأمني يستبعد أي معالجة سياسية للأزمة، مع السياسيين اتخذ ميثاق السلم والمصالحة نفس المنحى باضطلاعه بالشق الأمني في تكريس هذا الخيار، وتأكيد حرمان السياسيين من أي تعاط أو ممارسة مع السياسة كإجراء احترازي من تكرار المأساة.

وهذا ما تؤكده المادة 26 من الأوامر التنفيذية، مقابل منح حصانة قانونية، بموجب المادة 45، لمختلف عناصر أجهزة الأمن الذين تعرضوا لحملات واتهامات بالتجاوز والضلوع في الأزمة سواء داخليا أو على الصعيد الخارجي.

"
مختلف الأحزاب المؤيدة لخيار المصالحة والمطالبة بها منذ إشعال فتيل الفتنة لا تزال تتناول المسعى بحذر وتحفظ كبيرين خوفا من الوقوع تحت طائلة القانون
"
نحو تكريس خيار العفو الشامل
غير أنه من الناحية التطبيقية بدأت أولى الإجراءات التنفيذية تعطي الانطباع بأن الأمر بدأ يأخذ شكل العفو الذي ظل رئيس الجمهورية يرافع من أجله قبل أن يصطدم بما أسماه التوازنات الوطنية التي لم تسمح له بالذهاب بالمصالحة الوطنية إلى أبعد مما جاء في الميثاق.

وإذا كانت القوانين التنفيذية لميثاق المصالحة الوطنية تستثني بعض الحالات من المحبوسين أو المحكوم عليهم، فإن عمليات إطلاق المساجين طالت حتى بعض المحكوم عليهم بالإعدام، ولا يستبعد أن تعم البقية الباقية حسب ما تتداوله بعض الأوساط السياسية والإعلامية.

ولعل إطلاق سراح الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ المحلولة ورفع المحظورات التي كانت مفروضة عليه منذ خروجه من السجن في يونيو/حزيران 2004 بعد قضائه عقوبة 12 سنة سجنا نافذا، يحمل أكثر من دلالة عن الإرادة غير المعلنة في الذهاب بالمصالحة الوطنية إلى أبعد الحدود المتاحة، وإن ظل الرجل تحت طائلة المادة 26.

وباستثناء أقطاب التحالف الرئاسي، فإن مختلف الأحزاب المؤيدة لخيار المصالحة والمطالبة بها منذ إشعال فتيل الفتنة، لا تزال تتناول المسعى بحذر وتحفظ كبيرين خوفا من الوقوع تحت طائلة القانون، في حين عمدت أحزاب ما يعرف بالاستئصاليين إلى حسم أمرها باعتبار ذلك من قبيل تكريس ما تسميه سياسة اللاعقاب.

قوى الضد تشوش على المسار
بدأت هذه التطبيقات الأولى لقوانين المصالحة تنبئ بمتاعب ستواجهها السلطات في تطبيق إجراءاتها، لم ينفع معها على ما يبدو الوعيد المتضمن في المادة 46.

فعلى الصعيد الداخلي طفت على السطح موجة من الرفض من لدن بعض الجمعيات، لعل أهمها ما يعرف بعائلات ضحايا الإرهاب، وعائلات المفقودين، اللتين -وإن كانتا تقفان على طرفي نقيض- التقتا في رفضهما لما يعرضه ميثاق السلم والمصالحة على كل منهما، وتطالبان بتشريعات مستقلة خاصة.

تنظيم ما يسمى بعائلات ضحايا الإرهاب خرج إلى الشارع للجهر برفضه بعض الإجراءات المطبقة في إطار المصالحة كإطلاق عدد ممن يقدمون على أنهم قادة الجماعات المسلحة، والمطالبة بقانون خاص يعنى بأعضائها ويضطلع بمطالبهم بطريقة مستقلة عن غيرهم من الفئات المعنية بالمأساة الوطنية.

أما تنظيم ما يعرف بعائلات المفقودين وفي تجمعاته الأسبوعية التي ألف تنظيمها صباح كل أربعاء أمام مقر اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان، جدد رفضه للعفو قبل معرفة كل الحقيقة عن مصير ذويه، مطالبا رئيس الجمهورية بإصدار قانون خاص يلزم الجهات المكلفة بتجسيد تدابير المصالحة الوطنية، بمنح العائلات شهادات إثبات الفقدان أو الوفاة.

خارجيا ومن منفاه الإرادي عمد زعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد إلى الخروج عن صمته رفقة ثلة من المعارضين والمثقفين الجزائريين والعرب، ليشكك في صدق نوايا مشروع السلم والمصالحة على اعتبار أنه "يجيز اللاعقاب ويغلق باب النقاش نهائيا في وجه الرأي الآخر وفي وجه الأحزاب والأقلام الصحفية" كما جاء في العريضة الموقعة بتاريخ 23 مارس/آذار الماضي.

آيت أحمد الذي يقدم على أنه أحد المقصودين الأساسيين من وراء المادة 46، خاصة في شقها المتعلق بالتحذير من "تشويه سمعة الجزائر في المحافل الدولية" لما يحظى به الرجل من احترام لدى الأوساط الدولية وما يتمتع به من تأثير بالنظر إلى دوره في الخارج طوال سنوات الاقتتال، يعتبر الميثاق بشكله الحالي يغطي على الحقيقة، ويكرس اللاعقاب في حق المتسببين في الأزمة الدامية.

"
ما لم يتمكن بوتفليقة من تمريره في الميثاق من قرارات وإجراءات يفرضها منطق الأشياء، سيجسده بطرق أخرى وفي أطر وظروف أخرى بهدوء بالشكل الذي يضفي على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية طابع العدل والتسامح
"
النقائص والأمل في قرارات الرئيس
ورغم النقائص التي تضمنتها قوانين المصالحة، والتي كان الرئيس قد أوعز بها للتوازنات الوطنية التي لم تسمح بأكثر من ذلك، فإنه يسود الكثير من الأوساط السياسية المتحمسة للمصالحة الوطنية، والمطالبة بالحل السلمي منذ اندلاع الأزمة وكذا الأوساط الشعبية التي دفعت ثمن المأساة من أبنائها ودمائها وكرامتها وعرضها، شعور بأن بوتفليقة بمقدوره أن يغطي على كل ذلك على ضوء قناعاته الشخصية وبموجب ما يمنحه له ميثاق السلم والمصالحة من صلاحيات.

ويؤكد هؤلاء أن بوتفليقة الذي رفض تولي الرئاسة عام 1994 عندما كان خيار الحل بالحرب هو السيد، ما كان ليتولاها عام 1999 لو لم يلمس الاستعداد لقبول برنامجه القائم على أساس أن السلم والمصالحة الوطنية هما البديلان الرشيدان والعقلانيان لسياسة الحل بالحرب.

ويرون أن بوتفليقة لن يتراجع عن الوعود التي قطعها على نفسه أمام الجزائريين بإخماد نار الفتنة بالطرق السلمية والصفح الجميل وترقية الوئام المدني إلى وئام وطني، وإقامة مصالحة وطنية حقيقية.

ويجمع هؤلاء على أن ما لم يتمكن بوتفليقة من تمريره في الميثاق من قرارات وإجراءات يفرضها منطق الأشياء، سيجسده بطرق أخرى وفي أطر وظروف أخرى بهدوء بالشكل الذي يضفي على ميثاق السلم والمصالحة الوطنية طابع العدل والتسامح بما يضمن طي صفحة المأساة بصفة نهائية.
__________________
كاتب جزائري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة