فعل المقاومة الفلسطينية ورد الفعل الإسرائيلي   
الأحد 1427/4/23 هـ - الموافق 21/5/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:34 (مكة المكرمة)، 9:34 (غرينتش)
عدنان أبو عامر


- الساحة الميدانية لقوى المقاومة
- الرد الإسرائيلي المرتقب

تأتي العملية الاستشهادية التي وقعت قبل أيام في عمق الكيان الإسرائيلي بعد شهور من استتباب الأمن الإسرائيلي مؤقتا، لتعيد من جديد النقاش حول المستقبل الذي ينتظر المقاومة الفلسطينية، لاسيما أن قطاع غزة قد تحول مؤخرا إلى ساحة مفتوحة من المواجهة العسكرية الدموية بين قوى المقاومة وقوات الاحتلال.

كما أن التهديدات العسكرية التي أطلقتها الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية فور الخروج من غزة في حال تجدد أعمال المقاومة، لم تتوقف.

وقد وجد هذا الأمر طريقه من خلال التصعيد العسكري خلال الشهرين اللذين تليا الانسحاب الإسرائيلي (سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2005)، وما صدر مؤخرا من تهديدات إسرائيلية بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية على القطاع، سواء تعلق ذلك بالأدوات العسكرية المستخدمة وحدتها، أو اتساع رقعتها.

لتلك الأسباب وغيرها، تأتي أهمية الحديث في هذه القضية، لاسيما وأن الضفة والقطاع يشهدان حالة من التصعيد الإسرائيلي ضد قوى المقاومة، بصورة تعتبر الأشد قسوة منذ تنفيذ خطة الفصل.

"
المنظومة الفنية لحركات المقاومة لاسيما حركة حماس نجحت في تنفيذ رفع درجة إنتاجها للصواريخ وتحسين قدرتها على الإصابة
"
الساحة الميدانية المفترضة لقوى المقاومة
بعد تنفيذ الانسحاب العسكري الإسرائيلي من داخل قطاع غزة، وإخلاء جميع المستوطنات والمواقع العسكرية، بدا واضحا أن ساحة المعركة أمام قوى المقاومة قد تغيرت بصورة جوهرية، لاسيما في ضوء عدد وحجم ونوعية العمليات الفدائية ضد هذه الأهداف العسكرية والاستيطانية على حد سواء، فاتخذت العمليات العسكرية الأشكال التالية:

- العمليات الاستشهادية
- الكمائن العسكرية الطيارة
- اقتحام المستوطنات والتسلل إليها
- تفجير عبوات ناسفة عن بعد

وفي ظل غياب هذه الأهداف بصورة كلية بفعل تنفيذ خطة الفصل، أصبحت الخيارات العسكرية من الناحية الميدانية جد ضيقة، الأمر الذي يحتم عليها البحث مبكرا في خيارات أخرى.

1- ساحة المقاومة في قطاع غزة
لقد تبين للمقاومة بعيد خروج قوات الاحتلال من قطاع غزة أن الأهداف العسكرية، التي كانت متاحة قبل أيام وأسابيع، قد ذهبت ولم تعد قائمة، الأمر الذي يحتم عليها البحث عن بدائل مفترضة، تجسيدا لما قالته بأن الانسحاب الإسرائيلي من غزة لن يوقف مسيرة المقاومة.

ورغم إقرار قوى المقاومة بصورة عامة بصعوبة فعلها في قطاع غزة، فإنها أجمعت على تشكيل دور مساند للمقاومة في الضفة الغربية، وتحدث بعضها عن عمل دؤوب لإقامة المزيد من الخلايا المسلحة في الضفة استعدادا للمرحلة المقبلة.

والحقيقة أن الساحة الميدانية للمقاومة مرتبطة أساسا بفرضية استمرارها، الأمر الذي أكدته مرارا قبيل تنفيذ الخطة، لاسيما خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب 2005.

إلا أن الأمر بقي منوطا بقيام قوى المقاومة بعملياتها كرد فعل على انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في الضفة الغربية والقدس.

وهكذا يرى فريق كبير أن "المقاومة لم توجد لتحرير قطاع غزة فقط، فإذا انسحب الاحتلال من غزة فهذا لا يعني انتهاء المقاومة واسترداد كامل الحقوق، لأن المعركة ما زالت طويلة، والمعركة الأشرس والأشد ستكون على الضفة الغربية وفي قلبها القدس، مما يجعل سلاح المقاومة بالضرورة هو الرقم الصعب، إن لم يكن الأصعب في هذه المتاهة".

وفي ضوء تناقص المساحة الجغرافية أمام قوى المقاومة بفعل الانسحاب الإسرائيلي، فقد بدا واضحا أن الإمكانية الوحيدة المفترضة أمامها تتعلق بقيامها بقصف المستوطنات في الأراضي المحتلة عام 1948.

وقد يطال القصف المناطق المجاورة للقطاع، مما يسبب ردود فعل واسعة في الشارع الإسرائيلي، لاسيما بين أولئك القاطنين على الحدود الشرقية والشمالية للقطاع، ممن باتوا على مرمى الصواريخ والقذائف التي تطلقها قوى المقاومة.

وقد شكل صاروخ القسام من النواحي العسكرية والأمنية تهديدا حقيقيا لإسرائيل، كثيرا ما شكت منه وحاولت القضاء عليه عن طريق الاجتياح المتكرر لقطاع غزة، وقصف ورشات الحدادة والخراطة، لكنها لم تستطع القضاء عليه.

وبقي هذا الصاروخ البدائي يشكل هاجسا مزعجا لإسرائيل حتى بعد الانسحاب من قطاع غزة.

وقد أوضحت تقارير وصلت إلى أجهزة الأمن الإسرائيلية أن المنظومة الفنية لحركات المقاومة لاسيما حركة حماس نجحت في تنفيذ رفع درجة إنتاجها للصواريخ وتحسين قدرتها على الإصابة، وبالتالي تهديدها لعشرات البلدات الأخرى ومواقع توصف بالحساسية.

وقد زاد من سخونة الأوضاع وارتفاع حدة التهديدات الإسرائيلية ما توصلت إليه قوى المقاومة مؤخرا من إطلاقها قذائف الكاتيوشا من قطاع غزة باتجاه البلدات والمستوطنات المجاورة، وخاصة في منطقتي النقب والمجدل.

ومع ذلك فقد أشارت الأحداث المتلاحقة إلى أن اقتصار المقاومة على هذه الصواريخ والقذائف بعد الانسحاب الإسرائيلي، أوقعها في إشكاليتين كبيرتين هما:

أ‌- عدم قدرتها على مواجهة المستجدات الميدانية الجديدة في القطاع، وبالتالي عجزها عن التكيف مع الوقائع المستجدة على الأرض.

وقد كان بإمكانها البحث في البدائل المتاحة منذ زمن، علما بأنها سجلت خلال سنوات الانتفاضة قدرة خلاقة على ابتكار الأساليب القتالية التي مكنتها من التغلب على الإجراءات الإسرائيلية، وخاصة ما تمثل في حرب الأنفاق في قطاع غزة.

ب- إعداد العدة جيدا من قبل قوات الاحتلال لمواجهة استمرار قوى المقاومة في إطلاقها للصواريخ، من خلال توسيع المساحة الجغرافية المكشوفة أمام آلياتها العسكرية وطائراتها، وبالتالي قيامها بعملية "حلاقة" للأراضي الزراعية، والإعلان ضمنيا عن مساحات واسعة من شمال وشرق قطاع غزة كمناطق عسكرية مغلقة.

"
لا ينبغي أن يخفى علينا أن الضفة الغربية اليوم تتعرض لهجمة استيطانية شرسة، وأن إسرائيل بخروجها من غزة وشمال الضفة الغربية تريد أن تلتهم باقي أجزاء الضفة
"
2- ساحة المقاومة في الضفة الغربية
في المقابل فإن الساحة الميدانية للمقاومة في الضفة الغربية لم تتغير كثيرا، وبالتالي بقيت الأهداف ذاتها، مثل مهاجمة دوريات الجيش وقوافل المستوطنين وعمليات الاقتحام الاستشهادية داخل المستوطنات، بالإضافة إلى العمليات الاستشهادية داخل العمق الإسرائيلي، وإن كانت أصبحت أكثر صعوبة بفعل المعطيات الجغرافية الجديدة التي طرأت بعد إقامة جدار الفصل العنصري.

وقد غصت وسائل الإعلام الإسرائيلية بالعديد من التحليلات الأمنية والعسكرية عن مدى الاستعدادات التي تقوم بها المقاومة في الضفة، لبدء ما سموه "حرب الصواريخ" أو "الانتفاضة الثالثة".

ومع ذلك، فلا ينبغي أن يخفى علينا أن الضفة الغربية اليوم تتعرض لهجمة استيطانية شرسة، وأن إسرائيل بخروجها من غزة وشمال الضفة الغربية تريد أن تلتهم باقي أجزاء الضفة، الأمر الذي لن ترضى به قوى المقاومة جملة وتفصيلا، لأن ذلك يعني نجاح الاحتلال في عزل القطاع عن الضفة، وذلك أمر طالما حذرت منه.

وبالتالي فهي أشد الأطراف حرصا على عدم الوقوع فيه، الأمر الذي يبرر لها، بل ويشجعها، على الاستعداد والتأهب لشن جولة جديدة في مدن الضفة الغربية وقراها، وقد وجدنا ذلك من خلال قيام أجهزة المخابرات الإسرائيلية باعتقال عدد من مقاومي قطاع غزة، وهم في طريقهم إلى الضفة الغربية لنقل تقنيات الصواريخ هناك.

الرد الإسرائيلي المرتقب على جهود المقاومة
منذ اليوم الأول الذي أعلن فيه شارون عن خطة الفصل بتاريخ 18/12/2003، بدأت الطواقم الأمنية والسياسية والعسكرية تعمل على قدم وساق لترتيب تنفيذ الخطة على أفضل وجه ممكن، ومما اهتمت به هذه الطواقم الاستعداد لمواجهة "اليوم التالي".

وفي تقييمنا للسلوك العسكري الإسرائيلي –كما ونوعا- لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن العقول المدبرة لخطة الفصل في الجيش الإسرائيلي، لاسيما رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال غيوري أيلاند، ويسرائيل زيف رئيس وحدة العمليات في هيئة الأركان التابعة للجيش الإسرائيلي، أكدا في أكثر من مناسبة أن طبيعة الميدان العسكري في القطاع ستختلف بصورة كبيرة عما كان الوضع عليه قبل الانسحاب منه.

وهذا الأمر وجد طريقه من خلال عدد من اللقاءات التي عقدتها شعبة التخطيط التابعة لهيئة أركان الجيش وبعض مراكز البحوث والمؤسسات العلمية في إسرائيل، للبحث في كيفية الرد على أي مستجدات قد تشهدها الساحة في غزة بصورة خاصة.

وفي هذا المجال أبدت إسرائيل استعدادها لإمكانية استمرار الفلسطينيين في مقاومتهم بعد الانسحاب من غزة، ولذلك وضعت الخطط لمواجهة سيناريوهات محتملة من هذا القبيل، فقد أعد الجيش الإسرائيلي خطة متعددة الطبقات تتكون من الدفاع والهجوم والاستخبارات، ولديها أجنحة معروفة وأخرى سرية، وقام بتوحيد كل وسائله الاستخبارية والاعتراض وإطلاق النار والاكتشاف والإصابة والسيطرة في قبضة واحدة ناجعة.

لم يتوقف الأمر عند ذلك فقط، بل إن العديد من المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين أعلنوا عن ردود عسكرية لم يعهدها الفلسطينيون من قبل في حال تجدد مقاومتهم بعد الانسحاب من غزة، من باب أن قيادة الجيش لا ترغب في الدخول في مسألة حساسة وهي الظهور أمام العالم في صورة من تراجع أمام المقاومة.

"
العقول المدبرة لخطة الفصل في الجيش الإسرائيلي أكدت أن طبيعة الميدان العسكري في القطاع ستختلف بصورة كبيرة عما كان الوضع عليه قبل الانسحاب منه
"
وهكذا لم تنتظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية طويلا، بل استنفرت وحداتها القتالية ومؤسستها التصنيعية في رئاسة الأركان، للبحث في البدائل الفنية والتقنية المفترضة للرد على أي عمل مسلح قد يخرج من غزة باتجاه هذه التجمعات.

وكانت النتائج على النحو التالي:
- وضع محطات إنذار مبكر للصواريخ المنطلقة من غزة باتجاه إسرائيل، للعمل على إحباط مفعولها أو على الأقل إسقاطها قبل وصولها لأهدافها.

- إبقاء قطاع غزة تحت المراقبة الدائمة من قبل الطائرات الاستطلاعية الإسرائيلية، ولذلك كشفت إسرائيل مؤخرا عن توقيعها اتفاقية لشراء كمية من هذه الطائرات بصفقة قدرت قيمتها بخمسين مليون دولار.

- نشر العديد من الوحدات والكتائب العسكرية على طول الحدود الشرقية مع قطاع غزة، لاكتشاف أي محاولة للتسلل من القطاع باتجاهها.

- التشديد على السلطة الفلسطينية في نشر قواتها لمراقبة الحدود الشرقية للقطاع مع إسرائيل، ومراقبة هذا الانتشار من خلال لقاءات التنسيق الأمني والموفد الأمني الأميركي.

وأخيرا، فإن المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي أضحت تواجه صعوبات جمة، على الصعيدين السياسي والأمني على حد سواء.

وهذا الأمر يحتم عليها المضي قدما في استكمال مشوارها المقاوم رغم تلك الصعوبات من خلال ابتكار المزيد من الأفكار الخلاقة، لاسيما على الصعيد الميداني في الضفة الغربية، ذات الطبيعة الجغرافية المواتية أكثر من قطاع غزة، رغم ما يحيط بالمقاومين من ظروف تحول بينهم وبين هذا الابتكار.

ومع ذلك، فإن قراءة موضوعية هادئة لطبيعة تغير الظروف المحلية والإقليمية، وخاصة التغيرات السياسية والحزبية التي طرأت لدى الفلسطينيين والإسرائيليين، تحتم على قوى المقاومة البحث في بدائل لمواجهة قوات الاحتلال.

ولا يكون ذلك إلا من خلال البحث في نقاط الضعف لديه، والتكيف سريعا مع المستجدات الأمنية والعسكرية، ومحاولة محاكاة تجارب ثورية وكفاحية عالمية تغنيها عن دفع فواتير باهظة ومكلفة، في ظل أجواء لا تساعد كثيرا على الانتباه لهذه الأثمنة إذا ما قيست بفواتير إقليمية حان دفع استحقاقها!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة