تقرير بالمر.. أي فضيحة قانونية تلك؟   
الثلاثاء 15/10/1432 هـ - الموافق 13/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:01 (مكة المكرمة)، 12:01 (غرينتش)
عبد الحسين شعبان

 
أخيرا، وبعد ترقّب وانتظار صدر تقرير "لجنة بالمر" الخاص بالتحقيق في العدوان "الإسرائيلي" على أسطول الحرية وسفينة مرمرة التركية، التي كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزّة في محاولة لكسر الحصار غير الشرعي المفروض عليها منذ سنوات، والذي أسفر عن استشهاد تسعة مواطنين أتراك كانوا على متنها وجرح آخرين.
وقد بدأ عمل اللجنة في العاشر من أغسطس/آب 2010، بعد أن كان الاعتداء قد وقع في 31 مايو/أيار من العام ذاته، وتولى رئاستها رئيس وزراء نيوزيلاندا السابق جيفري بالمر، وأسند  منصب نائب رئيس اللجنة إلى الرئيس الكولومبي السابق ألفارو أوريبي. وقد صدر التقرير في نهاية أغسطس/آب 2011، ونشرته كاملا صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في الثاني من سبتمبر/أيلول 2011.

"
تضمن تقرير بالمر ثلاث مغالطات قانونية صارخة, الأولى هي اعتبار حصار غزة "شرعيا"، والثانية أن هذا الحصار شرعي بسبب التهديدات الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل، أما المغالطة الثالثة فتلك التي تقول إن إسرائيل في حالة دفاع عن النفس
"
وخلاصة التقرير تتضمن استنتاجات غريبة، سواء لتبرير استمرار حصار غزة بإيجاد مسوّغ قانوني له، أو "شرعنة" الإجراء الإسرائيلي بقتل المتضامنين الأتراك ومهاجمة السفينة مرمرة، حيث جاء فيه أن "الحصار البحري جاء كإجراء أمني مشروع بهدف منع دخول الأسلحة إلى غزّة بحرا، وأن تطبيقه يتماشى مع متطلبات القانون الدولي".

وعلى الرغم من الفترة الطويلة نسبيا التي استغرقها صدور التقرير (أكثر من عام) إلا أن اللجنة لم تكلف نفسها عناء اللقاء ببعض ضحايا الجريمة الإسرائيلية من الناجين من المذبحة، بل اكتفت بمراجعة وثائق التحقيقات التي أجرتها الحكومتان التركية والإسرائيلية، ولعل بعض المواقف المسبقة لأعضائها، لا سيما رئيسها، كان وراء التحقيق المسيّس للجنة والتقرير المنحاز الذي أصدرته على أساسها.
وقد تلقت "إسرائيل" هذا التقرير بارتياح على الرغم من نقد مخفف ورد في سياقه ما يتضمن استخدامها للقوة المفرطة، فكيف لها ألا تغتبط وتشعر بالرضا، بل بالزهو حين يصدر تقرير دولي يبرر عملها اللاقانوني واللاشرعي. ولعلها تدرك أكثر من غيرها أن ما قامت به هو قرصنة في وضح النهار في المياه الدولية، وجريمة حسب القانون الدولي تستحق العقاب لمرتكبيها. وهكذا تتحول الجريمة إلى عمل "مشروع"، وحين يتم انتقاد "الجاني" فمن باب رفع العتب لأنه مارس عنفا أكثر من اللازم ضد المجني عليه!
 
وقد تضمن التقرير -إضافة إلى استنتاجاته المنحازة إلى جانب "إسرائيل"- ثلاث مغالطات قانونية صارخة، المغالطة الأولى هي اعتبار حصار غزة "شرعيا"، وتتفرع عنها مغالطة ثانية تلك التي تقول إن هذا الحصار شرعي بسبب التهديدات الأمنية التي تتعرض لها إسرائيل، أما المغالطة الثالثة فتلك التي تقول إن "إسرائيل في حالة دفاع عن النفس".

وبدلا من إدانة عدوان "إسرائيل" وتحميل الحكومة "الإسرائيلية" مسؤولية ذلك، دعا التقرير كلا من تركيا و"إسرائيل" إلى تجاوز الوضع القائم من أجل الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي أيدته الولايات المتحدة، وليس ذلك سوى تغطية للجريمة ودعوة لنسيان الفاعلين والجناة لتلك المذبحة، التي لم تكن سوى استمرار لمذابح غزة وحصارها.
إن اعتبار حصار غزة شرعيا هو مخالفة صريحة للقانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وطبقا لهذه القواعد الدولية فإن غزة لا تزال أراضي محتلة، ويحقّ لسكانها حق الدفاع الشرعي عن النفس، ولعل هذا الحق لهم وحدهم وليس لمحتليهم، كما تعتبر المقاومة بكل أشكالها، السلمية والمسلحة، حركات تحرير وطنية يمنحها القانون الدولي حق الدفاع الشرعي.
 
وكيف يمكن المواءمة بين "دفاع شرعي" وآخر، فإمّا أن تكون غزة في حالة دفاع شرعي وأما "إسرائيل" هي التي في حالة دفاع شرعي، لكن العالم كله بموجب قرارات ما يسمى "الشرعية الدولية"، ولا سيما القرار 242 لعام 1967، والقرار 338 لعام 1973، الصادران عن مجلس الأمن الدولي، طالبا بانسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية المحتلة، فكيف تكون "دولة محتلة" وتدافع عن نفسها؟! لأن دفاعها سيكون عن احتلالها، وتلك فضيحة قانونية دولية أخرى ليس لها مثيل.

جدير بالذكر أن حصار غزة لم يتقرر بموجب قرارات مجلس الأمن، أو ما يسمى بالمجتمع الدولي والشرعية الدولية، وحتى لو تقرر بموجب هذه الجهات وتعارض مع قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، فإنه يعتبر غير شرعي، فما بالك والحصار مقرر من جانب طرف معتدٍ ومحتل لوحده، ويحاول أن يضع نفسه فوق القانون، مستخدما قانون القوة، فلم يصدر أي قرار بحق غزّة كعقوبة من جانب الأمم المتحدة بموجب ما يسمى بالفصل السابع (المادة 39 إلى المادة 51 حسب ميثاق الأمم المتحدة)، أي بتأكيد حق مجلس الأمن في اتخاذ عدد من التدابير بهدف امتثال الدولة المعنية لقواعد القانون الدولي، من بينها وقف العلاقات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية... إلخ، وهو ما اتخذ بحق العراق بعد غزوه للكويت العام 1990، وهو الحصار الذي استمر لغاية العام 2003، وجرى توظيفه سياسيا بالضد من أسبابه المتعلقة بالغزو والانسحاب.

ويعتبر الحصار جريمة ضد الإنسانية طبقا للمادة الثانية والمادة 51 الخاصة بالدفاع عن النفس من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك المادتين الخامسة والسابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الموقع عليها في روما في يوليو/تموز 1998، والتي دخلت حيّز التنفيذ في أبريل/نيسان 2002.

"
حصار غزة هو جريمة إبادة جماعية، وجريمة ضد الإنسانية، مثلما هو جريمة حرب ينبغي إحالة مرتكبيها إلى القضاء، وليس محاباتهم أو تبرير فعلتهم الإجرامية وتغليفها بنقد لا يرتقي حتى إلى اللوم
"
إن ما ينطبق على قطاع غزة هو ذاته ما ينطبق على فلسطين كلها، أي اتفاقيات جنيف لعام 1949، وبروتوكولي جنيف الملحقين لعام 1977 وقواعد القانون الدولي الإنساني، لأنها لا تزال تحت الاحتلال، وطالما هي أراض محتلة فمن حقها الدفاع عن نفسها، فما بالك إذا كان المتضامنون معها سلميون ومدنيون وجاؤوا امتثالا واستجابة لنداء الضمير الإنساني بتوفير كمية من الدواء والغذاء، فستكون جريمة المحتل أكبر لأن الفعل أكثر خطورة وجسامة!
ويقع على قوات الاحتلال أصلا مسؤولية ضمان تدفق الإمدادات الغذائية والدوائية والطبية والخدمية للأراضي المحتلة، طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين. لكن "إسرائيل" منذ نحو أربعة أعوام تفرض حصارا اقتصاديا شاملا على قطاع غزة، في البر والبحر والجو، ويشمل هذا الحصار الغذاء إلى قلم الرصاص، ناهيكم عن الماء والدواء والوقود والكهرباء ومواد البناء، ومنع مرور الأشخاص، وجميع أنواع البضائع وغيرها.

إن حصار غزة هو جريمة إبادة جماعية، وجريمة ضد الإنسانية، مثلما هو جريمة حرب ينبغي إحالة مرتكبيها إلى القضاء، وليس محاباتهم أو تبرير فعلتهم الإجرامية وتغليفها بنقد لا يرتقي حتى إلى اللوم لقتلهم مدنيين وأبرياء.
 
لعل ما أقدمت عليه تركيا من خطوات سياسية ودبلوماسية إنما ينسجم مع قواعد القانون الدولي، خصوصا طردها السفير "الإسرائيلي" وتخفيض درجة التمثيل إلى سكرتير ثان، وإلغاء الاتفاقيات الأمنية بين البلدين، تلك التي أبرمت منذ العام 1960 وبالأخص اتفاقية ترايندت، وإعلان عزمها اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لرفع دعوى ضد "إسرائيل" لارتكابها جريمة قرصنة دولية، وهي في الوقت نفسه جريمة حرب حسب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

ولا يمكن تصوّر لجنة دولية هدفها إصدار تقرير حول عمل إجرامي أن تخرج بما خرجت به "لجنة بالمر"، وعلينا أن نتذكّر كيف أقامت "إسرائيل" الدنيا ولم تقعدها عندما صدر تقرير غولدستون، الذي اعتبر عدوانها ضد غزة وما ارتكبته ضد المدنيين بمثابة جرائم حرب أو ترتقي لذلك، وحاولت بشتى الطرق الضغط على غولدستون لتغيير تقريره، وإن حصل بعد حين، لكن الأمر لن يغيّر من رأي اللجنة بشيء أو ينتقص من تقريرها، الأمر الذي سعت لتداركه عند اختيار لجنة بالمر التي تبنّت الوجهة "الإسرائيلية" للأحداث، واقتفت أثر التفسير "الإسرائيلي" لعملها الإرهابي، وذلك كي لا يحصل معها ما حصل في لجنة غولدستون، التي لا تزال تشعر بالضيق والتبرم كلما جاء ذكرها.

أو كما حصل معها عند صدور قرار مؤتمر ديربن العام 2001 بإدانة الممارسات الإسرائيلية الصهيونية ودمغها بالعنصرية، والذي تم التراجع عنه في ديربن الثانية التي انعقدت في جنيف، وكذلك ما حصل عند صدور القرار 3379 العام 1975 الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، واعتبرها شكلا من أشكال العنصرية للتمييز العنصري، وهو انتصار كبير للعرب ولقضية التحرر وضد الصهيونية العنصرية.
 
"
موقف تركيا من تقرير بالمر يعدّ خطوة مهمة لتدعيم الكفاح العربي، خصوصا بعد وصول اتفاقيات أوسلو إلى طريق مسدود، وسعي القيادة الفلسطينية للحصول على اعتراف بدولة فلسطين من الأمم المتحدة
"
لكن هذا الانتصار تبدد، ولا سيما بعد إصرار "إسرائيل" على إعدام هذا القرار، وحصل لها ما أرادت بمجرد اختلال ميزان القوى على المستوى العربي والعالمي في 16 ديسمبر/كانون الأول العام 1991.

وعلى الرغم من أن تركيا هي أول بلد إسلامي اعترف بإسرائيل العام 1949 وأقام أوثق العلاقات معها، لا سيما في سنوات الستينيات وما بعدها، وهي عضو في حلف الناتو، وفيها قواعد عسكرية أميركية، لكنّ تغييرا طرأ على الموقف التركي منذ فوز حزب العدالة والتنمية العام 2002، حيث بدأ باتخاذ مواقف متوازنة إلى حد ما ومعتدلة، لا سيما موقفه الإيجابي ضد العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، وضد حرب "إسرائيل" وحصارها على غزة ، الأمر الذي يتطلب تعزيز هذا الموقف واستثماره سياسيا تبعا للمصالح المشتركة، والمنافع المتبادلة ولتعزيز العلاقات بين الأمة التركية والأمة العربية.
 
إن موقف تركيا الأخير من تقرير بالمر يعدّ خطوة مهمة لتدعيم الكفاح العربي، خصوصا بعد وصول اتفاقيات أوسلو إلى طريق مسدود، وسعي القيادة الفلسطينية للحصول على اعتراف بدولة فلسطين من الأمم المتحدة، ولذلك ينبغي تعزيز هذه المواقف والتضامن معها، سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي، وأظن أن هذا الموقف ممكن في ظل الربيع العربي وبعد الإطاحة بعدد من أنظمة الاستبداد، وتحرر العديد من الشعوب العربية من الخوف المزمن والمعتّق وشحّ الحريات وسلب الكرامة التي عانت منها سنوات طويلة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة