جدلية الريع والفساد بالمغرب   
الاثنين 4/5/1433 هـ - الموافق 26/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:19 (مكة المكرمة)، 12:19 (غرينتش)
يحيى اليحياوي

يكمن الريع، بالمعنى السوسيولوجي الصرف، في الحصول على "ثروة" أو سلطة أو إكرامية أو امتياز، دون أن يكون مقابل ذلك استحقاق موضوعي ثابت، أو جهد جسدي أو ذهني مبذول، أو مسوغ قانوني يعطي المرء المستفيد "الحق في التمتع" بذات الامتياز دون سواه.

ويكمن، في الاصطلاح العام، في استئثار من لهم قرابة أو قرب من السلطان، أو من لديهم نفوذ ما على صناع القرار، أو من لهم رأي وازن بهذا اللوبي أو ذاك، استئثارهم بغنيمة جزافية تمنحهم مداخيل قارة، دون أن تنبني على حق مشروع أو اجتهاد خاص.

الريع مكرمة أتت من السماء، تماما كما آتى الله شعوبا وأقواما وقبائل نفطا أو موقعا إستراتيجيا أو مواد نفيسة، لا تستوجب لتقييمها جهدا عظيما، اللهم إلا جهد استخراجها وعرضها بتكلفتها أو دونما اعتبار للتكلفة

هي، بصرف النظر عن هذا التحديد أو ذاك، "مكرمة أتت من السماء"، تماما كما آتى الله شعوبا وأقواما وقبائل نفطا أو موقعا إستراتيجيا أو مواد نفيسة، لا تستوجب لتقييمها جهدا عظيما، اللهم إلا جهد استخراجها وعرضها بتكلفتها أو دونما اعتبار للتكلفة حتى.

إن التلميح بهذا الباب إنما هو للقول بأن الذين تحصلوا بالمغرب تحديدا، وطيلة نصف قرن من الزمن أو ما يزيد، تحصلوا على رخص للنقل الطرقي بالمدن وما بين المدن وباتجاه الخارج أيضا، تماما كالذين تحصلوا على امتياز الصيد بأعالي البحار أو استغلال مقالع المناجم والرمال أو ما سواها، إنما تحصلوا عليها نتاج قرب ما من السلطان أو دائرته أو بفضل انتمائهم لحزب أو نقابة مهادنين، أو بفضل سلوك فرد غدا مطواعا بعدما كان عصيا على الطاعة، أو مقابل خدمة أسداها هذا المرء المستفيد أو ذاك لناد من النوادي الثقافية أو الرياضية أو غيرها، وليس نتاج استحقاق مبرر أو تميز مسوغ أو مقابل خدمة للوطن تستحق الاعتراف والثناء والمجازاة.

إنه مظهر من مظاهر الفساد والإفساد بالبلاد، هو بالتأكيد وبالضرورة من فعل النظام مباشرة، أو بتستر من لدنه صارخ، أو بمعرفة لديه مسبقة بالثاوين خلفه.

ثم هو بالتأكيد وبالضرورة فعل من أفعال المنظومة المحيطة بذات النظام، الدائرة بفلكه المتدثرة برمزيته أو المستفيدة من عطاياه بهذا الشكل أو ذاك. وطالما لم يتدارك النظام نفسه، ويتخلص من ذات المنظومة، فإنه قد يذهب بجريرتها آجلا أم عاجلا، ويدفع بالتالي ثمن سذاجته وعدم إدراكه لمقاصد المنظومة المحيطة به.

بالتالي، فإن النظام بالمغرب إنما بات اليوم مطالبا طواعية، كي لا يكون مكرها بالقادم من أيام، بالتبرؤ من ذات المنظومة والعمل على استنبات منظومة أخرى على أنقاضها، تخضع للنظام، تأتمر بأوامره، ولا تتحول إلى مصدر في القوة يصبح النظام من بين ظهرانيها عنصرا من بين العناصر، لا العنصر الأساس، الآمر والموجه.

ليس من المبالغة في شيء القول هنا بأن البطانة بالمغرب، وهي قلب المنظومة، إنما هي مصدر إشاعة الريع ونشر الفساد، منذ الاستقلال وإلى اليوم:

- فالبطانة إياها هي التي أفسدت الحياة السياسية، وعملت على تفريخ أحزاب ونقابات مصطنعة، منحتها تمثيلية قسرية بالمجالس المنتخبة، فأفرزت مشهدا سياسيا مبلقنا، عقيما، تتسابق مكوناته وتجتهد لتنفيذ سياسات مملاة من خارج أطرها، دونما أدنى تفكير في التبارز على خلفية من تنافسية الاقتراحات  والبدائل.

إن أحزابا عديدة لم تنشأ كإفراز مجتمعي، بل أنشئت من علٍ لتنفذ برامج أهلكت الضرع والزرع، وكان من تداعياتها تزايد مظاهر التخلف الاقتصادي والهشاشة الاجتماعية واللاتوازن الجغرافي بين البوادي والحواضر، ناهيك عن تحول الإدارة والقضاء ومصالح الأمن إلى أوكار حقيقية للفساد والإفساد: إنها رمز الريع السياسي الذي تتكئ عليه الأحزاب إياها لإفساد حال ومآل الفعل السياسي، وإفراغه من مضمونه الأخلاقي والمدني.

- لم تقتصر البطانة على إفساد حال السياسة بالمغرب فحسب، بل أفلحت في إفساد الحالة الاقتصادية للبلاد، بعدما نجحت في تقويض منظومة السوق والمنافسة، وحولت مصادر القيمة من المجهود المنتج للسلعة، إلى الريع الصرف الذي لا يعترف بالإنتاج، وليس له أدنى معرفة بما هو المجهود أو الاستثمار أو المنافسة.

وعليه، فإن حالات توزيع المأذونيات، كما حالات التعيينات في مناصب لا يتركها أصحابها إلا لاستقبال أركان القبر، إنما هي حالات لم تفرز بالمغرب إقطاعيات متجبرة وطاغية فحسب، بل أفرزت ما يشبه الدول داخل الدولة الواحدة، لكل منها أدواتها وحماتها ومريدوها.

- هي نفسها البطانة التي لم يقتصر مفعولها على تدمير فكرة السياسة (والشأن العام عموما)، أو على تقويض مبدأ الحرية الاقتصادية والسوق، بل ذهبت لحد اختراق منظومة التربية والتعليم، فارتهنتها بداية، ثم دمرتها ثانية، ثم استخرجت من أنقاضها ما يصلح لخدمة البطانة خطابا وممارسة.

إن الغاية المبتغاة من لدنها في هذا الباب، ليس فقط العمل على إنتاج نخب مرتهنة ومستلبة وفردانية، بل تحويلها إلى "نموذج في النجاح والنجاعة"، المحك فيها للولاء والانصياع والطاعة، عوض الكفاءة والإخلاص والنزاهة.

لا يختلف الريع (والفساد المترتب عنه) المتأتي من قطاع الإعلام والاتصال، عن ريع النقل والمقالع والمناجم وأعالي البحار، إنهما ينهلان معا من نفس الإناء، ويتقاطعان بعمق في الصفة والطبيعة

لا يختلف الريع (والفساد المترتب عنه) المتأتي من قطاع الإعلام والاتصال، لا يختلف كثيرا عن ريع النقل والمقالع والمناجم وأعالي البحار. إنهما ينهلان معا من نفس الإناء، ويتقاطعان بعمق في الصفة والطبيعة:

- فعندما تمنح مؤسسة الإذاعة والتلفزة الوطنية مثلا، لشركة في الإنتاج قائمة أو وهمية، عندما تمنحها عقودا بملايين الدراهم لتصميم منتوج ما أو صياغة برنامج ما، ولا تفي الشركة إياها بالمهمة أو تفي بها دون الحد الأدنى من الشروط، ويقبل منها العمل دون تدقيق، فإنما يدخل ذلك في نطاق الريع الخالص، في شكله كما في مضمونه.

الشركة هنا تكون قد استفادت من المال العام، لكنها لم تنجز ما يبرر الاستفادة، أو تنجزه بمستويات في الجودة متدنية.

- وعندما يوزع المركز السينمائي المغربي عشرات الملايين من الدراهم لدعم إنتاج هذا الفيلم السينمائي أو ذاك، ولا نرى من أثر لهذا الفيلم بعد انقضاء مدة من الزمن أو نرى منه منتوجا ضحلا هزيلا، فإن ذلك إنما يعبر عن حالة ريع صرفة، مفادها استفادة المخرج ومحيطه من مال عام دونما صرفه الصرف السليم.

- وعندما نرى صحفا ومطبوعات محددة تتحصل على إيرادات للإشهار ضخمة بحكم قربها من هذه الجهة النافذة أو تلك، فإن الأمر لا يمكن إلا أن يدخل في مجال الريع الإعلامي، ليس فقط من زاوية  مدى شرعية ما تتحصل عليه، ولكن أيضا من زاوية أنها لم تبذل جهدا بالمقابل، اللهم إلا جهد المحاباة والتقرب والمحسوبية.

- وعندما تعطى مؤسسة دون غيرها امتياز احتكار اللوحات الإعلانية بالشارع العام وبالأماكن العامة الإستراتيجية، أعني المرتادة بكثافة، ولا تلتزم المؤسسة إياها بأداء واجباتها الجبائية لفائدة الدولة أو الجماعة فإن هذا ريع أيما ريع.

الريع في هذه الحالة ليس مصدره الاحتكام إلى أدوات لإنتاج القيمة، بل القرب من جهة نفوذ محددة، إذا لم تكن هي التي منحت الامتياز فبالتأكيد هي حاميته أو الغاضة الطرف عن صاحبه، صاحب الامتياز أقصد.

إنها كلها حالات ريع إعلامي وإعلاني بامتياز، لا يبذل فيها أصحابها ذرة جهد لشرعنتها أو تبييضها بمنطوق الشرع والقانون.

ولما كانت كذلك، فإنها لا تنهل فقط من منطق غياب دولة الحق والقانون، بل من منظومة الفساد المعمم الذي لا يعير كبير اعتبار للقانون، فما بالك أن يكون لديه تمثل ما عن دولة الحق والقانون.

إن الفساد قد طاول ونخر السلطات الكبرى القائمة بمستوياتها المختلفة، التنفيذي منها كما التشريعي كما القضائي، وبات بالتالي محركا لكل الأجهزة والدواليب المشرعة كما المنفذة كما التي من شأنها الفصل في تظلمات وشكاوى الأفراد والجماعات.

ومعناه، أنه عندما يصبح الفساد مستشريا بالأفقي والعمودي، لا تتحرك الدولة إلا بحركته، فمعنى ذلك جهارة، أنه بات منظومة حكامة بامتياز، بالقياس إليها تتحدد السياسات العمومية، وعلى أساسها يتم تحديد قواعد توزيع الثروة والسلطة بالمركز، كما بالأطراف.

إن الفساد بالمغرب، من هذه الزاوية، لم يعد معطى محصورا أو منفردا، بل حالة عامة تحكم المنظومة برمتها وتتحكم في شكلها كما في جوهرها، كما في طبيعة الفاعلين من بين ظهرانيها.

صحيح أن حالات الريع والفساد قائمة بالعديد من دول العالم، وضمنها الدول المتقدمة نفسها. لكن الفساد بهذه الدول لا يبني للقاعدة بقدر ما يؤسس للاستثناء. إنه ضمن الحالات الهامشية التي لا ترهن حاضر المنظومة ولا ترتهن مستقبلها. ثم ثمة بالدول المتقدمة متاريس ومحاذير ولجان مراقبة ورقابة، ومستوى قضائي مستقل يتساوى بظله الكل دون تحيز أو تمييز.

بالجهة المقابلة، بالمغرب أقصد، كما بكل دول العالم الثالث، يبدو أن لا رادع للفساد ولا كابح لمكوناته الكبرى، رشوة كانت أم زبونية أم ابتزازا أم "تبذيرا قانونيا" للمال العام أم ما سواها. إن الفساد بهذه الحالة أضحى معطى بنيويا يحكم نمط التراكم الاقتصادي، يحدد مجال السلوك السياسي، يحصر مستويات التنمية ويوجه آليات المنافسة كما يرضى ويرتضي.

الفساد، بهذه الجزئية، ليس عنصرا شاذا أو مكونا دخيلا على المنظومة، بل هو عنصر القلب من الجهاز، لا بل عصب ذات الجهاز. ولما كان الأمر كذلك، فإنه بات بحصانة من كل متابعة، أعني بات "مشرعنا"، غير ممقوت اجتماعيا، حتى غدا بالنفوس والعقول شأنا عاديا، لا بل سوقا لعرض الخدمات بمقابل عيني أو مادي، يؤدى مباشرة أو بعد حين.

الفساد كما الريع، آفة بكل الاعتبارات، سواء تمظهرا على شكل رشوة أو محسوبية أو زبونية أو محاباة أو مأذونيات، 
كما أنهما يقتلان بالحتم الثروة والإنتاج

إن الفساد، كما الريع، هما آفة بكل الاعتبارات، سواء تمظهرا على شكل رشوة أو محسوبية أو زبونية أو محاباة أو مأذونيات. ولما كانا كذلك، فإنهما يقتلان بالحتم الثروة والإنتاج، يستصدران مبادرة الأفراد والجماعات، ويرتهنان لفائدتهما كل سبل التنمية والتوزيع العادل للثروة.

ثم لما كانا كذلك، فهما كالطفل اللقيط ليس له أصل، ولا للثاوين خلفه أصل أيضا. إنهما كما هؤلاء، ظاهرة شاذة، وظيفتهما المحببة نخر جسد البشر والحجر والشجر حتى يذبل، ثم يفقد المناعة بالتدريج، ثم يتهاوى من علٍ بعد طول مقاومة وجلد ومكابرة.

وعليه نقول: إن الفساد بالمغرب ليس حالة عرضية، ولا هو بالمسألة الجانبية، إنه منظومة متكاملة، لا يمكن لحال البلاد والعباد أن يستوي ويقوم بدونها أو بغيابها. بالتالي، فمحاربته إنما:

- تستوجب تقويض مبدأ الخلط المتعمد والمقصود لروافد السلطة بروافد السوق، كي لا يكون المحتكم للسلطة في هذا الباب خصما وحكما بالسوق، فتضيع الثروة ويضيع الإنتاج وتذهب القيمة المضافة دون اعتبار.

- وتستوجب تقويض ظاهرة الخلط القوي بين الخاص والعام، حتى لا يبقى العام خاصا والخاص عاما، فيتعذر على المرء بالتالي إدراك معنى الضريبة، ومعنى سعر الفائدة، ومعنى الاقتراض، ومعنى المنافسة على أساس من الاجتهاد في المبادرة والمثابرة في التراكم.

إن المطلوب حقا إنما علمنة السوق (أو السياسة) وفصل مستوى هذا عن مستوى ذاك، ليكون الخصم خصما والحكم حكما، دونما تزاوج مصلحي بينهما، على أساس من تزاوج الفساد والريع وتعاضدهما في الزمن والمكان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة