الحزب الإسلامي العراقي والاحتلال.. حين يكرر الإسلاميون أخطاءهم!!   
الأحد 1425/11/14 هـ - الموافق 26/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:31 (مكة المكرمة)، 11:31 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

 

- تردد الحزب وخطأ الرؤية حيال الغزو والمقاومة

- خطيئة دخول مجلس الحكم

- الانتخابات والخطأ القاتل

- تبريرات ضحلة وغير مقنعة

 

عشرون شهراً مضت على خروج الحزب الإسلامي العراقي بطبعته الجديدة المعلنة بعد عقود من الغياب في الداخل والحضور الهامشي في الخارج، وإن بدا أن مرجعية الحزب ممثلة في حركة الإخوان المسلمين قد حضرت بشكل ما خلال السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين في ظل ما عرف بالحملة الإيمانية التي استثمرتها الحركة في العودة إلى شكل من أشكال العمل والنشاط الحذر.

 

في المرحلة المذكورة عادت هياكل الحركة إلى العمل، من دون إذن من الدولة بذلك، لكن العقوبات التي كانت تترتب على الإمساك ببعض العناصر والخلايا لم تكن قاسية كما هو حال النمط المعمول به في نظام صدام حسين خلال المراحل السابقة، حتى أن مجموعة من قادة الحركة كانوا على وشك الإعدام بتهمة تدبير انقلاب في النصف الثاني من التسعينيات لم يعدموا بل خرجوا من السجن بعد ذلك.

 

"
مصيبة مشاركة الحزب في مجلس الحكم هي في منحه لوناً من الشرعية لمشاركة العرب السنة فيه وهي التي كانت ستبدو مغيبة لو غاب الحزب
"
هكذا استعادت الحركة شيئاً من حضورها، كما شكلت قاعدة من الكوادر الحزبية وكذلك الشعبية تبعاً لنشاط العديد من رموزها غير المعلنين في المساجد والجامعات، الأمر الذي جعلها القوة العربية
السنية الوحيدة التي تملك حضوراً ما يوم سقوط نظام صدام حسين.

 

في الخارج كان للجماعة حضورها الهامشي بما تبقى من كوادر عراقية اختارت المهجر فراراً من قمع النظام، أما النشاط السياسي المعلن فكان يتم تحت لافتة الحزب الإسلامي العراقي، لاسيما خلال التسعينيات، وحيث بدا أن نوايا إسقاط النظام العراقي من قبل الولايات المتحدة قد غدت أكثر جدية خلال ولاية كلينتون الأولى والثانية، وصار للمعارضة الشيعية في الخارج حضورها في العواصم الدولية وحتى العربية أيضاً، فيما كان الأكراد استقلوا بدولتي السليمانية وأربيل في الشمال.

 

عندما لاحت معالم المعركة ضد العراق، وبدا واضحاً أن نظام جورج بوش (الابن) قد عزم على تنفيذ المهمة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة، ومن ثم بدأت لعبة حشد معارضة الخارج ضد النظام لصالح الغزو،

ومن ثم عقد مؤتمر لندن، كان قادة الحزب الإسلامي في الخارج ينوون المشاركة، أو يميلون إليها، لكن موقف التنظيم الدولي ورموز الإخوان في الخارج كان له دوره الحاسم في لجم هذا التوجه ومن ثم إعلان مقاطعة المؤتمر، وهو ما تطور لاحقاً بموقف جيد من الغزو، ومن مقاومته من قبل العراقيين، الأمر الذي تبناه قادة الإخوان والحزب في الداخل والخارج.

 

تردد الحزب وخطأ الرؤية حيال الغزو والمقاومة

جاء الغزو وتواصل الموقف الإخواني منه قوياً وحاسماً، لكن مفاجأة السقوط السريع كانت مربكة إلى حد كبير، ثم جاءت المفاجأة التالية من حيث موقف قوات الغزو من عمليات السلب والنهب وضرب البنية التحتية للدولة التي عمت البلاد بطولها وعرضها.

 

من هذه اللحظة لحظة سقوط العراق بيد قوات الغزو، بدأت أخطاء قيادة الحزب الإسلامي، فقد تردد القوم لبعض الوقت قبل أن يخرجوا إلى الشارع ويبادروا إلى لملمة الأمور في وضع كان في حاجة لتدخل أي مجموعة منظمة، وتحديداً في المناطق العربية السنية، ومع ذلك فقد تم تدارك الموقف بشكل من الأشكال.

 

أما الخطأ التالي الذي يمكن الحديث عنه، فقد تمثل في تلك الروحية التي تعاملوا بها مع المرحلة التالية، والتي يمكن تلخيصها في الخروج من أسر حكم دكتاتوري إلى حقبة ديمقراطية لا بد من ولوج بابها سريعاً بتلك الآليات التي تليق بتحول من هذا النوع.

 

من المؤكد أن هذه الروحية التي خرج بها الحزب إلى العلن لا تنتمي في واقع الحال إلى مقاربة سياسية غير ما ذكرنا، لاسيما أن أصوات الناس من العراقيين وسواهم قد بحت قبل عامين من الغزو، ثم خلاله، في الحديث عن الأهداف التي يسعى المحافظون الجدد في الولايات المتحدة إلى تحقيقها، والتي لا تنتمي في واقع الحال إلى الحرية والديمقراطية بأدنى صلة، اللهم إلا إذا كانت الديمقراطية الشكلية التابعة للاحتلال في كل شأن من شؤونها.

 

ربما لم تكن هناك مشكلة في خروج الحزب إلى العلن وإنشاء المقرات وبداية الحديث إلى الناس، فالشارع العربي السني على وجه التحديد كان جائعاً إلى من يتحدث باسمه، ليشعره على الأقل بشيء من الأمان، خاصة حين كان يراقب اندفاعة الأطراف الأخرى، وما تنطوي عليه من شعارات لا تخلو عند البعض من الروح الثأرية مع الطائفة التي "اختطفت العراق" من أصحاب الحق في حكمه!!

 

"
لعبة التهديد بمقاطعة العمليات السياسية المتتابعة هي ورقة القوة الوحيدة التي يمتلكها الحزب الإسلامي العراقي لرفع سعره في بورصة الاحتلال ومن يديرون اللعبة معه
"
نعيد القول إنه
لم تكن ثمة مشكلة في خروج الحزب إلى العلن، لكن طبيعة السلوك السياسي كانت إشكالية من حيث تعاطيها مع الوضع بالروحية التي ذكرنا، أي الخروج من أسر حكم دكتاتوري إلى فضاء ديمقراطي، في تجاهل لمعطيات بدهية لا يختلف حولها العقلاء، لا في العالم العربي ولا الغربي.

 

كان ذلك هو الخطأ الأول، أما الخطأ الثاني في مسيرة الحزب فقد تمثل في العجز عن رؤية إرهاصات المقاومة وتوقعها، بل وحتى العجز عن رؤية آفاق استمرارها بعد أن بدأت، ونتذكر هنا تصريحاً لمسؤول كبير في الحزب بعد أسابيع طويلة من اندلاع المقاومة يتحدث فيه عن عبثيتها وعدم وجود أفق لاستمرارها، الأمر الذي يشير إلى ضيق في الأفق السياسي، وعجز عن قراءة تجارب الشعوب حين تشرع في مقاومة محتليها.

 

ومع أننا ونحن خارج العراق لم يكن لدينا أدنى شك على الإطلاق في أن المقاومة ستنطلق سريعاً، بل إنها انطلقت أسرع مما توقعنا، لكن ذلك لا يغير في حقيقة أنها كانت قادمة بعد أسابيع أو بعد أشهر، ليس ثمة فرق كبير.

 

خطيئة دخول مجلس الحكم

جاء الخطأ الثالث ولعله الأسوأ في مسيرة الحزب حتى حينه ممثلاً في قرار المشاركة في مجلس الحكم الذي شكله الاحتلال، وهو موقف أشعر الإسلاميين، وبخاصة في فروع جماعة الإخوان المسلمين، بالعار، بل وأثار جدلاً حاداً في صفوف قواعد الحزب في الداخل والخارج، والسبب هو صعوبة القناعة بإمكانية المشاركة في مجلس شكله الاحتلال الأميركي.

 

كانت مصيبة مشاركة الحزب في مجلس الحكم هي في منحه لوناً من الشرعية لمشاركة العرب السنة فيه، وهي المشاركة التي كانت ستبدو مغيبة لو غاب الحزب نظراً لهامشية حضور الأعضاء الأربعة الآخرين من ذات الفئة.

 

خلال حضور الحزب الهامشي التأثير في مجلس الحكم، كانت المقاومة تتصاعد، وكانت مناطق العرب السنة تتصدرها قبل دخول التيار الصدري على الخط، وكانت معركة الفلوجة في أبريل/نيسان الماضي في أوجها حين بدا موقف الحزب خلالها هزيلاً من خلال دور الوساطة بين المقاومة والأميركان، وإن هدد بالانسحاب من مجلس الحكم أثناءها، إلا إنه عاد بعد أسابيع ليشارك في الحكومة المؤقتة التي أنشأها الاحتلال بوزارة هامشية (الصناعة والمعادن) تقلدها عضو قيادته صاحب الجنسية الأميركية (حاجم الحسني).

 

كل هذا كرس صورة الحزب كمشارك في العمليات السياسية التي يرتبها الاحتلال من مجلس الحكم إلى الحكومة وصولاً إلى المجلس الوطني المؤقت الذي كان هدد بمقاطعته أيضاً ثم عاد وشارك فيه.

 

وقد لاحظ بعض المراقبين كيف أن لعبة التهديد بمقاطعة العمليات السياسية المتتابعة هي ورقة القوة الوحيدة التي يمتلكها الحزب لرفع سعره في بورصة الاحتلال ومن يديرون اللعبة معه، وهو موقف تكرر لاحقاً في قصة الانتخابات كما سيأتي.

 

تواصلت المقاومة وتصاعدت وبدا أن نبرة الحزب في التعامل معها باتت أقرب إلى التمسح منها إلى الانتقاد أو التشكيك بالجدوى والاستمرارية كما كان الحال في الأشهر الأولى، وهو أمر كان لا بد منه في ظل دخول التيار الإخواني بقوة في ساحة المقاومة من خلال المقاومة الوطنية الإسلامية (كتائب ثورة العشرين) التي استقطبت أفضل الكوادر الشبابية في الساحة الإسلامية السنية عموماً بعد أن أصبحت المقاومة هي عنصر الإجماع الوحيد في دوائرها الشعبية.

 

طوال هذه الفترة كانت هيئة علماء المسلمين تتقدم الساحة العربية السنية وتغدو الممثل الشرعي وشبه الوحيد لها، وذلك بفضل تبنيها خيار المقاومة ودفاعها عنه من دون تردد ولا لف أو دوران، فيما كان حضور الحزب يتراجع، وإن بدا أن الموقف لم يأخذ منحى سيئاً في ظل سكوت الهيئة على ممارسات الحزب، الأمر الذي بدا في وعي البعض نوعاً من توزيع الأدوار.

 

"
السنة لم يربحوا شيئاً ذا بال من مشاركة الحزب في مجلس الحكم بل أكدوا شرعية المحاصة البائسة
"
الانتخابات والخطأ القاتل

الآن تدخل لعبة الحزب محطتها الأخيرة، حيث لن يكون بوسعه بعدها ممارسة لعبة الازدواجية، أي مديح المقاومة والتمتع بحضن الاحتلال والحكومة التابعة له في نفس الوقت، وهو ما قد حدث في ظل حالة ما يشبه الإجماع في الوسط العربي السني حيال الانتخابات بعد معركة الفلوجة.

 

يذكر أن الحزب كان شارك في اجتماع حاشد قبل معركة الفلوجة بثلاثة أسابيع هدد فيه بأن مهاجمة الفلوجة ستؤدي إلى مقاطعة المشاركين للانتخابات ودعوة الناس إلى مقاطعتها، وهو ما لم يلتزم به الحزب الذي واصل لعبة التهديد التي أشرنا إليها، مطالباً هذه المرة بتأجيل الانتخابات.

 

لا ينبغي أن ننسى أن الحزب قد قرر الانسحاب من الحكومة المؤقتة إثر معركة الفلوجة، لكن الوزير لم يلتزم بقرار الحزب، لأن مصلحة العراق أهم حسب تصريحه، لكنه عاد وهدد بالانسحاب من العملية السياسية برمتها غير أنه لم يفعل رغم تدمير الفلوجة تدميراً شاملاً كما هو معروف.

 

بالنسبة لمسألة تأجيل الانتخابات التي طالب بها الحزب الإسلامي وهدد بالمقاطعة في حال ما إذا أجريت الانتخابات في موعدها، فإن أحداً لم يكن بوسعه استبعاد لجوء الحكومة المؤقتة إلى اتخاذ قرار كهذا رغم الرفض الواسع في دوائر الشيعة، لكن شعور جماعة الحكومة أن التهديد لم يكن جاداً قد دفعهم نحو المضي في إجرائها في موعدها.

 

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القوى المشاركة في الحكومة المؤقتة كانت ولاتزال حريصة على مشاركة الحزب كعنوان لمشاركة العرب السنة، تماماً كما كان الحال في مجلس الحكم والمجلس الوطني المؤقت والحكومة الانتقالية.

 

أما التأجيل بالنسبة للحزب فلم يكن سوى محاولة للخروج من الإحراج الذي سببته معركة الفلوجة، وإلا فما الذي سيتغير في المعادلة خلال شهور التأجيل في ظل القانون الذي صيغ بعناية ليمنح أحزاب الحكومة المؤقتة شرعية جديدة، الأمر الذي لا بد له من مشاركة ممثلي السنة كي يكون مقبولاً، وليس ثمة من تنطبق عليه هذه المعادلة في ظل مقاطعة هيئة علماء المسلمين سوى الحزب الإسلامي.

 

هنا يمكن القول إن مشاركة الحزب التي غدت محسومة الآن بعد أن قدم قائمته للجنة الانتخابات، ستشكل خطأه القاتل الذي قد يضرب ما تبقى له من شعبية، لاسيما في ظل دعوة هيئة علماء المسلمين و45 هيئة وجمعية أخرى للمقاطعة، إضافة إلى مقاطعة التيار الصدري.

 

تبريرات ضحلة وغير مقنعة

أما الأهم فهو الضحالة السياسية التي يتسم بها منطق الحزب في تبرير دخول الانتخابات، وهو ذات المنطق الذي تكرر في الجولات السابقة، أي حكاية العزلة السياسية للعرب السنة وللحزب ومعها تحقيق بعض المكاسب الهامشية التي لا تتعدى كونها رشا سياسية يمنحها المحتل لمن يتعاون معه، ويمكن تحقيق ما هو أفضل منها بالنضال السياسي القائم على سياسة المقاطعة، أحرى بالمقاومة المسلحة.

 

ومن الجدير بالذكر أن السنة لم يربحوا شيئاً ذا بال من مشاركة الحزب في مجلس الحكم، بل أكدوا شرعية المحاصة البائسة، فيما بقي كل شيء في يد المتعاونين مع الاحتلال، بدليل الوزارة الهامشية التي حصل عليها الحزب في الحكومة، وبدليل  تواصل القمع في مناطق السنة على نحو رهيب، وهو ما سيتكرر في حالة الانتخابات، إذ سيجري تكريسهم كأقلية خلافاً لخيار المقاطعة الذي سيضرب شرعية المجلس ويؤكد حضورهم كعنصر لا حل لتحقيق الأمن والاستقرار للعراق من دونهم.

 

"
قانون الانتخابات الحالي وإفرازاته ليست قرآناً بل محطة فرضها ميزان القوى القائم وسيتغير بفعل المقاومة كما تقول المؤشرات المتوفرة على الأرض
"
وتبقى قضية الحزب، وهنا يمكن القول إن الأحزاب ذات الجذور الفكرية والاجتماعية لا تنتهي بمقاطعة عملية انتخابية، وقد قيل ذلك لحماس في عام 1996، لكن الموقف كان أفضل، وقد قيل ذلك لإخوان في الأردن في عام 1997، وهو ما لم يحدث، مع أن الخطأ كان منهم في سياق برمجة لعبة المقاطعة.

 

أما الأهم فهو أن أي ترتيبات يصنعها الاحتلال سترحل برحيله وقانون الانتخابات الحالي وإفرازاته ليست قرآناً، بل محطة فرضها ميزان القوى القائم، وهو ما سيتغير بفعل المقاومة كما تقول المؤشرات المتوفرة على الأرض.

 

من هنا فإن موقفاً من قبل الإسلاميين الآخرين خارج العراق، وكذلك من رموز "إخوان" الداخل لا بد منه لعل القوم يعودون عن خطأهم قبل فوات الأوان، وهو أمر لا يبدو صعباً في ظل استمرار الانتهاكات اليومية التي تمارسها قوات الاحتلال، وفي ظل بقاء أهل الفلوجة رهن البرد والخيام والتشرد.

 

وقد يكون من الضروري الإشارة هنا إلى أن المعلومات المتوفرة مازالت تشير إلى وجود غالبية بين الكوادر تميل إلى المقاطعة، الأمر الذي لا ينطبق على القيادة التي يبدو أن لقراراتها خلفيات أخرى، يبدو الخوف من أهم عناصرها.

 

لكن تورط هؤلاء في الانتخابات لن يؤدي إلا إلى خسارتهم، وخسارة من يصنفون أنفسهم مرجعية لهم، إذا واصلوا منحهم الشرعية.

 

أما الساحة الإسلامية السنية فستتجاوزهم، وبتعبير أدق ستتجاوز أصحاب هذا الخط منهم، أما القواعد الشبابية فقد سارت في الطريق الآخر واقتنعت به، لكنها تتمنى أن يلتئم الشمل على خيار مقنع للجميع داخل التيار، وللشارع العربي السني عموماً، فضلاً عن توفر فضاء جيد لدى الأطراف الأخرى.

_____________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة