هل يكون العراق الهدف التالي؟   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: غراهام فولر

مع انهيار طالبان نرى نقاشا واسعا في واشنطن اليوم بشأن الخطوة التالية للحرب على الإرهاب، فهل يكون العراق المرحلة التالية من هذه الحرب؟ إن وجهات النظر بشأن هذه المسألة تختلف اختلافا واسعا حتى داخل إدارة بوش.

يجب أولا أن نلحظ أن أحدا لم يربط حتى الآن صدام حسين بأي من بن لادن أو بانتشار مرض الجمرة الخبيثة في الولايات المتحدة. نعم هناك رواية تتحدث عن اتصالات بين مسؤول عراقي ومحمد عطا في براغ قبل عدة سنوات، لكن أحدا لم يتحدث بشكل جاد حتى الآن عن ارتباط أكثر عمقا. أما مشكلة الجمرة الخبيثة فتبدو أنها مرتبطة بناشط أميركي من داخل أميركا وهو غير متزن من الناحية العقلية وقام بعمله هذا لأسباب غير معروفة. وعلى الرغم من وجود رسالة واحدة على الأقل من الرسائل التي احتوت على بكتيريا الجمرة الخبيثة كانت تحمل عبارة "الله أكبر" و"الموت لليهود"، فإن مكتب التحقيقات الفدرالي لا يعتقد أن الفاعل مسلم.


واشنطن تعتبر أن جميع الأسباب القديمة التي دعتها لضرب العراق ما زالت موجودة، فهو صاحب تاريخ ببدء حربين على جيرانه، وهو يعمل الآن على تطوير أسلحة دمار شامل، كما أن لديه تاريخا في استخدام أسلحة كيماوية ضد الأكراد وإيران
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تحول إدارة بوش الآن اهتمامها العسكري نحو العراق في خضم حرب ضد الإرهاب؟ فمن الواضح أن صدام حسين ليس مشكلة جديدة، فهو قد نجا من حرب الخليج الأخيرة التي أعلنها والد الرئيس الحالي جورج بوش. لكن جميع الأسباب القديمة ما زالت موجودة، فهو صاحب تاريخ ببدء حربين ضد جيرانه المسلمين. ومن المؤكد أنه يعمل الآن على تطوير أسلحة دمار شامل، كما أن لديه تاريخا في استخدام أسلحة كيماوية ضد مسلمين آخرين، سواء الإيرانيين أو الأكراد. إضافة لذلك فإن النظام العراقي أكثر الأنظمة في العالم الإسلامي قمعا لشعوبها. وصدام حسين نفسه رجل خطر ووحشي يكرهه كل شعبه تقريبا. إن حفنة صغيرة من التكريتيين فقط هي التي تريد إبقاءه في السلطة لأنهم يستفيدون منها. ويستغل صدام حسين خوف أهل السنة من الغالبية الشيعية في محاولة ابتزاز للأقلية السنية كي تسانده.

ولا بد أن أتحدث هنا بصراحة وأقول إنه رغم أنني أعارض دوما معظم التدخلات الأميركية والأوروبية في شؤون الشرق الأوسط، ورغم أنني غير راض عن السياسة الأميركية تجاه المشكلة العربية- الإسرائيلية، فإنني أعتقد أن الشعب العراقي يستحق رئيسا أفضل من صدام حسين بكثير. إنني أؤيد الإطاحة به، لكن السؤال كيف ومتى وما الخطة المستقبلية وبالتعاون مع من؟ سأناقش مسألة عراق المستقبل في مقال قادم، ولكن دعوني أناقش هنا مسألة التوقيت.

لقد أوضح بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأميركي السبب الرئيسي لمهاجمة نظام صدام الآن. إنه يعتقد أن الحرب على الإرهاب يجب أن تعالج جميع مشكلات الأنظمة العنيفة في الشرق الأوسط في وقت واحد، وأن على الولايات المتحدة أن توظف زخم انتصارها على طالبان في تطبيق الأساليب نفسها ضد صدام. وهو يجادل بأن صدام ما زال يشكل التهديد العسكري الرئيسي ضد دول الخليج الأخرى وضد إسرائيل. ويعتقد وولفويتز أن الوقت الآن هو الأفضل للتعامل مع صدام، مستفيدين من سخط العالم نتيجة الهجوم على مركز التجارة العالمي.

إلا أن العراق حسب رأيي لن يكون الهدف التالي للهجوم في المستقبل القريب بسبب الحاجة إلى تهيئة أرضية سياسية ودبلوماسية ضخمة قبل القيام بأي عمل من هذا النوع، وهو ما يعتبر عملا ليس سهلا.

كما أن وزير الخارجية كولن باول يفهم هو الآخر تعقيدات السياسة العربية عندما يتعلق الأمر بالعراق. إن كثيرا من المسؤولين في واشنطن يدركون تماما أن التعامل مع أفغانستان شيء والتعامل مع العراق شيء آخر يختلف اختلافا تاما. إن غالبية العرب يدركون أن ما قام به بن لادن في نيويورك لم يكن له ما يبرره أخلاقيا أو دينيا، على الرغم من سخطهم بسبب السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. كما أن قلة من المسلمين في العالم هم الذين يتفقون مع تفسير طالبان البدائي للإسلام الذي شوه صورته. ولذلك فهناك قلق محدود وتعاطف قليل في العالم العربي بسبب الحرب على طالبان على الرغم من تعاطف الجميع مع الضحايا المدنيين الأفغان وشعورهم بالأسف بسبب الحرب التي تجري في بقعة أخرى من العالم الإسلامي. لكن قلة فقط هي التي ستظل صامتة إذا ما تعرضت بغداد لحملة عسكرية كبيرة.


كثير من العرب يعتبرون أي هجوم أميركي على العراق بمثابة تحقيق أميركي للأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، وأنه قد يشكل بداية لهجوم عسكري محتمل على أجزاء أخرى من العالم العربي إضافة إلى أنهم ينظرون إليه باعتباره يدعم الإرهاب بشكل أو بآخر
قد لا يكون العالم العربي يحب صدام حسين، لكنه يعارض هجوما على العراق لأنه يزيد من معاناة الشعب العراقي. إن كثيرا من العرب يعتبرون أي هجوم أميركي على العراق بمثابة تحقيق أميركي للأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة وأنه قد يشكل بداية لهجوم عسكري محتمل على أجزاء أخرى من العالم العربي إضافة إلى أنهم ينظرون إليه باعتباره يدعم الإرهاب بشكل أو بآخر. إن باول يدرك أنه لا توجد أي حكومة عربية تقريبا يمكن أن تؤيد هجوما عسكريا للإطاحة بصدام في هذه المرحلة.. فهناك غضب عارم بين المسلمين بسبب الوضع الفلسطيني، أضف إلى ذلك أن الحكومات العربية ستشعر بالخطر من الرأي العام في بلادها إذا ما أيدت هذه الحكومات الهجوم الأميركي على العراق. ولذلك إذا رغبت واشنطن في المحافظة على الدرجات المتفاوتة من القبول العربي للحرب في أفغانستان فإنها لا تستطيع إضافة العراق الآن إلى قائمة أهدافها. كما أن واشنطن تريد تعاون الحكومات العربية في التحقيق في الحسابات المصرفية والحوالات المالية التي تتم دوليا، ولذلك ولهذه الأسباب كلها فإن أي هجوم على العراق لن يكون عملا حكيما في هذه المرحلة.

أكثر أهمية من ذلك كله، أن أي حرب على صدام تحتاج درجة معينة من الدعم اللوجستي من داخل المنطقة، فكم دولة عربية يمكن أن تسمح للولايات المتحدة اليوم بالهجوم على العراق انطلاقا من أراضيها؟ كما أن تعاون تركيا ضروري هو الآخر من أجل أي حرب ضد صدام لأن مثل هذه الحرب الأرضية قد تبدأ من شمال العراق قرب الحدود التركية. لكن أنقرة تعارض بقوة المحاولات الأميركية للإطاحة بصدام. فهي تخشى انقسام العراق بعد سقوط صدام والذي يمكن أن يؤدي إلى إنشاء دولة كردية مستقلة شمالي العراق والتي ستشجع بدورها انفصال الأكراد داخل تركيا نفسها. إن موافقة إيران قد تكون هي الأخرى عنصرا ضروريا لنجاح الحرب ضد العراق، ولا تكن طهران مشاعر الحب لصدام، لكنها في الماضي كانت تخشى من وجود حكومة مؤيدة للأميركان في بغداد أكثر من خوفها من صدام نفسه. إن هذا الوضع قد يكون الآن قابلا للتغيير خصوصا إذا تحسن الوضع في أفغانستان بعد سقوط طالبان وإذا ما غادرت القوات الأميركية أفغانستان. لكن الولايات المتحدة بحاجة إلى التواصل مع طهران والوصول إلى نوع من الاتفاق معها قبل أن تقع أي حرب، وأي تسوية لما بعد صدام مهمة جدا بالنسبة لطهران لأنها ستستفيد منها من أجل تحقيق مصالحها الخاصة.

وأخيرا، فإنني لا أعتقد أن بوش في وضع يمكنه حتى من البدء في التفكير بشكل جاد في مسألة العراق ما لم يحدث تغير جذري على الجبهة الفلسطينية. ولا بد من إرضاء العرب عن طريق إحداث تقدم حقيقي وجذري باتجاه إقامة دولة فلسطينية وفق شروط عادلة بالنسبة للفلسطينيين. وإذا لم تتم تلبية هذا الشرط، لن يمكن عمل أي خطوات جادة ضد صدام. ومن الواضح أيضا أن ذلك سيحتاج إلى بعض الوقت لإنجازه، إن كان بوش قادرا أصلا على تحقيقه. وحتى الآن رأينا بداية على هذه الجبهة، ولكن لا يوجد حتى الآن ما يقنعني بأن سياسات واشنطن قد تغيرت حقيقة. أرجو أن نسعد بحدوث تطورات في هذا المجال في المستقبل القريب.

لذلك، فإن صدام حسين قد يكون لديه بعض الوقت ليأخذ أنفاسه لكنه ليس وقتا طويلا. إن الفرق الوحيد بين الصقور والحمائم في واشنطن هو أن الصقور يريدون عملا فوريا الآن بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى في الشرق الأوسط. أما الحمائم (أمثالي) فإنهم يريدون التريث إلى حين التوصل إلى إجماع سياسي ودبلوماسي متين في المنطقة ضد صدام.

لكني أشك في قدرة صدام على الإفلات إلى الأبد من محاولة الإطاحة به على المدى البعيد، ومن المؤكد أن ذلك سيحدث خلال ولاية الرئيس بوش. إن الأرضية الأيديولوجية لمثل هذا الهجوم يتم وضعها الآن وخصوصا ما تعلق منها ببرنامج صدام الخاص بالأسلحة.

وهنا يأتي السؤال المهم للعرب أنفسهم: ما الشروط التي يمكنهم بموجبها الموافقة على محاولة جادة للإطاحة بصدام؟ إن نسبة ضئيلة من الناس لا تريد أن ترى أي هجوم على صدام لأنهم يعتبرونه مركز قوة ضد إسرائيل. ولكن هل هو حقا كذلك؟ ففي السنوات الأربعين الأخيرة لم يفعل العراق أي شيء تقريبا ضد إسرائيل باستثناء إطلاق بضعة صواريخ سكود دون تأثير. إنه بالنسبة لبعض الفلسطينيين المحبطين والمقهورين بطل يتصدى للغرب. ولكن كما هو الوضع مع بن لادن، ينبغي على الناس أن يكونوا حريصين حول من يختارونهم أبطالا وأن يتساءلوا إن كان صدام يستحق لقب البطولة؟ ألا يستحق الشعب العراقي قيادة أفضل؟ كيف إذن ستأتي تلك الحكومة الأفضل؟ هل من المرغوب فيه محاولة إيجاد حكومة أكثر ديمقراطية في هذا البلد العربي الهام؟ أين هي الدولة الديمقراطية النموذج في المنطقة اليوم؟ كيف يمكن أن يكون هناك بعض التعاون لتغيير الوضع في العراق.. من أجل مصلحة الجميع؟ ينبغي على العرب أن يوجهوا هذه الأسئلة إلى أنفسهم لكي يشاركوا في الحل.

للمشاركة بالرأي والتعليق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة