حسن مالك وأزمة الدولة المصرية   
الاثنين 1437/1/14 هـ - الموافق 26/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:21 (مكة المكرمة)، 14:21 (غرينتش)
نبيل الفولي


حسن مالك ليس أكثر من رجل أعمال مصري كافح حتى واصل طريق أسرته الناجح في عالم التجارة، وقاوم الإجراءات التعسفية لنظام مبارك التي بلغت حد محاكمته عسكريا بدعوى انتمائه إلى "جماعة محظورة تسعى إلى قلب نظام الحكم".

ومع ذلك فإن العقوبة الصارمة التي وقعتها المحكمة عليه (السجن سبع سنوات) جاءت بتحريض و"توصية" من رجال أعمال منافسين وموالين لنظام مبارك يمثلون جزءا من القاعدة المسيطرة على الحياة المصرية ضمن أباطرة الحزب الوطني.

حسن مالك ليس شخصية خارقة وإن كان رجل أعمال موهوبا، عمل في ظروف غير مواتية للنجاح فنجح، واشتغل في عالم يعج برجال الأعمال الكبار الموالين للنظام فحاولوا أن يحتكروا النجاح دونه، وصادروا أمواله لكنه استأنف طريقه بعدها من جديد.

حسن مالك ليس شخصية خارقة وإن كان رجل أعمال موهوبا، عمل في ظروف غير مواتية للنجاح فنجح، واشتغل في عالم يعج برجال الأعمال الكبار الموالين للنظام فحاولوا أن يحتكروا النجاح دونه وصادروا أمواله لكنه استأنف طريقه بعدها من جديد

عقب ثورة 25 يناير بدا أن الأجواء صارت أكثر مناسبة لمالك وأمثاله لإبراز ما كان يمنعهم منه النظام السابق من مواقف وسلوكيات تجاه البلد واقتصاده، فأثنى على خطط مبارك التجارية ووزيره رشيد محمد رشيد في جذب الاستثمارات الخارجية وإن رأى أنها خطط شابها الفساد والمحسوبية، واعتبر -حسب تصريحات صحفية- أن نهوض الاقتصاد المصري رهن بتحسين معايير التصنيع، وتوفير العمالة المدربة، والانفتاح على مجالات تصنيعية أكثر جدوى، والاهتمام بالصناعات التحويلية، وتقليل الاعتماد على الواردات.

وأعلن مالك عقب الثورة عن حزمة من المشروعات غير الربحية لخدمة الشباب المصريين، منها قروض المشروعات الصغيرة ذات البعدين الاقتصادي والاجتماعي مع فرص للسداد المريح بدون أي فوائد أو رسوم زائدة.

على أي حال ليس غرض هذه السطور الكلام عن الرجل أو الدعاية له، مع حقه في أن ننادي بإطلاق سراحه والدفاع عن حقه في الحرية والتصرف في ماله الذي كسبه بالطرق المشروعة، وإنما الغرض هو الوقوف مع طريقة صناعة النظام لحدث القبض عليه وكيفية توظيفه له.

لم يكن حسن مالك مختبئا قبل القبض عليه، وكأن الطبيعة الهادئة للرجل -التي تأكدت منذ الإفراج عنه عقب ثورة 25 يناير وحتى انقلاب 3 يوليو بابتعاده عن الأضواء وممارسته نشاطه الاقتصادي والاجتماعي بدون صخب يذكر - قد أسهمت في سقوطه من حسابات الأمن المصري، أو على الأقل أدت لتأجيله إلى فرصة أخرى رغم أن ابنه الثاني عمر مالك محكوم عليه بالإعدام في واحدة من القضايا الكثيرة التي لفقها نظام 3 يوليو لمعارضيه السياسيين، ورغم -أيضا- مصادرة أمواله ضمن مجموعة أخرى بارزة من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين.

وفجأة انفجرت وسائل الإعلام المصرية بخبر قبض رجال الأمن على "وزير مالية الإخوان" و"الخزينة السرية للجماعة" حسن مالك وفي بيته كذا وكذا من الأموال، واستضافت محللين ومسؤولين أمنيين و"متخصصين في شؤون الجماعات الإسلامية" لتحليل الخبر وتقديم مزيد من المعلومات عن "الإنجاز القنبلة" الذي حققته وزارة الداخلية بقبض فرقة أمن -بعض أفرادها ملثمون- على رجل أعزل من بيته، وهي تعلم أنها لو أرسلت إليه أمين شرطة واحدا لاستطاع القبض عليه بسلاسة تامة!

إذن كان مقصودا أن تصاحب الحدث المصطنع ضجة تصرف اهتمام الناس من شيء إلى آخر، وما أكثر الأزمات التي يريد النظام صرف نظر الناس عنها، وهي للأسف ليست من النوع الذي يمكن أن ينتهي خلال فترة الدهشة والذهول التي تصاحب الضجات الإعلامية مهما يكن حجمها، مثل الصعود القياسي الأخير للدولار مقابل الجنيه المصري، وانخفاض حجم الاحتياطي النقدي بصورة حادة، والفشل الانتخابي الذريع في المرحلة الأولى لما سميت بالانتخابات البرلمانية، والفشل المبكر لمشروع "قناة السويس الجديدة".

ولا يبدو أن حلقة الإلهاء هذه -التي عوّد النظام الناس على أمثالها- تختلف عن كثيرات أخرى غيرها، مثل إطلاق الفتاوى الدينية الشاذة التي تثير الجدل بين الناس وتشغلهم بغرابتها أو جراءتها أو تعرضها لجانب من المحرم الديني أو الاجتماعي، ومثل التناول المثير لقضايا محاكمات الإخوان وأنصارهم، واغتيال الخصوم السياسيين العزل -مع أنه يمكن القبض عليهم بسهولة تامة- وادعاء أنهم قتلوا في حادث تبادل لإطلاق النار مع الشرطة، وأنهم خلية إرهابية كانت تدبر للسيطرة على بعض المناطق الحساسة واغتيال بعض الشخصيات النافذة.

وطريقة إخراج مشهد القبض على مالك تؤكد وجود يد واحدة هي التي تتولى صناعة هذه المشاهد كلها، فهي تعتمد دائما طريقة الإلحاح المتتابع والمكثف على عقل المتلقي بحيث لا يمكنه الإفلات من الحصار الجهنمي الذي يضربه حوله الإعلام مقروءا ومرئيا، وتتخذ صورة البطولة (قوات الأمن) التي تواجه التخريب نموذجا للإقناع، وتتخذ من الإعلام أداتها الكبرى في إضفاء لمسات خاصة على الحدث وطريقة إذاعته، هدفها الغزو الحسي والمعنوي لكينونة المشاهد والقارئ.

بدلا من الاعتراف بفشل السياسات الاقتصادية التي يدار بها البلد يظهر هذا الغول الكبير المسمى حسن مالك واضعا الاقتصاد المصري كله بين أنيابه ليهرّب رصيده من العملات الصعبة إلى الخارج، وبهذا يبدو النظام بريئا بل مجنيا عليه، لأن هذه الجريمة هي جزء من مساعي إفشال النظام

إن عشرات الصحف والقنوات الفضائية -الرسمية وغير الرسمية- انطلقت في تغطية هذا الخبر حتى صار عنوانا رئيسا في كثير منها، وجاء هذا في أحيان ضمن سياق ذي غرض، فأحد مذيعي البرامج الفضائية تحدث عنه بعد أن تكلم عن أزمة حقيقية يواجهها الاقتصاد المصري، ويجب أن نكون صرحاء في مواجهتها حتى يمكننا حلها.

ثم أذيع الخبر في صدارة أهم ما وقع خلال الـ24 ساعة السابقة على إذاعة حلقة البرنامج من أحداث، واستضاف المذيع عقبها خبيرا في شؤون الجماعات الإسلامية لم يكن في حاجة إلى أي مساعدة لاتهام الإخوان بما استطاع من تخريب للبلد وإرهاب يتجاوز تأثيره ما فعله الاحتلال الإنجليزي لمصر طوال سبعة عقود.

وقد أجلت الحديث عن التهمة الموجهة لحسن مالك -حسب ما أعلن في بيان وزارة الداخلية الذي اتكأت خطة الإعلام في تسويق الحدث عليه أساسا- إلى آخر هذه السطور حتى تتضح أمامنا طريقة توظيف النظام الانقلابي لمثل هذه الأحداث التي يصطنعها، فقد أفاد البيان بأن حسن مالك متهم بالعمل "في إطار مخطط يستهدف الإضرار بالاقتصاد القومي للبلاد من خلال تجميع العملات الأجنبية وتهريبها خارج البلاد"، وزيادة في إتقان الحبكة القصصية في رواية أمن الدولة للتهمة قبض مع مالك على شخصيات أخرى تعمل في مجال الصرافة واستبدال العملات.

وهنا يوظف الحدث المصطنع كله كأداة تفسيرية لما يجري للجنيه المصري من انهيار سريع أقلق المواطنين على معيشتهم دون أن يعرفوا له تفسيرا، فبدلا من الاعتراف بفشل السياسات الاقتصادية التي يدار بها البلد يظهر هذا الغول الكبير المسمى حسن مالك واضعا الاقتصاد المصري كله بين أنيابه ليهرّب رصيده من العملات الصعبة إلى الخارج، وبهذا يبدو النظام بريئا بل مجنيا عليه، لأن هذه الجريمة هي جزء من مسلسل العمل على إفشال النظام والحيلولة دون نجاحه في تحقيق أحلام مصر الوردية التي تواعد المصريون وقادة جيشهم عليها عشية ثورة 30 يونيو المجيدة!

وعادة ما تتحول مثل هذه الحكايات إلى مادة للتندر في الإعلام المضاد، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي للشباب الذين شهدوا وقائع السياسة المصرية خلال السنوات الأربع الأخيرة وشاركوا في صناعتها، إلا أن النظام الانقلابي لا يراهن على الشريحة الصانعة لهذا الإعلام ولا المتابعين لها، لكنه يراهن على مهارته هو في إحكام الحصار حول العقل المصري في ما تبقى من أبناء الشعب، مع رسم ابتسامة عريضة -ولكن لا قيمة لها- على وجوه معارضيه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة