معرض فرانكفورت: حملة عربية ضد العرب   
الأربعاء 1425/9/27 هـ - الموافق 10/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)


بقلم/نبيل شبيب

 
 
"العالم العربي وهم" – "في الدول العربية أسوأ نظام قانوني للأسرة في العالم"- "غالب المثقفين العرب الذين سيحضرون فرانكفورت مشعوذون"- "لم يصدر عن الكتّاب العرب أي موقف ضد الانتحاريين أو القبور الجماعية أو الأصولية أو حماس أو طالبان"– "ابتداء من العلماء انطلق العزوف عن الكتاب وانتشر ذلك بين العامة بعد كلمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أننا أمة أمية لا نكتب ولا نقرأ"- "حتى كتب المشاهير والمتصوفة مثل ابن سينا وأبي حامد الغزالي وابن العربي تعرضت للسخط ومنعت وغالبا ما أحرقت"- قراءة كتاب غير القرآن هي عند المسلمين إلهاء عن العبادة".
 
سفراء تشويه صورة العرب
هذا غيض من فيض، مما كتب ونشر بالألمانية أو مترجما من الفرنسية والإنجليزية إلى الألمانية قبيل الدورة 56 لمعرض الكتاب الدولي في فرانكفورت، الذي يشارك الكتاب العربي فيه في موقع "ضيف الشرف" حسب تقليد متبع منذ سنوات.
 
وقد يخطر للوهلة الأولى أن أصحاب هذه الكلمات أناس علمانيون أصوليون غربيون سيطرت عليهم روح العداء لكل ما هو عربي وإسلامي، ولا يريدون أن تنفتح نافذة ثقافية ما فيتدفق منها ما قد يزيل ما يعتمدون عليه من صور مشوهة لنشر العداء.
 
ولكنها كلمات لأناس من أصول عربية، يعيشون في الدول الغربية منذ عشرات السنين، وما زالوا يمثلون غالبية من يكتبون باللغات الغربية من بين ذوي الأصول العربية، وهم الذين يهيمنون على "نوعية" الفكر والثقافة والأدب المراد وصفها بالعربية في الأوساط الأوروبية الغربية.
 
"
ما زالت الغالبية ممن يكتبون باللغات الغربية من بين ذوي الأصول العربية هم الذين يهيمنون على "نوعية" الفكر والثقافة والأدب المراد وصفها بالعربية في الأوساط الأوروبية الغربية
"
والنماذج المذكورة أعلاه ظهرت في الشهرين الأخيرين قبل افتتاح دورة معرض فرانكفورت، في مقالات ومقابلات إعلامية، وأصحابها هم الطاهر بن جلّون في باريس بفرنسا، وخالد المعالي وحسين الموزاني في كولونيا بألمانيا.
 
ويوجد المزيد بأقلام أناس آخرين غير المذكورين وعلى ألسنتهم، سواء في التعليق المباشر على المشاركة العربية في المعرض، أو في إطار ما يكتبون وينشرون من أعمال أدبية.. وهؤلاء يوصون أن يصف بعضهم بعضا بأنّهم  "سفراء الثقافة العربية" في الغرب.. التي يتحدثون عنها وعن أهلها على النحو المذكور!
 
الألمان أكثر إنصافا
كثير من غير المسلمين من الألمان أكثر أنصافا، حتى إن بعضهم يعتبر كلام أولئك الأفراد "هراء" ويصرح بذلك، كما ورد على لسان "بيتر ريبكن" مدير مؤسسة دعم الآداب من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، عن بعض ما ذكره بن جلون.
 
ومن هؤلاء من يعترض ولكن بأسلوب "دبلوماسي" بحكم موقعه، مثل الناطق الصحفي باسم معرض فرانكفورت للكتاب الدولي "هويغر إيلينغ" في تعقيبه على اعتراض المعترضين على التعامل المباشر مع جامعة الدول العربية.

يبدو كأن المشاركة العربية في المعرض قد دقت نواقيس الخطر في أذهان كثير من "المثقفين التقليديين" في الغرب من ذوي الأصول العربية، وأثارت مخاوفهم على موقعهم "الاحتكاري" لنشر الصورة التي يريدون هم نشرها عن الفكر والثقافة في البلدان العربية!

ولا يبدو أن المواقف الأخيرة كانت وليدة وقتها، أو كردود فعل على سوء الإعداد الرسمي في البلدان العربية للمشاركة في المعرض وفق ما يركز عليه هذا الفريق من كتّاب المنفى، فغلبة هذا التوجه ظهرت منذ اليوم الأول للإعلان الرسمي عن الدعوة الألمانية للاستضافة، أي قبل عام كامل، عندما تحدث مدير المعرض فولكر نويمان عن الرغبة في التعويض عن النقص في توفر المعرفة الكافية بالثقافة العربية مطلقا نداءه "إنني أناشد بإلحاح زملاءنا في ميدان النشر أن يترجموا الأدب من العالم العربي ويبذلوا كل جهد ممكن للوصول إلى القراء عن طريق الترجمات".
 
ثم تحدث  دكتور المنجي بو سنينة المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، فأسهب في بيان ما جمعه الحرف العربي من القرآن المنزل، إلى الإسهامات الحضارية، حتى أدب الحداثة، ومن لغة الصلاة إلى لغة التخاطب إلى لغة كتابات المهجر..
 
وبالمقابل وقف يومذاك، أي 9/10/2003م، المثقف العلماني المعروف دكتور صادق جلال العظم، وكان قد احتفى المثقفون العرب العلمانيون بوجوده زائرا لألمانيا احتفاء كبيرا، فكان مما قال على سبيل المثال دون الحصر: "لم يعد للثقافة العربية الحديثة وللتاريخ العربي المعاصر أي معنى دون الرجوع إلى أوروبا والغرب عموما، بطريقة أو أخرى، لأن الاختراق الأوروبي الحديث للفضاء العربي الحضاري والثقافي التقليدي، أحدث قطيعة حاسمة ونهائية مع تاريخنا السابق".
 
الاستبداد الثقافي
"
الحملة ضد العرب بأنهم لا يقرؤون ينسبها العلمانيون إلى مفعول الإسلام، ولتأكيد ذلك يتعسفون في التأويل ويبترون النصوص ويلوون أعناق الأحداث التاريخية
"
ومن أشد صور التناقض فيما يدلي به هذا الفريق من مثقفي المنفى من مواقف وينشره من مقالات –مثل خالد المعالي- أنهم وهم يركزون على استهداف الإسلام، لم يصل العدد الأكبر منهم به المطاف إلى المنفى نتيجة ضغوط إسلامية، بل نتيجة صراعات شهدتها التيارات والأحزاب العلمانية صاحبة الكلمة الفصل عبر العقود الماضية في البلدان العربية وعلى صعيد تطويع الثقافة للسياسة.
 
وهم إذ ينتقدون استبداد الحكومات الآن، لتبرير حملتهم ضد من "ترسل بهم إلى فرانكفورت من المثقفين والكتّاب" يتناقضون مع حقيقة أنها –إذا صح الاتهام- أقرب بسياساتها الثقافية الراهنة إلى إرسال أمثالهم، وإن كان التأمل فيما أسفرت عنه الإعدادات عبر الأشهر الماضية يؤكد الحرص على التعددية في تمثيل الاتجاهات الثقافية والفكرية، ولو بنسبة محدودة.

وحتى الحملة ضد "عموم العرب" بأنهم لا يقرؤون ينسبونها إلى مفعول الإسلام، كما يظهر مثلا في مقال بقلم حسين الموزاني، وهو حافل بالتعسف في التأويل وبتر النصوص ولي أعناق الأحداث التاريخية، بدءا بتأويل كلمة (اقرأ..) مع بداية الوحي، انتهاء بزعم أن القراءة مرفوضة لأنها تشغل عن العبادة!.
 
والمقال يشير إلى مدى استغلال صعوبة الكشف عن شيء من ذلك من جانب قراء الألمانية من غير المسلمين.

كما يتجاهل بن جلون –مثلا آخر- وهو يشير إلى أن عدد النسخ المطبوعة كحد أقصى من الكتاب الواحد، هي دون 3000 نسخة.. يتجاهل أن هذا يسري على الكتب ذات التوجهات العلمانية في الأدب والفكر، ولا يسري شيء من ذلك على الكتاب الإسلامي بصورة خاصة، فالعزوف الأكبر من جانب القراء إنما هو عن الكتب التي لم يستطع أصحابها أن يكسبوا العقل العربي على المستوى الشعبي، من مسلمين وغير مسلمين نتيجة انتمائهم الحضاري، رغم ضخامة الإمكانات التي وضعت في أيديهم وحرم سواهم منها.. ولا يعني ذلك إغفال حقيقة ظاهرة انخفاض نسبة القراءة في البلدان العربية والإسلامية عموما.
 
في انتظار جهود قويمة
صدرت الدعوة إلى معرض فرانكفورت عن الإحساس العام لدى الغربيين بأنهم لا يعرفون إلا القليل عن المنطقة العربية، وقد رافقت ذلك على ما يبدو شكوكهم فيما نشر عن الإسلام والصحوة الإسلامية تشويها وتلفيقا.
 
وبقليل من التأمل يظهر أن هذا الخلل قد أسهمت في صنعه إلى حد كبير تلك الصورة التي نشرتها في غياب أقلام قويمة وقديرة فئة معينة من الكتاب والمثقفين فترة من الزمن، أو أسهمت في نشرها اعتمادا على التلاقي مع أهواء فريق من الغربيين، من غير طالبي المعرفة المنهجية فعلا.. ومثل هذه الصورة بعيدة كل البعد –في ألمانيا موضع الحديث- عما عرف قديما عن طريق "ديوان الشرق والغرب" للشاعر غوته، أو حديثا عبر مؤلفات المستشرقة "آنّا ماري شيمّل".

"
الكثير من المنصفين ينتظرون من يعزز إنصافهم، والكثير من المتحاملين يحتاجون إلى من يبين تزويرهم لنشر صورة مشوهة عن العرب والمسلمين في الغرب
"
لقد كان قسط كبير من التشويه من صنع من يسمون "سفراء الثقافة العربية" في الغرب، من مثقفي المنفى ذوي الأصول العربية، وفي كثير منها عشرات النماذج المصغرة والمكبرة لآيات سلمان رشدي الشيطانية، ويسري هذا على قسط كبير مما اختير للترجمة إلى اللغة الألمانية في السنوات الماضية، لا سيما بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب عام 1988م، ونصيبه من حركة الترجمة 19 رواية حتى العام 2004م.
 
كما نجد كتبا مترجمة عن الفرنسية للطاهر بن جلون وآسيا جبّار وأشعارا لسعدي يوسف ومجلدين لأعمال أدونيس، فضلا عن كتابات باللغة الألمانية مباشرة في حدود المائة رواية وكتيب لرفيق الشامي وزكريا تامر وحسين الموزاني وخالد المعالي وأمثالهم، بالإضافة إلى بعض ما اتخذ صبغة وطنية أقل حدة من حيث التوجه العلماني، كما هو الحال مع غسان كنفاني وإلياس خوري وسحر خليفة وسواهم.

ولكن هيهات أن نجد شيئا على سبيل المثال لمصطفى صادق الرافعي، وعباس محمود العقاد، وعلي الطنطاوي، ونجيب الكيلاني، ومحمد أبو زهرة، وعلي أحمد باكثير، وكثير غيرهم من المبدعين في الأدب والفكر، والقصة والشعر، بغض النظر عن تقبل بعض ما ذهبوا إليه وانتقاد بعضه الآخر.

الأرجح هو أن الأوساط الثقافية والفكرية الألمانية التي كانت وراء استضافة الكتاب العربي في فرانكفورت تريد عبر اتصالها المباشر بجامعة الدول العربية تجاوز الموقع الاحتكاري للقريبين منها في الغرب، ولكن سيبقى السؤال قائما عن مدى إمكانية تحقيق ذلك، وهو مستبعد في المستقبل المنظور على الأقل، فالمطلوب بذل جهود قويمة وفعالة من داخل البلدان العربية على المدى القريب والبعيد.
 
ولكن معرض فرانكفورت يفتح الأبواب على الأقل، ويبقى أن يدخل عبرها –أو عبر سواها- الناشطون في حركة الترجمة وفي التواصل المباشر مع أوساط الفكر والأدب والثقافة في الغرب، فالكثير من المنصفين ينتظرون من يعزز إنصافهم، والكثير من الواهمين أو المتحاملين يحتاجون إلى من يبين ما سبق تزويره وتزييفه لنشر صورة مشوهة عدائية في الغرب عن العرب والمسلمين والإسلام والحضارة الإسلامية، تبرر الحملات العدوانية من جانب الفريق المهيمن على صناعة القرار السياسي والعسكري.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة